قيس الخزعلي ينقل مقر "الموساد" من السليمانية إلى أربيل
في الموروث التاريخي العربي، يتمنى حكيمٌ أن تكون له "رقبة كرقبة البعير" تجبرهُ على التريّث قبل نطق الكلام، فقِصَر الرقبة "مجازاً" مذموم، وفي "وتريات" مظفر النواب "... حتى عاد بلا رقبة"، لكن زعيم فصيل "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، تجاهل حكمة الحكيم، فحوّل نفسه إلى ما هو عليه، وغَدا ثغراً يؤتى منه معسكر أتباع إيران جيئةً وذهاباً.
المسلح المرعب... ثم المُضحك
بعد مقتل قائد "الحشد الشعبي" جمال جعفر (أبو مهدي المهندس)، سعى الخزعلي للقفز إلى رأس هرم مملكة المال والسلاح في العراق، وبعد الخسارة الانتخابية غير المسبوقة لأجنحة "الحشد"، احتكّ بحليفه، زعيم تحالف الفتح هادي العامري، وحاول إزاحته، بدعوى أن الخزعلي أصلحُ للقيادة، وأن العامري يتحمل مسؤولية الهزيمة.
تراهن أجنحة في "الحرس الثوري" الإيراني على جعل الخزعلي، الذراع الإيرانية الأولى في العراق، لكن الخزعلي لا يساعد قادته في إيران على تمكينه.
وبدلاً من إظهار شيء من الحكمة عبر تقليل الكلام أو ضبطه على غرار سلوك المهندس، يفقد الخزعلي السيطرة على فمه منذ فوزه بـ15 مقعداً عام 2018. ومُذّاك، تحوّل الرجل تدريجياً من شخص يعتمد الرعب في تسويق نفسه كزعيم لجماعة دموية تدغدغ حنين بعض العراقيين للديكتاتوريات وتتوق لدمج العراق بإيران، إلى أحد أكثر الشخصيات حصداً للتفاعلات الضاحكة في صفحات التواصل العراقية.
إساءة استثمار الحصانة
شهدت فترة الحكومة الحالية انتعاشاً في نشاط إعلام الفصائل، على مستوى افتتاح منصات جديدة، وتوسيع عمل القائمة، وذلك نظراً لمحاولة رئيس الوزراء الحفاظ على علاقات بجميع الأطراف تمكنه من مواصلة مشواره السياسي، ولذا فقد أحجم عن تجفيف أو حتى مراقبة منابع تمويل تلك المنصات الإعلامية، أو على الأقل إخضاع بثها للمعايير القانونية.
ويحظى أي منتمٍ إلى الجهات "الحشدية" الإيرانية بحصانة مفتوحة من المساءلة القضائية مهما فعل أو قال، فـ "المهندس هو أخي الذي لم تلده أمي" كما يقول رئيس مجلس القضاء فائق زيدان.
وأن تكون من أتباع شقيق رئيس القضاء، ليس ميزة يتمتع بها جميع العراقيين أو الصحافيين خارج الوسط الإيراني، وهو ما يشجع الخزعلي بين فينةٍ وأخرى، على استدعاء إعلامييه لتسجيل حلقات منفلتة من المعايير القانونية وحتى من الأعراف التلفزيونية كالالتزام بالوقت.
ويُظهر الرجل ولعاً بتقليد عدي صدام حسين، وفلاديمير بوتين وغيرهما، عبر إجراء حوارات يديرها أكثر من إعلامي، يتحلقون حول "الزعيم" ليكشف لهم حكايا لا يعرفها غيره عن المؤامرات الخفيّة، كما يحاول تقليد زعيم "حزب الله" اللبناني حسن نصر الله بالصراخ أثناء الخطابات، ووضع صور مشابهة لما يضعه نصر الله خلفه، فضلاً عن تأثره بزعيمه السابق مقتدى الصدر، حيث افتتح منتصف العام 2019 صفحة باسم وهمي في "فايسبوك" على طريقة صفحة الصدر، لكنه أغلقها لاحقاً.
محطات من أرشيف أكاذيب معمم مقاوم
"إذا كان الأكل ببلاش... فصحتك مو ببلاش" يقول المثل العراقي، لكن الخزعلي، أتخم نفسه بالكلام، حتى صار حديثه نهراً يشق نهراً.
عام 2019، قال الخزعلي في حوار حضره إعلامي يعمل في فضائية "العصائب"، إن "للموساد الإسرائيلي مقراً داخل محافظة السليمانية" التي يديرها حزب "الاتحاد الوطني الكردستاني".
السبت الماضي، ظهر الخزعلي برفقة الإعلامي ذاته، وتحدث عن مسلحين أسطوريين "تقوم إسرائيل بتدريبهم لإشعال فوضى في المناطق الشيعية"، وبما أن الإعلامي كان قد حفظ الدرس جيداً، فقد أكمل الحديث بالسؤال عمّا إذا كانت تلك التدريبات المزعومة تجري في إقليم كردستان العراق، إلا أن الخزعلي قاطعه وقال إن المؤامرة الإسرائيلية "لا تجري في كل كردستان، بل في أربيل".
ويبدو أن الإعلامي قد قرر أن "يعدّي" ليلته وربما وظيفته "على خير" من دون أن يسأل الخزعلي "متى ولماذا انتقل الموساد من السليمانية؟".
وعملياً، لم يطرأ جديد بين عامي 2019 و2022، سوى أن الخزعلي أصبح في شبه تحالف مع "الاتحاد الوطني الكردستاني" الذي يتخذ من السليمانية معقلاً له، ولذا سارع إلى إخراج مقر "الموساد" المزعوم من السليمانية إلى أربيل.
وبينما قال الخزعلي عام 2014، إن قطر هي التي تدعم تنظيم "داعش" وليست السعودية، عاد أواخر العام 2017 ليشطب قطر من "قائمة أعداء العراق" واعتبر أن السعودية هي عدو العراق الرقم 1 في المنطقة. وأيضاً، ليس بين التصريحين، سوى أن تعليمات إيرانية صدرت للوكلاء، بالتوقف عن مهاجمة قطر، إبان التقارب بين طهران والدوحة بعد الأزمة الخليجية.
صيف العام 2020، قال الخزعلي إن فصائل "الحشد" التابعة لإيران ليست هي مَن اغتال النشطاء العراقيين وقتل المتظاهرين، بل "مجاميع تدربت في الأردن".
خريف العام 2021، التقى الخزعلي بوفد أردني رفيع المستوى، ومنذ ذلك الحين، لم يعد الخزعلي يتحدث عن التدريب الإسرائيلي في الأردن لاغتيال النشطاء المناهضين لإيران، وقرر نقل عمليات التدريب إلى أربيل كما في تصريحه الأخير.
بمراجعة سلوك الفصائلي الأكثر نبذاً، يظهر أن الرجل أقرب إلى تسوّل تطبيع علاقاته مع الجهات المحلية والإقليمية، عبر طريقة الابتزاز والبلطجة الإعلامية التي يستخدمها بعض الإعلاميين، حيث يهاجم طرفاً ما، للفت نظره ودعوته للتفاوض، فإذا كان ذلك، أو تلقى أمراً فوقياً من طهران أو لمس تغييراً في مزاج مكتب المرشد، أنهى حملته، ونسيَ أمر مقرات "الموساد" والتدريبات الإسرائيلية ودعم "داعش" وغيرها من الاتهامات التي يضعها في جيب جُبته.
وكما في الموقف من حقوق الإنسان والدماء، ينتمي الخزعلي ورفاقه إلى مدرسة صدام حسين في الإعلام أيضاً، المتأثرة بـ"اكذب اكذب..."، لكن، ولسوء حظهم، فإن تلك الطريقة لم تعد تنتمي إلى هذا الزمان.
وقد تزامن وصول الفصائل إلى السلطة، مع نهاية جدوى الإعلام القديم، لكنها استمرت، خطاباً وإعلاماً، بالأكاذيب من دون وضع اعتبار للتقويم الذي يشير إلى الألفية الثالثة، وربما تسببت الكميات الكبيرة من الأكاذيب بالحرج أحياناً، فرجل الدين الفصائلي، أصبح تائهاً بين تقديم نفسه كاذباً محترفاً - تقول قناته أن المتظاهرين يطلقون النار من مسدسات على شكل هواتف نقالة - أم متديناً زاهداً.
وحاول الخزعلي التعامل مع هذا التحدي، حين افتتح قناتين، يظهر في الأولى ويبث حكايا "الموساد" وتنقلاته، ثم يظهر في الثانية ويتحدث عن الدين والتقوى والصدق، لكنه قرر لاحقاً إغلاق الأخيرة.
حرب لأمراء الحرب
يعتقد بعض مقربيه أن لدى الخزعلي الفرصة في تزعّم التيار الولائي في العراق، فهو أصغر سناً من العامري، ورجل دين، ولديه 10 آلاف مسلح، وبميزانية مالية كبيرة، وسيطرة على عدد من وسائل الإعلام.
وعوضاً عن إلقاء السلاح والتحوّل إلى العمل السياسي بعد إعلان العراق النصر على "داعش"، تنشغل الفصائل بالبحث عن حربٍ ما، وتظهر أخيراً ملامح واضحة لمساعيها بإثارة توتر بين سكان المحافظات ذات الأغلبية الشيعية ذاتها.
وتنتشر شخصيات من العصائب وبقية الفصائل في عدة محافظات، لتثوير السكان ضد "محافظات شيعية" أخرى، ودعم وترويج الكراهية بين السكان، عبر تقسيم المدن إلى "ثرية وفقيرة" أو "نفطية وغير نفطية"، وتركز الفصائل نشاطها في البصرة مستفيدة من المحافظ المقرب من "الحرس الثوري" أسعد العيداني.
ورغم أن الديباجة الإيرانية اعتمدت طيلة عقدين على اعتبار سياسة "تفتيت المفتت" مؤامرة إسرائيلية، لكن أتباع إيران، يعتقدون أن اعتماد تلك السياسة والخطابات الشعبوية، سيمكنهم من رفع رصيدهم مجدداً، في مواجهة التيارات الوطنية العابرة للمناطقية.
نبض