منذ استقلالها مرّت تونس من دولة الحزب الواحد إلى ما يشبه دولة الحزب الغائب. تبدو المفارقة غريبة، بخاصة إذا ما تذكر المرء توق الطبقة السياسية بعد 2011 وسقوط نظام بن علي إلى تأسيس الأحزاب بلا قيود. وكان لها ذلك حتى بلغ عدد الأحزاب في 2022 أكثر من 240 حزباً. ولا تزال تظهر على الساحة كل يوم تيارات سياسية تطمح للالتحاق بقائمة الأحزاب الجديدة في البلاد.
ولكن التجربة دلت على أن البون شاسع بين الواقع والطموحات. فمعظم الأحزاب التي تم تأسيسها وجدت نفسها تدريجياً خارج دائرة الضوء، ولم تنجح في اكتساب إشعاع شعبي. بل أضحى المواطنون لا يتذكرون إلا أسماء بعض هذه الأحزاب، فيما بقي وجود معظم التشكيلات حبراً على ورق.
كان التطور الأخطر فقدان أغلبية الأحزاب صدقيتها، بخاصة منها تلك التي شاركت في ممارسة السلطة خلال الاثنتي عشرة سنة الماضية.
كان من الطبيعي أن ينعكس أداء الأحزاب الباهت على صورتها لدى الرأي العام الذي رسخ لديه انطباع بأن عمل الأحزاب يرادف الفشل في إدارة الشأن العام، والإخفاق في حل المصاعب الاقتصادية للبلاد.
أظهرت الأحزاب الحاكمة انعداماً للرؤية وانتشاراً لعقلية الغنيمة والمحاصصة، عوض الإنجاز، بما زاد في الانسداد السياسي والدستوري الذي عرفته البلاد لمدة سنوات، ما مهّد لتحرك قيس سعيد في تموز (يوليو) 2021 من أجل تجميد البرلمان واللجوء إلى الأحكام الاستثنائية.
مر سبعة عشر شهراً على ذلك التاريخ. تصرف خلالها سعيد من دون قيود، ومارس الحكم من دون إشراك الأحزاب التي لم يُستشر إلا القليل النادر منها. نفذ خريطة الطريق التي خامرت ذهنه، ولكن نسبة المشاركة الضعيفة خلال الدور الأول للاقتراع التشريعي الذي دعا إليه يوم 17 كانون الأول (ديسمبر) الجاري هزّ صدقية سردياته ومواقفه، بما فيها رفضه دوراً للأحزاب.
سعيد أقصى الأحزاب في القانون الانتخابي الذي صاغه وبناه على ترشح الأفراد عوض القائمات الحزبية. نتيجة لذلك لم يجد المرشحون أحزاباً تسندهم أو تعرّف بميولاتهم السياسية. وكان غياب الأحزاب من جملة العوامل التي جعلت نسبة المشاركة في الانتخابات تتدنى. وحتى بعد مراجعة أرقامها من قبل الهيئة العليا للانتخابات، لم تتجاوز 11,2 في المئة.
وليس من المتوقع أن تلعب الأحزاب دوراً أساسياً في صوغ القوانين المقبلة، ولا في تشكيل الحكومة التي سيختار أعضاءَها رئيسُ الجمهورية بنفسه، وذلك بمقتضى الدستور الذي صاغه. ولا يعرف أحد اليوم على أي أساس ستتشكل الكتل النيابية مستقبلاً في غياب التصنيفات الحزبية.
ومن المتوقع أن تهيمن على المشهد البرلماني بعض التيارات السياسية الحديثة العهد والمساندة لسعيد، وإن كان من المحتمل أيضاً أن تنجح بعض الشخصيات التي تنتمي إلى الأحزاب التقليدية في دخول قبة البرلمان. لكنها لن تغير كثيراً من واقع العمل البرلماني الذي جعل منه سعيد "وظيفة تشريعية" لا سلطة تنازعه صلاحيات الحكم.
قد تكون الأحزاب السياسية التقليدية ساهمت بدعوتها إلى مقاطعة الانتخابات وعدم انخراطها في الحملات التي سبقتها في النسبة الضئيلة للتصويت خلال الدور الأول. ولكن السبب في عزوف الناخبين كان أعمق من ذلك، وله علاقة بفقدان المواطنين الثقة بالسياسة والشأن العام، بما في ذلك في عمل الأحزاب ذاتها. ولولا غياب ثقة المواطن في هذه الأحزاب وفي أجنداتها لأنصت إليها الجمهور الواسع، ولكان لمطالباتها صدى لدى سعيد ذاته.
أقصى رئيس الجمهورية الأحزاب وكل الأطراف الفاعلة الأخرى، بما فيها اتحاد العمال، والتي كان يمكن أن تشكل جسراً بينه وبين النخبة السياسية والرأي العام الواسع.
اليوم تسيطر الضبابية على المشهد السياسي. وتبقى العديد من الأسئلة عالقة من دون إجابة واضحة، أولها هل الأحزاب التي كانت تشكل أهم القوى السياسية الفاعلة قبل 2021 قادرة اليوم على مراجعة مقارباتها السابقة من أجل اقتراح مسارات إصلاحية بديلة تلتصق بمشاغل الشعب؟ وهل تستطيع التشكيلات الحزبية تجاوز نرجسيات قادتها من أجل تنسيق مواقف المعارضة، أم أنها ستمنح الأولوية لخلافاتها الحادة على غرار ما يفصّل "الحزب الدستوري الحر" (ذو النزعة البورقيبية) وحزب "النهضة" (ذو التمشي الإسلامي) من عداء وبون مرجعي شاسع؟
اليوم أضحت بعض المعارضات تشعر بنسبة أكبر من الثقة في استطاعتها تغيير التوازنات السياسية لفائدتها، بخاصة بعد مقاطعة أغلبية الناخبين الاستحقاق الانتخابي، وتصعيد اتحاد العمال انتقاداته الموجهة إلى رئيس الجمهورية.
تبقى هناك شكوك داخل صفوف المعارضة ذاتها حول مدى قدرة الأحزاب على تغيير الوضع السياسي الراهن، مثلما عبّر عن ذلك الأمين العام لحزب "التيار الديموقراطي" (المعارض) بعد استقالته من مهامه. علل غازي الشواشي قراره بالقول إنه أضحى مقتنعاً بأن الأحزاب غير قادرة على إخراج تونس من المأزق السياسي الذي تردت فيه، بل إنها مسؤولة بضعفها وهنّاتها عن المأزق نفسه.
ومن غير الواضح اليوم إن كان امتناع الناخبين عن التصويت يعني نكوصاً عن المسار الديموقراطي برمّته، بعدما عجز هذا المسار عن وقف تدهور المستوى المعيشي للمواطن، أو هل أنه - وهو الأرجح - موقف ظرفي للاحتجاج على سياسات السلطة ورفض للصراعات المستمرة داخل الطبقة السياسية، والتي لا تهم المواطن العادي في شيء.
أياً كانت الإجابة، فإن الساحة السياسية لن تستطيع الاستغناء عن دور نخبها، ما دام هناك طموح لتأسيس نظام حكم ديموقراطي حقيقي. فكل التجارب السابقة في العالم أظهرت أن التنافس بين الأحزاب وبرامجها ورؤاها هو الأساس لبناء أي حياة سياسية سليمة والتناوب السلمي على السلطة.
تجد النخبة السياسية، بوصفها الحاضنة الطبيعية للأحزاب، نفسها، رغم السرديات الشعبوية التي تطعن في صدقيتها، أمام تحدي إعادة الاعتبار لدورها الطلائعي في الإصلاح والتغيير، وبالتالي إنقاذ الأحزاب السياسية ذاتها من التهميش.
إضافة إلى ذلك، فإن بعض الأحزاب، على الأقل، لا تزال رغم أخطائها تتمتع بقواعد شعبية قابلة للتعبئة السياسية والانتخابية، وإن كانت تحتاج للقيام بمراجعات نحو التخلي عن طرق التحرك والتسيير الفاشلة، وذلك من أجل تقديم رؤى مقنعة تسمح لها باستعادة المبادرة وترميم ثقة المواطنين بها.
وأهم من ذلك هو أن هذه الأحزاب ستجد نفسها مستقبلاً مدعوة، ولو رغم أنفها، إلى المساهمة في إيجاد الحلول. ولن يكون لها ترف الانتظار أو اللامبالاة بمصير البلاد.
ولن تستطيع الأحزاب في نهاية المطاف أن تسمح لنفسها بالاستقالة من الشأن العام، حتى إن سبقها إلى ذلك الناخبون.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
النهار بيديا
10/26/2026 7:57:00 PM
توفي يشاي زيمرمان عن 93 عاماً، بعدما ارتبط اسمه بالاستيلاء على طائرة مدنية من مطار بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان، في واقعة انتهت باعتراضه بمقاتلتَي "إف-16" واتهامه بالنهب.
المشرق-العربي
10/28/2026 8:00:00 PM
"أدى مراسم الزيارة والصلاة داخل الصحن الشريف، واطلع بعدها على معالم المرقد".
صحة وعلوم
10/28/2026 4:48:00 PM
وزارة الصحة أقفلت مطعماً ومستودعاً للّحوم وسط بيروت، عقب تأكيد تسجيل أربع إصابات بمرض "داء الشعرينات" الناتج عن تناول لحوم غير مطهوة.
نبض