كلما تحدث رجب طيب اردوغان عن تمزيق "معاهدة سيفر"، كلما وجب الحذر أكثر.
ان هذا التمزيق تحديدا هو الذي من خلاله يمكن قراءة الحركة الاردوغانية، من شمال العراق وصولا الى سواحل ليبيا. انها مئة عام بالتمام والكمال على المعاهدة التي اقرت فيها الدولة العثمانية بهزيمتها في الحرب العالمية الاولى وخروجها من الاراضي التي كانت تحت قبضتها، وحصر تركيا داخل حدودها الحالية.
وتمزيق المعاهدة التي يقول اردوغان انها قيدت تركيا طوال مئة سنة، يعني التفلت. اطلاق العنان لجموح في السياسات الاقليمية. انها التفسير الأكثر وضوحا لسلوك اردوغان، المؤدلج، المسكون بهواجس التاريخ وأوهامه أحيانا كثيرة.
اما الحذر، فلأن الرجل وهو يتخلص من قيود "سيفر"، فانه يستعيد من أدراج هذا التاريخ ذاته، "الميثاق الملي" الذي باتت ظروف الاقليم ملائمة له. من الموصل العراقية الى مصراتة الليبية، يتطلع اردوغان الى مغانم المستقبل. "الميثاق الملي"، هو بمثابة "قسم وطني" تعهد فيه الزعماء الاتراك قبل مئة عام ايضا، بستة بنود أساسية، من بينها بند يتعلق بالشأن العربي، وهنا، لهذا يجب قرع الاجراس.
ينص الميثاق الملي على ان "مصير الأراضي التي تقطنها أغلبية عربية في وقت توقيع هدنة مودروس (الموقعة العام 1918) سوف تتقرر من خلال استفتاء. ومن ناحية أخرى، ان الاراضي غير المحتلة في ذلك الوقت والتي تسكنها أغلبية تركية هي الوطن القومي للأمة التركية".
بمعنى آخر، كل من انفصل فيما بعد العام 1918 من دول عربية، هي من وجهة نظر الميثاق – واردوغان على ما يبدو – ليس مستقلا حقيقة. ان ورثة الدولة العثمانية، اي اردوغان وحزبه كما يقدمان اعلاميا، مسؤولان "اخلاقيا" وسياسيا عن مناطق الاطراف هذه.
هذا الاستعلاء الاردوغاني الممارس الآن، ليس عبثيا ولم يولد البارحة. استخدم اردوغان لسنوات طويلة "صديقه وحليفه" أحمد داوود أوغلو، الوجه الديبلوماسي السمح، ليجول ويصول في المنطقة مروجا للوجه الجميل للسياسات والصداقة التركية. وكان الاعتراض التركي على غزو العراق العام 2003 الدعاية الأمثل التي مهدت الطريق أمام "الحرب الاردوغانية الناعمة" اعلاميا في "المستعمرات العربية السابقة".
وليست صدفة ان جيء بأحمد داوود أوغلو بأواخر العام 2002 مستشارا للسياسة الخارجية لعبدالله غول، قبل ان يتولى بنفسه حقيبة الخارجية العام 2009. الرجلان ما ان استنفد الغرض منهما، وجدا نفسيهما في السنوات الاخيرة خارج السلطة والحزب. وهذه ليست صدفة أيضا.
هل كانا جزءا من المشروع العثماني؟ ام ان اردوغان استخدمهما الى ان استتبت له أمور الانتقال من النظام الجمهوري الى الرئاسي؟ ليس مهما الان، لكن المؤكد ان "سياسة صفر مشكلات" التي طبقها احمد داوود اوغلو شرعت لاردوغان أبواب الثقة الاقليمية من جانب كل من يعنيهم الأمر في "الميثاق الملي".
عراق ما بعد صدام حسين، سوريا ما بعد حافظ الاسد، ومصر ما بعد حسني مبارك، وليبيا ما بعد معمر القذافي. ان النقطة الجامعة للكل هي اختلال توازن السلطة المركزية في لحظة ما.
لكن المفارقة التي لم ربما لم يتمعن اردوغان- ولا حتى العرب – فيها، هي ان درب الرجوع الى "الميثاق الملي" ما يزال طويلا.
من نظرية "صفر مشكلات"، الى نظرية "تصدير الارهابيين"، وصولا الى نظرية "احياء العثمانية" واضطراره الى التوغل العسكري المباشر في "الأراضي التي تقطنها أغلبية عربية" (كما اسماها الميثاق الملي)، فان ما يفعله اردوغان انه يتسلل متلاعبا ما بين التاريخ والجغرافيا كما يناسبه، وانما نحو مستنقعات "الألف مشكلة".
وربما بهذا المعنى، فان الهزيمة في ليبيا، هي التي قد تعيده- ولو نظريا - الى "سيفر".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
فن ومشاهير
5/3/2026 11:16:00 AM
حصدت إيميليا إعجاباً واسعاً، وتحوّلت رقصتها إلى موجة يقلّدها الجمهور وصنّاع المحتوى.
نبض