توسطت بحراً من الأطفال في قاعة السينما، مذكرة نفسي كلما اعتراني الحرج بأني إنما حضرت لأغراض بحثية بحتة. فلقد أثار فضولي منع الكويت عرض فيلم "ترنينغ ريد" الكرتوني بذريعة تطرقه الى مرحلة البلوغ، ومهاجمة بعض الخليجيين المنتمين الى المجال السينمائي له.
توقعت أن الفيلم جاء شيئاً إدّاً، على الأقل بمقاييسنا حيث لا تزال إعلانات الفوط الصحية تستخدم تسمية "الأيام الصعبة". توقعت مشاهد مفرطة الجرأة والسوقية ستدفعني إلى تغطية أعين الأطفال من حولي لصون براءتهم.
فوجئت بفيلم لا "يصرّح" بالدورة الشهرية أصلا ـ إن كان هذا مأخذهم عليه - بل يستعرض تحديات البلوغ بقصة مجازية معبّرة. فبالتزامن مع تحوّل البطلة من فتاة إلى حيوان "باندا أحمر" عملاق، تلاحظ تغيّر رائحة جسدها، وتزايد انفعالاتها، وسعيها للاستقلالية، الخ.
حتى أنه في أحد المشاهد العبقرية، تحاول البطلة إخفاء ذيل الباندا الأحمر خلف ظهرها، فتجسّد برمزية عالية خوف المراهقات من "كابوس" اتساخ مريولهن المدرسي، و"افتضاح" أمر بلوغهن. إنه مشهد أضحك الأطفال، ولكني أتصوّر أنه دفع النساء في المقاعد إلى هز رؤوسهن تعاطفاً، فكلنا كنا "ماي ماي" ذات يوم.
لماذا إذاً قد يُحظر فيلم بعمق "ترنينغ ريد"، أو يُنتقد بضراوة، على الرغم من تجنّبه البذاءة والإباحية، وحتى المباشرة الصادمة للمتلقين الصغار؟
ربما لأن ردود الفعل هذه هي امتداد لإرث طويل من "طمس" جسد المرأة في مجتمعاتنا المحافظة. ولا أعني حرفياً.
تعمل مجتمعاتنا بجدية على تجهيل المرأة بجسدها؛ بأجزائه، وأعضائه، ووظائفه، وخصائصه الفسيولوجية. تجتهد لأن يظل الجسد غامضاً للمرأة، فيُحرّم عليها قبل سواها فهمه واكتشافه، والنقاش فيه والتساؤل عنه.
وتجني النساء ثمار هذه السياسة حينما ـ مثلاً ـ نجد شريحة كبيرة منهن يقبلن بالتسمية المضللة لإكليل المهبل بـ"غشاء البكارة"، ويربطن تهتّكه بفقدان عذريتهن، غير مدركات أن العذرية مفهوم اجتماعي تحدده تجربتهن الجنسية الأولى.
وثمة من يبقين ـ مثلاً - جاهلات بموضع البظر، في دلالة صارخة الى الأهمية المتدنية التي تُمنح لمتعتهن الجنسية مقارنة بالرجال. ثم تَراهن بسبب تغييبهن يبررن أيضاً عمليات اقتطاع البظر وتشويهه، فيصفن الختان بـ"النظافة"، ويشهدن له بـ"ضبط" شهوات الفتيات الجامحة.
لا بد أنّ من احترفوا الإبقاء على المرأة في الظلمات في ما يتعلق بجسدها استشعروا الخطر الذي يمثّله "ترنينغ ريد"، فماذا لو اطمأنت الفتيات المراهقات إلى أن اهتمامهن الطارئ بالجنس الآخر على غرار البطلة "ماي ماي" هو جزء من مرحلة البلوغ، ولا يعني انحطاطهن الأخلاقي؟
ثم ماذا لو اعتادت الفتيات التحدث والكتابة عن دوراتهن الشهرية؟ وماذا لو أشرن إليها صراحة عوضاً عن الألقاب والتلميحات؟ وماذا لو نفين التصورات المغلوطة عنها؟ وماذا لو أخذ "التابو" الجامد في الذوبان حتى يزول؟
طالما ظلت المرأة جاهلة بجسدها، سهلت السيطرة على جميع اختياراتها ورغباتها المتعلقة به، ولهذا لن يخاطر أعداؤها بانقشاع الغمامة عن عينيها، ولو أمام شاشة فيلم كرتوني.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
5/20/2026 12:26:00 PM
توازيا مع عملية الإصدار، ستحتاج المصارف اللبنانية إلى تحديث برمجيات الصرافات الآلية وأجهزة عدّ الأموال للتعرف إلى الفئات الجديدة ومواصفاتها التقنية
اقتصاد وأعمال
5/22/2026 9:14:00 AM
اكتشف جدول أسعار المحروقات الجديد في لبنان مع تفاصيل أسعار البنزين والمازوت والغاز. تابع التحديثات وأحدث الأسعار هنا.
كتاب النهار
5/21/2026 5:35:00 AM
ليست المرة الأولى يطلق الحزب مثل هذه المواقف التصعيدية في وجه السلطة، لكنه تعمّد هذه المرة أن يكون أشدّ وضوحاً وجزماً وشراسة.
لبنان
5/21/2026 5:38:00 AM
لم يتضح بعد ما إذا كان "حزب الله" نزل عن الشجرة وإذا كان تكليف فضل الله التشاور مع عون فيه تراجع عن الرفض القاطع للتفاوض المباشر
نبض