يبدو أن السنوات السبع التي تفصل "وجدة" (2012)، أولى تجارب المخرجة السعودية هيفاء المنصور الروائية الطويلة عن جديدها "المرشحة المثالية" (2019) - يُعرض على منصة OSN بعد مشاركته في مسابقة الدورة السادسة والسبعين من مهرجان فينسيا السينمائي ومهرجانات دولية عديدة - تستحضر معها متغيرات كثيرة على صعيد الحرية الاجتماعية في السعودية، وتحديداً إن تعلق الأمر بالمرأة، بما يدفع للقول إن شخصية الدكتورة مريم وما تظهر عليه وتسعى إلى تحقيقه في الفيلم الثاني، لم يكن وارداً مع وجدة، الفتاة ذات العشر سنوات التي يكون كل طموحها هو الحصول على دراجة، في مجتمع يحرّم ركوبها على الإناث، بينما تطالعنا الدكتورة مريم في مفتتح فيلم "المرشحة المثالية" وهي تقود سيارتها متجهة إلى المركز الطبي الذي تعمل فيه.
.jpg)
بين الدراجة والسيارة ثمة ما يتيح القول، إن ما عاشته وجدة الذكية، والمتمردة أو غير المستكينة لأجواء الانغلاق والحصار المضروب حولها في المدرسة والمجتمع كما الطالبات الأخريات معها، قد تغيّر بشكل أو بآخر، حتى وإن كان "المرشحة المثالية" يضعنا حيال امرأة في مقتبل العمر هي مريم (ميلا الزهراني) الطبيبة التي تزاول مهنتها في مركز طبي في بلدة نائية، وتعيش مع أختيها، حيث الكبيرة سلمى (ضي الهلالي) تعمل في تصوير حفلات الزفاف ونحو ذلك من مناسبات اجتماعية تستدعي تجمعات نسائية، والصغيرة سارة (نورا العوض) تعاونها، وكذا هي الدكتورة مريم. وكما سنعرف، فإن أمهن متوفاة منذ زمن ليس بعيداً، ووالدهن عبد العزيز (خالد عبد الرحيم) مغنٍ وموسيقي، تتاح له للمرة الأولى جولة هو وفرقته لإقامة مجموعة من الحفلات في أرجاء المملكة وبرعاية حكومية، لا بل بحمياتها، ما دام هناك من يحرّم ذلك ويتوعده.
.jpg)
عدا رفض مريض عجوز أن تعالجه الدكتورة مريم لأنها امرأة، فإن صراعها يكون مع عائق يبدو ظاهرياً بسيطاً، ولا يتجاوز رغبتها بأن يتمّ تعبيد الشارع أمام المركز الطبي، الذي يغرق بالوحل والطين، ويمسي نقل المرضى إلى داخل المركز عملية صعبة جداً، يضطر جراءها المسعف إلى حمل المريض أو المصاب ما دامت عجلات النقّالات تنغرس في الوحل، ويستحيل جرّها. يترافق ذلك مع طموح مريم، التي ستقرر الذهاب إلى مؤتمر طبي في دبي، يتيح لها لقاء إحدى الشخصيات البارزة الساعية إلى توظيف عدد من الأطباء والطبيبات في مستشفيات له في الرياض. ستتعثر سفرتها جراء خطأ في تصريح المحرم أو ولي الأمر، وحين تمضي إلى تصحيحه فإنها تنال بصدفة غريبة ترشيحاً لانتخابات المجلس البلدي المحلي، بدلاً من تدارك الخطأ الذي يتطلب وجود الأب المشغول بجولته الموسيقية.
ومع هذه المصادفة، يتصاعد صراع مريم مع المجتمع، وهي في البداية لا تريد أن تفوز بالانتخابات إلا لتتمكن من تعبيد الشارع المذكور آنفاً، لكن طموحها يتنامى وهي تجابه مجتمعاً ذكورياً قلة قليلة فيه تؤمن بأنها صالحة لخوض غمار ذلك، وبالتالي انتخابها. ولعل التغيرات في شخصية مريم تمضي بالتناغم مع واقع التغيير الاجتماعي، أي أنها تدريجية، فهي تتجرأ مثلاً على أن تخاطب التجمّع الرجالي الذي يقام لها، مباشرة بعد أن يكون عليها أن تخاطبهم من خلال الشاشة، ثم إنها، في لقاء تلفزيوني، تكشف عن وجهها وتتخلى عن النقاب، وكل ذلك يلقى الدعم المادي والمعنوي من أختها الكبرى، وكذلك الأمر من الأب، الذي يوافق على كل ما تطلبه بناته، لا بل إنه يعتذر لها لأنه لم يكن بجانبها كما يجب، هو الملتاع جراء افتقاده زوجته (أم البنات)، ولتثبت الدكتورة مريم في النهاية أنها المرشحة المثالية – عنوان الفيلم – الأمر الذي يعترف به حتى المريض العجوز الذي يرفض في البداية أن تعالجه لأنها امرأة.

ولتبيان ما بدأت به عن المتغيرات التي تفصل "المرشحة المثالية" عن "وجدة"، فالانتخابات البلدية كانت حاضرة أيضاً في هذا الأخير، من خلال مرشح ذي شاربين كبيرين "يقف عليهما الصقر"، كما يُوصف في الفيلم، حيث ليس لوجدة وأمها إلا أن يشاهدا خيمته الانتخابية من الشرفة، الخيمة نفسها التي ستشهد حفل زفاف والد وجدة بامرأة ثانية. أما في "المرشحة المثالية" فإن خيمة انتخابية تقام لمريم، بعد إقامة تجمع نسائي لهذا الغرض تبدو فيه النساء غير مهتمات ولا يعوّل عليهن كثيراً في مساندتها. وعلى هدي ذلك، يمكن الحديث عن تجربة هيفاء المنصور، في سياق تحوّلها إلى كشّاف لواقع المرأة السعودية. ولعل مقاربة ذلك من هذه الزاوية تضفي أهمية خاصة على الفيلمين.
وفي تتبع للشق الثاني من تجربة المخرجة السعودية، فإن "المرشحة المثالية"، الذي كتبته المنصور أيضاً بالتعاون مع براد نيمن، يأتي بعد فيلمين بإنتاجات دولية، هما "ماري شيلي" (2017)، و"نابلي إلى الأبد" (2018)، عدا مشاركتها في إخراج حلقات من مسلسلات تلفزيونية عالمية، وهي تعمل حالياً على إخراج فيلم بعنوان "الاختيار" The Selection، مأخوذ عن الكتاب الأول من سلسلة كتب بالعنوان نفسه للكاتبة الأميركية كيرا كايس، يحكي عن 35 فتاة في أجواء ديستوبية مستقبلية يجري اختيارهن للعيش في قصر يتنافسن فيه على قلب أميره. الفيلم من إنتاج "نتفليكس" وسيُعرض عليها العام المقبل.
نبض