مليون سائح عراقي إلى لبنان بدل تركيا؟
رغم أنها لم تكن الأولى أو الأكثر دموية، إلا أن الضربة التركية الأخيرة في محافظة دهوك، أقصى شمال إقليم كردستان العراق، تسببت بالهزة الأعنف للعلاقة بين البلدين، على المستوى الشعبي قبل الحكومي، وبات العراقيون أقرب من أي وقت مضى لمناقشة تنويع وجهاتهم السياحية
رغم أنها لم تكن الأولى أو الأكثر دموية، إلا أن الضربة التركية الأخيرة في محافظة دهوك، أقصى شمال إقليم كردستان العراق، تسببت بالهزة الأعنف للعلاقة بين البلدين، على المستوى الشعبي قبل الحكومي، وبات العراقيون أقرب من أي وقت مضى لمناقشة تنويع وجهاتهم السياحية، على الأقل، رداً على ما اعتبروه عجرفة واستهانة تركيتين.
في حادثة الأربعاء، كانت الجريمة أوضح للرأي العام، فالضحايا التسعة سياح وافدون من محافظات أخرى، ولا تحيطهم أي شبهات بالانتماء لحزب العمال، أو لأعدائه، وساهم انتشار المشاهد الفيديوية من داخل المصيف المستهدف بإلهاب المشاعر.
فاقم الإنكار التركي البدائي الغضب، كما أن السفير التركي الحالي علي رضا أوغناي ليس محبوباً شعبياً في العراق، وهو ينتمي إلى نوعية السفير الإيراني السابق إيرج مسجدي، ويفتقد مهارات التواصل مع الشعوب، وإدراك حساسية العلاقة بين بلاده والعراق، وربما سيتعين على تركيا استبدال شخصية أخرى به كما سبق أن فعلت السعودية حين استبدلت بالسفير ثامر السبهان آخر أكثر قدرة على فهم العراق.
يقول الموالون لتركيا في العراق إن أنقرة ربما تدّخر أدلة تبرئها من العملية، وقد تكشف عنها في توقيت تختاره، ويطالبون بالتريث والتحقيق، لكن تلك الدعوات التي تنطلق من ساسة سنّة على صلة بتركيا مثل خميس الخنجر ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي، لا تلقى تفاعلاً إلا على نطاق ضيق من مقربيهم.
أحرق متظاهرون عراقيون أعلام تركيا وأنزلوها من السواري للمرة الأولى في محافظات عدة، وحتى في محافظة الأنبار التي يسيطر عليها حزب الحلبوسي، نظّم النشطاء وقفات محدودة رغم مخاوفهم من الملاحقة وتلفيق الاتهامات، وهي طريقة السلطات المحلية هناك في إسكات مناوئي الساسة السنّة.
حكومياً، لوّحت الحكومة العراقية للمرة الأولى أيضاً بالرد العسكري والاقتصادي والتدويل، وبينما يبدو الخيار الأول ضرباً من العنترة الفارغة، يغدو خيار إعادة تعريف العلاقة الاقتصادية مع تركيا أقرب إلى التطبيق، بينما لا يعوّل معظم العراقيين على ورقة مجلس الأمن، فقد سبق أن تقدم العراق بالفعل بشكوى في حزيران (يونيو) عام 2020 من دون جدوى.
إذا قررت الحكومة العراقية المضي في إجراءات عقابية ضد تركيا في مجال السياحة، فإنها لن تحتاج إلى إعلان قرارات استفزازية مباشرة، بل يكفي أن تراجع الأرقام وتتخذ تدابير تحرف مسار أكبر نسبة ممكنة من المليون سائح عراقي من تركيا إلى وجهة أخرى.
سيغدو لبنان حينها المرشح الأبرز، لعوامل عدة، على رأسها أنه ليس بلداً حديث عهد بالسياحة مثل تركيا، فشعبه معتاد على معايشة الغرباء، مثل سوريا والإمارات ومصر، وأن "الأخضر الحلو" ليس غريباً على العراقيين أصلاً، فـ700 ألف منهم يزورونه سنوياً بالفعل، متصدرين قائمة جنسيات السائحين في لبنان.
فيلم الأيديولوجيات والمكوّنات الذي ما زال يعيشه بعض العراقيين بحماسة، هو فيلم مكرر شاهده اللبنانيون قبل عقود، لذا يتحوّل إحباط اللبنانيين إلى برود هادئ يغري السائح العراقي الهارب من معركة "هرمجدون" في بلاده، فلا شيء يختصر الحقيقة بالنسبة إلى سائح عراقي أكثر من سائق أجرة لبناني منتشٍ يقله من مطار بيروت، ويوزع –ضاحكاً - الشتائم بالتساوي كلما مرّ بصورة زعيم أو شعار حزب، وحسناً فعل وزير السياحة اللبناني حين أقنع "القادة العظماء" بمنح الناس استراحة من مشاهدة وجوههم لمدة شهرين سنوياً، فصور أولئك هي آخر ما يحتاج سائح من العراق لمشاهدته بعد فراره من مهرجان صور المقدسين المعلقة قرب كل دوار أو مدرسة أو مؤسسة أو حتى قرب المزابل ذات المواقع الاستراتيجية.
وجوه موظفي مطار بيروت أثناء استقبال السياح لا تشبه لبنان المشمس غالباً، لكنهم – كما يقول سياح كثر - أقل مضايقة من سائق أجرة في عمّان يفجر سؤال أقرانه الأزلي بوجه سائح عراقي "أنت سني ولا شيعي"؟! كما أن التفاهم بالعربية أو الإنكليزية في لبنان يسهّل التعامل، على عكس تركيا حيث يشكو سائحون كثر من عدم إتقان معظم المتعاطين مع السائحين اللغة الإنكليزية.
يصل الفارق بين بغداد وبيروت إلى 15 درجة مئوية في ذروة الصيف، هذا يتصدر ما يحتاجه العراقيون. ويتناقل السائحون الأخبار عن انهيار العملات كبشائر، وكذا بالنسبة إلى الليرة اللبنانية، إذ يحفز هذا السياح كثيراً، لكن قرارات مثل تحويل حجوزات الفنادق إلى الدولار تلعب دوراً عكسياً، وسيحتاج الأمر إلى تنسيق حكومي يضمن استمرار بقاء جاذبية فارق العملة مع ضمان أرباح أصحاب المصالح في الدولة المضيفة.
لبنان بلد صغير نسبياً، لكنه دولة مكثفة سياحياً، الجبل والبحر والسهل والآثار ومراكز التسوق الحديثة والناس المتنوّعون على امتداد 150 كلم (المسافة بين بغداد والنجف)، وعملياً، فإن خريطة تنقل السائحين الفعلية في دول كبيرة نسبياً مثل تركيا لا تتجاوز تلك الدائرة، حتى أن معظم السائحين العراقيين لا يزورون البحر الأسود، ويكتفون بالاستجمام على شواطئ المتوسط الذي تطل عليه بيروت.
صحيح أن تركيا تستقبل أكثر من 30 مليون سائح من مختلف دول العالم سنوياً، لكنها الوجهة الأولى للسياح العراقيين، ونسبتهم بين سياحها تتجاوز 3%، وتكمن أهمية السائح العراقي في اندفاعه إلى الإنفاق، فما ينفقه مليون سائح عراقي في تركيا قد يكون أضعاف ما ينفقه مليون سائح من دولة أخرى، لأسباب عديدة، من بينها أن فصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران حوّلت العراق إلى بلد خارج العالم، يخلو من معظم الشركات الرصينة والعلامات التجارية العالمية، والبضائع الأصلية، كما أن طلب البضائع عبر تطبيقات التوصيل يمر بتعقيدات عديدة وشركات وسيطة، لأن تلك التطبيقات لا تضع هي الأخرى العراق ضمن دول خدماتها، لذا فإن السائح العراقي لا يكتفي بشراء مجسمات تذكارية حين يسافر، بل يتسوق بِنَهم وكأنه "يموّن" نفسه وأحباءه حتى السفرة المقبلة.
قد ينفق السائح العراقي أكثر من نظرائه الخليجيين والأوروبيين، فبلاده خالية إلا من البضائع الصينية والتركية والإيرانية الرديئة، إضافةً إلى أنه أقل تحفظاً من الناحية الأمنية، وهو ما يمنح شراكة لبنان المتقلب أمنياً مع السائح العراقي أهمية على المدى البعيد.
لم يسبق أن تحول الموقف من تركيا إلى قضية شعبية حتى حين جففت أنقرة نهرَي العراق، وإذا كانت بغداد جادة في إظهار وجه آخر، فإن عليها ألا تكتفي بالمراهنة على "المشاعر الوطنية" للسائحين، بل أن تساهم في تحديد وجهاتهم المفضلة.
تركيا هي الوجهة الأولى للسائح العراقي بنحو مليون سائح، وفي الوقت ذاته العراقيون في المرتبة الأولى على قائمة سائحي لبنان بـ700 ألف، ويمكن مضاعفة هذا الرقم عبر تفاهمات ثنائية، على رأسها ضمان احترام للسائح في منافذ الدخول على نحو أعلى مما يتلقاه في إيران وتركيا وسوريا والأردن، إلى جانب تسريع إجراءات التأشيرات، والتنسيق مع شركات السياحة أو حتى دعم الفنادق لتعديل البرامج وإطالة فترة البقاء في لبنان، وتخفيض أجور تذاكر الطيران، وتنشيط الخط البري بين بغداد وبيروت عبر دمشق، علّ العواصم الثلاث تجد ما تتبادله خارج بورصة المخدرات والميليشيات وتدريب المسلحين على صناعة الصورايخ والمسدسات الكاتمة الصوت، ودورات الحرب الإعلامية.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لبنان
5/18/2026 12:00:00 AM
تحدثت معلومات ديبلوماسية عن أنّ لبنان تبلّغ عبر سفارته في واشنطن طرحاً يرتبط بمساعٍٍ لتحقيق وقف تام وشامل لإطلاق النار خلال 24 إلى 48 ساعة من منتصف ليل السبت - الأحد بين "حزب الله" وإسرائيل...
مجتمع
5/18/2026 8:51:00 AM
حضرت القوى الأمنية والأدلة الجنائية إلى المكان للتحقيق
مجتمع
5/18/2026 10:32:00 AM
البطريرك المزعوم جان عبود هو كاهن روم كاثوليك سابق تابع لأبرشية طرابلس، كان قد تم توقيفه من الخدمة الكهنوتية وفُرضت عليه العقوبات الكنسية.
نبض