25-07-2021 | 06:15

الفوارق بين نجيب ميقاتي "المنشود" ونوّاف سلام "المحظور"

يشعر نوّاف سلام بمرارة شديدة، في هذه الأيّام. يظنّ محدثوه، وهم يستوضحونه عن السبب، أنّ المناورات السياسية التي تستعمل اسمه، في موضوع تكليف رئيس لتشكيل الحكومة، تقف وراء مرارته، ولكنّه يفاجئهم-وربّما يؤنّب ضمائرهم-بحديث مسهب عن خسارته الكبيرة بموت صديقيه الحميمين، بفارق ساعات فقط: الروائي جبّور دويهي والمفكّر فارس ساسين.
الفوارق بين نجيب ميقاتي "المنشود" ونوّاف سلام "المحظور"
Smaller Bigger
 
يشعر نوّاف سلام بمرارة شديدة، في هذه الأيّام. يظنّ محدثوه، وهم يستوضحونه عن السبب، أنّ المناورات السياسية التي تستعمل اسمه، في موضوع تكليف رئيس لتشكيل الحكومة، تقف وراء مرارته، ولكنّه يفاجئهم-وربّما يؤنّب ضمائرهم-بحديث مسهب عن خسارته الكبيرة بموت صديقيه الحميمين، بفارق ساعات فقط: الروائي جبّور الدويهي والمفكّر فارس ساسين.

بعد ذلك لا يُكثر سلام الكلام عن الموضوع الحكومي، فهو سبق أنْ قال ما لديه، ليس للصحافة فقط بل لجميع الاطراف الدبلوماسية واللبنانية التي راجعته، في شأن إمكان تكليفه تشكيل الحكومة، في ضوء اعتذار الرئيس سعد الحريري، أيضاً.

ويريد نوّاف سلام، في حال كان اسمه مطروحاً جدياً لهذه المهمة، توفير أدوات النجاح التي يتقدّمها منح حكومته المشكلة من اختصاصيين مستقلّين صلاحيات تشريعية استثنائية، بكل ما يتّصل بالمهمة الإنقاذية المسندة إليها، لأنّ الحالة اللبنانية هي حالة استثنائية، ولا يعقل إيجاد الحلول المناسبة وبالسرعة اللازمة، بلا اجراءات من الطبيعة الاستثنائية نفسها.
 
وهذا نهج معتمد في غالبية دول العالم، وهو مستمد من تجربة الإمبراطورية الرومانية التي كانت كلّما واجهها خطر تلجأ إلى اختيار حاكم من خارج الطبقة السياسية الفاعلة وتمنحه سلطات إستثنائية لمدة ستة أشهر، وتطلق عليه لقب " ديكتاتور".
وقد بنى الرئيس الراحل فؤاد شهاب دولة المؤسسات في لبنان، بمراسيم اشتراعية، مستفيداً من حصول الحكومة يومها على صلاحيات استثنائية.
 
إلّا أنّ طلب سلام للصلاحيات الإستثنائية، على الرغم من أهميته، يفسّره كثيرون، نظراً لوضعية توزيع السلطات على الطوائف، كما لو أنّه رفض مضمر لإمكان دخوله الى نادي رؤساء الحكومة. سلام لا ينظر إلى الأمور من هذه الزاوية، فهو إمّا تتأمّن له أدوات النجاح وإمّا الأجدى له أن يبقى غارقاً في ايجاد حلول للملفات الدولية الشائكة المطروحة أمامه وأمام زملائه في "محكمة العدل الدولية" في لاهاي، حيث ترسّخت قناعته بأنّ الحلول لا تنتجها الثرثرات والتمنيات والنيات والشعارات-فهذه كلّها منتجة للنزاعات والخسائر-بل هي وليدة منهجية جدية، تعتمد على وسائل جدية، وتنتهي إلى قرارات جدية.

وإذا كان سلام يستغرب استهجان كثيرين في لبنان طلب الحصول على صلاحيات استثنائية لفترة استثنائية، مدّتها ثلاثة أشهر فقط، فإنّ المنطق اللبناني لا يستغرب هذا الاستغراب، إذ إنّ اللبنانيين اعتادوا على أن ينظروا الى المواقع الدستورية، انطلاقاً من مفهوم القيّمين عليها لوضعية الطوائف التي يمثلونها في النظام اللبناني، وتالياً فإنّ رفض منح أيّ حكومة في أيّ ظرف، صلاحيات تشريعية استثنائية، يرتبط ارتباطاً وثيقاً برؤية الثنائي الشيعي للدور الرائد الذي يلعبانه، من خلال رئاسة مجلس النواب.

وتجاوز سلام لهذه "الثابتة" اللبنانية، باستباق الموعد المحدّد للإستشارات النيابية الملزمة يعني، بالنتيجة، أنّه يريد وضع من يمكن أنْ يسمّيه لتشكيل الحكومة أمام مسؤوليات خياره، وتالياً فاسمه لا يصلح للمناورة.

وعليه، إذا كان الكثيرون يسلمون بأنّ إمكان حصد نوّاف سلام التكليف في الاستشارات النيابية الملزمة "شبه مستحيل"، فإنّ سفير لبنان السابق في الامم المتحدة، أعطى "حزب الله" حجة إضافية يضيفها الى حججه السابقة، ليجدّد الفيتو الذي يضعه ضدّه.

اذن، نوّاف سلام من موقع العارف بخفايا النظام اللبناني ونواقصه وحاجاته، بدليل ما ورد على امتداد كتابه الأخير "لبنان بين الأمس والغد"، أطلق النار على حظوظه الضئيلة بإمكان ترؤس الحكومة اللبنانية، لقناعته بأنّ الممسكين بالقرار سيحجبون عنه امتلاك عدّة النجاح.

ولكن لماذا لا يتهيّب الرئيس نجيب ميقاتي خوض هذا الغمار؟
 
ثمّة فوارق شاسعة بين ميقاتي وسلام.
سلام ليس سياسياً، بالمعنى اليومي للكلمة، في حين أنّ ميقاتي هو كذلك.
سلام لا يعاني كما ميقاتي من دعاوى قضائية مفتوحة ضده، وتالياً، فسلام لا يجد في تكليفه تحسيناً لوضعيته، في حين أنّ التكليف يحقق لميقاتي ذلك. وسلام ليس لديه مصالح مع الطبقة السياسية، وهي وهو لا يتبادلان "وشائج الحب"، في حين أنّ ميقاتي هو جزء لا يتجزّأ من هذه الطبقة السياسية، وتالياً فإنّه، في غالبية الأحيان، مضطر أن يلبّي "نداءها" انطلاقاً من أنّ ما يضرّها يضرّه وما يفيدها يفيده.

وهذه الفوارق تعني أنّ ثمّة حوافز لدى ميقاتي تتعدّى هاجس النجاح أو الفشل الذي يحصر سلام اهتمامه به.
ومن الواضح أنّ ميقاتي، وخلافاً لسلام، ليس "مهووساً" بحكومة كفاءات، فهو، وقبل أن تتدحرج المبادرة الفرنسية الى القعر، كان، وغداة اعتذار السفير مصطفى أديب عن عدم تشكيل الحكومة وعشية اعلان الرئيس سعد الحريري نفسه "مرشّحاً طبيعياً لرئاسة الحكومة" كان قد قدّم اقتراحاً بتشكيل حكومة تكنو-سياسية، يتقاطع مع مشتهى رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل والأمين العام ل"حزب الله" حسن نصرالله، بحيث تضم ٦ وزراء دولة من السياسيين "الأقحاح" و١٤ اختصاصياً.

وإذا كان الشرط الذي رفعه نوّاف سلام لقبول تكليفه تشكيل الحكومة قد عزّز حظوظ ميقاتي، فإنّ "قليلاً من الابداع" يمكن أن يقلب الصورة لمصلحة سلام، على اعتبار أنّ ميقاتي، بتقليديته الثابتة، ليس "فرصة انقاذ" بل هناك خطر كبير بأن يكون "فرصة ضائعة".

وفي هذا الإطار، لا شكّ أنّ "التيار الوطني الحر" يناور في تسمية نوّاف سلام، ولكن ماذا يمكن أن يحصل إذا حوّلت الأطراف الأخرى التي تريد تخفيف وطأة "حزب الله" عن العباد والبلاد، هذه المناورة الى فرصة، فسارت هي بتسمية نوّاف سلام، بعد محاولة إقناع ميقاتي نفسه بالأمر، بدل أن تبقى قابعة في زوايا التصلّب هنا والمساومة هناك، وتالياً تُبقي لبنان في مهب الحكومات الجاذبة للإحباط الداخلي وللغضب الاقليمي وللاستياء الدولي؟
 
قد يأخذ البعض على هذا الطرح تجاوزه للواقعية السياسية، حيث تلتف أكثرية بقيادة ظاهرة لرئيس مجلس النواب نبيه برّي حول ميقاتي. هذا صحيح، لكنّ الضليعين في العلوم السياسية، بمن فيهم تلامذة نيكولا ميكيافيلي، يجزمون بأنّ الواقعية السياسية لا تعني التسليم بمُنجِبات الكوارث، بل هي تعتمد، تجنّباً لحلول الكوارث، في حين أنّ التحجج بها في زمن الكوارث الذي أصبح لبنان نموذجاً صارخاً عنه، يُخفي قراراً متعمّداً ب"لحس المبرد".
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

دوليات 10/13/2026 3:08:00 PM
أعاد تقرير بريطاني تداول تنبؤات منسوبة إلى بابا فانغا عن حرب عالمية وتغيّر القيادة الروسية في 2026
ايران 10/15/2026 7:19:00 AM
تزن "أم القنابل" نحو عشرة أطنان، واستخدمتها الولايات المتحدة للمرة الأولى في أفغانستان عام 2017. فما قدراتها، ولماذا تختلف عن السلاح المصمّم لضرب المنشآت المحصّنة تحت الأرض؟
لبنان 10/15/2026 5:28:00 AM
لا تستبعد الأوساط الديبلوماسية أن تشهد شوارع بيروت ومناطق أخرى تظاهرات في ساحاتها احتجاجاً على سوء الأوضاع المعيشية وارتفاع أسعار المحروقات.
لبنان 10/15/2026 12:05:00 PM
السجناء لم يستمرّوا في الإضراب عن الطعام والأدوية مع صدور قرار مجلس الدستوري حول الطعن بقانون منح عفو عام وخفض مدّة العقوبات بشكل استثنائيّ، لكن أصابت عدداً منهم حالٌ من الغضب الذي تكتنفه الكآبة، على ما حصل التعبير عنه.