اليوم في 24 كانون الثاني (يناير)، تمر سنة على إعلان الرئيس سعد الحريري تعليق عمله السياسي، وكذلك عمل تياره، فيما الفراغ في الشارع السني لم تنجح كل المحاولات لتعبئته أو لخلق زعامة بديلة من الحريري. فإذا كان البلد سيذهب في مرحلة ما إلى وضع أسس تسويات سياسية جديدة يرجح أنه لا بد منها في إطار انتخاب رئيس جديد وتأليف حكومة جديدة، على رغم كل محاولات الإنكار أو التجاهل، وتأكيد أولوية وحيدة هي انتخاب رئيس جديد للجمهورية، أو كان البلد سيتجه إلى مرحلة البحث عن تركيبة جديدة للنظام، فمن سيشغل المقعد السني في ظل تعدد الأفرقاء السنّة وتوزعهم وعدم قدرتهم، لا على التلاقي ولا عن التعبير عن الشارع السني. والدول العربية والخليجية تحديداً، لا تولي الساحة السنية ولا كذلك لبنان الأهمية التي يحتاجها راهناً. ولكن يسأل البعض عما إذا كانت أي استراتيجية محتملة في ضوء أي تسوية سياسية تريح هذه الدول تلحظ بين بنودها إعادة توحيد الطائفة السنية على خلفية المعطيات المتعلقة بالحضور السياسي السني، كحضور لا بد منه لئلا يحصل مع هذه الطائفة ما حصل مع غياب الزعماء المسيحيين أو تغييبهم في مرحلة ما بعد إقرار اتفاق الطائف، ورفض هؤلاء المشاركة في السلطة أو الحؤول دون ذلك، من تجاوز ارتد سلباً في مراحل لاحقة على البلد.
أحدث تعليق الحريري العمل السياسي خضة كبيرة لم تأخذ مداها علناً، فيما مفاعيلها كانت كبيرة ومؤثرة في الساحة السياسية، بدءاً من الانتخابات النيابية والفشل لاحقاً في توحيد الطائفة. وينبغي الإقرار بأن قرار تعليق الحريري العمل السياسي لا يزال يثير ردود فعل متناقضة. إذ ثمة من يرى أن سنة من الابتعاد في ظل استمرار الانزلاق الخطير للانهيار في البلد من دون أي أفق إيجابي، وفي ظل مخاوف من أن ينسحب الشغور الرئاسي على سنتين أو أكثر كما حصل عام 2014، قد تظهر أن الحريري لم يخطئ كثيراً انطلاقاً من أنه لم يكن حجر العثرة من موقعه في رئاسة الحكومة أمام إنهاض البلد، بل كان حجر العثرة في مكان آخر، فيما ابتعاده كان مربكاً من حيث انتزاع الاستهداف السياسي الذي كان يوجه نحوه وتحميله كل موبقات البلد. ويكفي أن مراقبين يلحظون استهدافاً ليس قليلاً للرئيس نجيب ميقاتي، ولكن هذا الاستهداف لا يرقى في أي حال إلى ما كان يوجه إلى الحريري، علماً أنه خلال سنة وبضعة أشهر من عمر هذه الحكومة، تفاقم الانهيار إلى حد كبير، ولا معالجة تذكر بحيث انكشفت أكثر فأكثر آليات التعطيل للإصلاح والإنقاذ. وهناك من يرى أن الحريري إذا كان قراره شخصياً على نحو كلي، أخطأ في تعليق عمله السياسي وأدى خدمة إلى خصومه في إخراجه من الساحة السياسية. وفي الحالين فإن الركيزة السياسية الضرورية والحتمية على الصعيد السني تطرح إشكالية غيابها من أجل أن تكون إلى جانب الركائز الطائفية الأخرى ما دام يتم العمل على هذه القاعدة. والكلام على ركيزة سنية غير متوافرة يعود لاعتبارات تتعلق بفشل إحداث بدائل من الحريري أو ملء الفراغ أو حتى إحداث قيادة جماعية تتولى ذلك حتى إشعار آخر. فضلاً عن أن بناء ركيزة أخرى لدى الطائفة السنية، والذي لم ينجح خلال هذه السنة قد لا ينجح لسنة أو لسنتين أخريين أو حتى الانتخابات النيابية المقبلة، فيما الأمر قد يأخذ وقتاً غير متوافر إذا احتاجت الاستحقاقات المقبلة هذه الركيزة السنية، لا سيما أن لبنان هو بلد التوازنات. يضاف إلى ذلك أنه لا تزال للحريري عاطفة قوية لدى أبناء طائفته حياله وتعاطف ليس قليلاً، لا سيما في ظل ما تعرّض له إبان حكم الرئيس السابق ميشال عون وفريقه. وإزاء الخلل الجسيم في التوازن والذي يعود إلى الفراغ السياسي في الساحة السنية، يعيد البعض إلى الأذهان مقاربة الدول الخليجية للبنان من باب عدم الرغبة في الاستثمار في الأشخاص بعد الآن بل في المؤسسات والدولة ككل، ولكن الأمور لا تبدو كذلك بالنسبة إلى بيئة طائفية ترى إجحافاً لحق بها. وهذا لا يعني أن الطائفة السنية تخلو من زعامات محتملة، ولكن هذا الأمر غير واضح وغير محتمل في المدى المنظور والقديم المعروف من هذه الزعامات لا يبدو على مستوى التحديات، فيما التوازن السياسي مفقود وتتجاهله القوى السياسية لاعتبارات متعددة.
يقول معنيون إن موضوع الخلل السياسي وعدم التوازن نتيجة ابتعاد الحريري من الساحة السياسية، هو موضوع مطروح بقوة على بساط البحث، ولو أن الضجيج الإعلامي والسياسي هو في مكان آخر، لا سيما أن العاصمة الفرنسية التي تردد أنها ساعدت في دعم الأجواء لإبعاد الحريري عن السلطة في المرحلة الماضية تحت تأثير العوامل الداخلية الضاغطة من جانب ميشال عون وفريقه، أو تحت تأثير العوامل الإقليمية المعروفة بعد استقالة الحريري في 2017 من الرياض، قد وجدت أن اندفاعها ضد الحريري لم يكن في محله ولم يكن هذا الأخير عقبة كما كان يروّج، أو بالسوء الذي كان يرميه به الحكم أو خصومه آنذاك. وحين أخذ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الحديث الصحافي الذي أدلى به إلى "النهار العربي" في 23 كانون الأول (ديسمبر) الماضي جانب الرئيس ميقاتي منتقداً الآخرين، فإن هؤلاء لم يتوانوا عن انتقاد الموقف الفرنسي بقوة لهذا الاستثناء في تصنيفه الطبقة السياسية في لبنان، فيما كان الأمر معاكساً حين شمل ماكرون الحريري في موقفه من هذه الطبقة السياسية سابقاً.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/28/2026 10:25:00 PM
من المتوقع أن يصدر قرار التعيين عن جلسة مجلس الوزراء الخميس...
لبنان
4/29/2026 10:32:00 AM
هل ستُهاجم إسرائيل العاصمة بيروت؟
لبنان
4/29/2026 10:51:00 AM
اكتشاف مغارةٍ جديدة والكشف عن طبيعتها ومعالمها في خراج بلدة تاشع أعالي محافظة عكار
نبض