في شباط (فبراير) 2009، وقبل أن يبرد المقعد الذي جلس عليه خالد مشعل في وزارة الخارجية الروسية، جلس عليه المواطن السوفياتي السابق، ووزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، واعتبرت وثائق ويكيليكس في حينه، أن لافروف خاطبه كواحد "منهم". فلقد جمع ليبرمان في "إسرائيل بيتنا" غالبية الناخبين الروس، وروسيا تعتبر من حقها أصلاً التحدث باسم كل روسي، بما في ذلك داخل إسرائيل.
هكذا، فتح ليبرمان الطريق واسعاً لتقارب استراتيجي جديد بين تل أبيب وموسكو، وسرعان ما أشرك رئيس الوزراء نتنياهو في العلاقة الشخصية والرسمية ببوتين. وسواء من تحت الطاولة أم من فوقها، اندفع نتنياهو لتأسيس علاقة وصفها الصحافيون الإسرائيليون، بـ"الكيمياء الحقيقية".
حصلت هذه القفزة في العلاقات الإسرائيلية - الروسية بعد عام واحد فقط من الحرب الروسية - الجورجية، عندما اكتشفت موسكو، مرة أخرى، التخلف الكبير في قدراتها العسكرية. ونظراً إلى العلاقة المتينة بإسرائيل، بدأ التبادل التكنولوجي العسكري يتزايد من دون توقف، لتصبح العلاقات العسكرية من أكثرها تطوراً وثقة في العالم حتى اليوم.
جاءت هذه التطورات مناسبة جداً لنتنياهو، حيث يندفع الروس في إسرائيل عموماً نحو اليمين، ما ضمن له دعم ليبرمان، الزعيم الروسي الأبرز في الكنيست.
ولم يكن ليبرمان ولا نتنياهو يخفيان محاولتهما بناء علاقة قوية بروسيا، لجعلها نظيراً للتحالف التقليدي مع واشنطن. وبعد غزوها للقرم، ساعدت العقوبات الاقتصادية والسياسية الأميركية على روسيا، في زيادة الحاجة لإسرائيل، بخاصة في المجال العسكري.
وتحسنت العلاقات البرلمانية، وشكلت لجنة للشؤون الدولية وللأمن الاستراتيجي، في ما وصفه ليبرمان "بناء علاقات" بمستوى العلاقات نفسه بالكونغرس الأميركي. فثمة توافق كبير في السياسات الخارجية الروسية والإسرائيلية نظرياً وعملياً. بمعنى أن ثقافتهما الاستراتيجية المشتركة مبنية على سياسات القوة والبراغماتية، الخالية تماماً من العقد أو القيم المثالية، على حد تعبير ليبرمان ذاته.
أشار ديمتري ترينين إلى أنه "بالنسبة إلى الأجهزة العسكرية والأمنية (الروسية)، أصبحت إسرائيل نموذجاً للكفاءة والتصميم" و"يشترك السياسيون والجنرالات الروس والإسرائيليون في السياسة الواقعية للعالم". بل مهدت ثورات الشرق الأوسط، للقفزة الحقة في العلاقة الشخصية والمصالح المشتركة الوثيقة بين الزعيمين، إذ لا توافق روسيا على التهديد الإيراني لإسرائيل، بل توافق على نشاط إسرائيل العسكري ضد القوات التابعة لإيران، لكن من دون أن يؤدي ذلك لزعزعة الدور الإيراني الحيوي في دعم النظام السوري.
في المقابل، فإن أقل ما يقال هو أن إسرائيل لا تجد في الدعم الإيراني لبشار الأسد أي تهديد لها (بحسب رونين هوفمان وأيزنكوت).
يدعم نتنياهو صراحة "إطالة أمد الصراع" بطريقة غير مباشرة في المستقبل المنظور. ويجد أن مستوى الضعف الراهن في بنية سوريا وقدراتها وباقي الدول العربية بعامة، يعمل لمصلحته. بل يسمح هذا الوضع لإسرائيل بإثبات دورها في ضبط الصراعات الإقليمية، إلى جانب روسيا.
خارج سوريا، دعمت إسرائيل وروسيا بعضهما بعضاً ضد نظام العقوبات الأوروبي والأميركي ضد روسيا الذي استخدمته لتعزيز الخطوط التجارية مع موسكو. وخاطرت إسرائيل بالتأثير سلباً في علاقاتها الإيجابية بالغرب حتى قبل غزو أوكرانيا. بل مضت في محاولة لتوسيع علاقاتها الاستراتيجية بدول البريكس.
بل ساعدت إسرائيل-نتنياهو وروسيا-بوتين، بعضهما بعضاً في الوساطة المباشرة وغير المباشرة لتثبيت الأوضاع الراهنة. وأنشئت خطوط اتصال مع خصومهما. وبالفعل، ساهمت روسيا في حوار بين إسرائيل وإيران، وبدورها عملت حكومة نتنياهو على الترويج في واشنطن للسياسات الروسية في الشرق الأوسط، فعلى مدى السنوات العشر الأخيرة، تواصل نتنياهو وبوتين 479 مرة. ويبدو أنهما يعتزمان تعزيز هذا التواصل الآن، فلقد كان بوتين من أوائل من حظوا باتصال من نتنياهو فور تعيينه. ولطالما أسف نتنياهو لضعف دور روسيا استراتيجياً، بما يسمح بتعطيل التحالف مع أميركا. فلقد أسست روسيا دورها في الدول الفاشلة، وهو مؤشر واضح إلى طبيعة نفوذها.
على مدى عقدين، استطاب الأوليغارش الروس والإسرائيليون حقيقة انكفاء الموقع الاستراتيجي الأميركي وتراخيه. والآن، وبعدما عاد إلى الحكم، سيكون أمام نتنياهو هاجسان، أولهما الخلاص من مقصلة القضاء الإسرائيلي، وهو ما يقوم به الآن في الكنيست بنجاح. وثانيهما أنه يتمنى ولا شك أن يتداعى الموقف الأميركي ضد روسيا بعد الانتخابات، أو أن يذهب الغزو الروسي لأوكرانيا كسحابة صيف، وتعود المياه إلى مجاريها.
لكن هيهات! فالدورة المستحدثة من حكم نتنياهو لن تكون كسابقاتها. ولا شيء بعد الرابع والعشرين من شباط (فبراير) 2022 كقبله. وستتمطط رِجلا نتنياهو طويلاً في محاولة العبور بين روسيا وأميركا.
أسباب عدة تجعل التحول أعمق من أن يجسره نتنياهو. أولاً الاحتدام المستعصي لعقود، في العلاقات الأميركية - الروسية. ثانياً، صارت مقومات مثلث الطاقة الروسي - التركي - الإسرائيلي الذي عمل بوتين لتأسيسه، ليكون ميناء جيهان في تركيا عقدة توزيع الطاقة من وسط آسيا وروسيا وإسرائيل لأوروبا، كلها في مهب الريح. وتبع ذلك تداعي مقومات اتفاقات سوتشي حول سوريا. ثالثهما توطيد التحالف الإيراني - الروسي توطيداً غير مسبوق، وتراجع قدرات روسيا للضغط على إيران، وتراجع الغطاء الجوي الروسي لدعم النظام، وبالتالي تفاقم الدور الإيراني أو التركي في سوريا موضوعياً.
رابعهما، أن نتنياهو سيكون مضطراً في سياق حكومته المتطرفة أن يقايض مع المتطرفين الدينيين، المكاسب الداخلية المكلفة، بالتصعيد في الضفة والقطاع.
والأهم من ذلك كله، هو سحب التوكيل الأميركي لروسيا في الشرق الأوسط وحتماً في سوريا، بخاصة أن الدبلوماسيين ذكروه، إبان الدورة السابقة من العنف ضد الفلسطينيين، بقرار مجلس الأمن ضد إسرائيل وفرنسا وبريطانيا بعد غزو قناة السويس عام 1956 لتسقط حكومته بعدها.
يخشى الكثيرون في واشنطن أن يذهب نتنياهو وائتلافه من المتطرفين الدينيين بعيداً، ما سيجبر الولايات المتحدة على إعادة تقييم التحالف مع الحكومة الإسرائيلية. وكما ثبت في الدورة السابقة للعنف، فإن لدى بايدن سياسة واضحة.
العلاقات الأميركية - الإسرائيلية مشدودة أصلاً. سواء تجاه العلاقات الجينية مع روسيا والصين، أم بخصوص دفع الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني نحو الانفجار، ورفض التفاوض حول حلول منصفة مع الفلسطينيين. بل يخلق نتنياهو ظروفاً يصبح من المستحيل على إدارة بايدن أن تنظر معها إلى الحكومة الإسرائيلية الحالية كحليف موثوق.
لن يتم هذا الصدام علناً، لكن ذلك لا يعني أن الصدام سيكون أقل حدة، إذ لا تبدو الأزمة الإسرائيلية مع واشنطن محتملة فحسب، بل إنها مسألة وقت.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
كتاب النهار
10/16/2026 4:00:00 AM
تعود إيران إلى هذا العبث الاستباحي "الناعم" للبنان من خلال مسارعتها إلى الإطلالة على المشهد اللبناني بعد سلسلة هزات تولاها وتسبب بها "حزب الله" كأنها تثبت ضمناً الرسالة المزدوجة التي تكشف قدرتها من جهة على التأثير السلبي المدمر ومن جهة ثانية على توظيف ديبلوماسية المداهنة مع سلطات البلدان...
اقتصاد وأعمال
10/16/2026 5:35:00 AM
كيف تغيّرت أسعار المواد الغذائية في لبنان خلال الأشهر الأخيرة؟
دوليات
10/13/2026 3:08:00 PM
أعاد تقرير بريطاني تداول تنبؤات منسوبة إلى بابا فانغا عن حرب عالمية وتغيّر القيادة الروسية في 2026
لبنان
10/15/2026 5:28:00 AM
لا تستبعد الأوساط الديبلوماسية أن تشهد شوارع بيروت ومناطق أخرى تظاهرات في ساحاتها احتجاجاً على سوء الأوضاع المعيشية وارتفاع أسعار المحروقات.
نبض