"مسائل المنطقة وبرنامج الصواريخ البالستية غير قابل للتفاوض"، هكذا قال إبراهيم رئيسي، رئيس الجمهورية الإيرانية المفروض فرضاً، في أوّل إطلالة إعلامية له، بعد تكريس النتيجة المقرّرة سلفاً.
إنّ هذا الموقف يتناقض والتعهدات التي سبق أن أطلقتها الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، بأنّ موضوعين مهمين سيكونان على طاولة المفاوضات مع إيران، فور الانتهاء من الملف النووي، وهما: "التأثير الخبيث" لإيران في الشرق الأوسط، وبرنامج الصواريخ البالستية.
ولا يندرج موقف رئيسي هذا، في سياق مناوراتي، بل هو تعبير صادق عن إرادة القوى التي فعلت كل ما يلزم لإيصاله الى رئاسة الجمهورية.
ولم يجد رئيسي ما يحول دون ذهابه في موقفه هذا الى حيث يشاء، فانتخابه، على الرغم من أنّه مشوب بعيوب ضخمة، بدا كأنّه حدث طبيعي، بنظر القوى الدولية التي ترفع عالياً شعارات حقوق الإنسان، وبعضها سبق أن أدرجه على اللوائح السوداء، بسبب ما ارتكبه بصفته رئيساً للسلطة القضائية في إيران.
وقد كان لافتاً أنّ الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزف بوريل، سارع الى التمني ألّا يؤثر انتخاب رئيسي سلباً على المفاوضات مع إيران لعودتها والولايات المتحدة الأميركية الى الاتفاق النووي.
لم يهتم بوريل لا بسجل رئيسي ولا بطريقة إيصاله، وهو الذي يقود خطط الاتحاد الذي يمثّل، تحت عناوين حقوق الإنسان، لفرض عقوبات كانت أحدثها تلك التي استهدفت "بيلاروسيا".
وجاء قفز بوريل فوق هذه المسألة الإيرانية، قبيل مغادرته بيروت، حيث تحدّث في كل أسباب الكارثة التي تعصف بلبنان بما في ذلك "نظام الحكم" و"عرقلة السياسيين للخطة المالية السليمة التي وضعتها حكومة حسّان دياب"، ولكنّه تعمّد استثناء أخطرها: تأثير هيمنة "حزب الله" على القرار اللبناني.
ولأنّ هذا الاستثناء ليس ناجماً عن "ثقب في الذاكرة"، فإنّ البعض اعتبره إشارة أوروبية الى التسليم بموقع "حزب الله" المؤثّر في لبنان، عطفاً على الموقف "المحايد" من "انتخاب" إبراهيم رئيسي في إيران.
وقد تكون استعانة رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل بالأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله ضد خصومه في الطبقة السياسية اللبنانية، مبنية على هذا الفهم لمواقف جوزف بوريل، في بيروت.
وهذا المنحى، في حال جرى تكريسه، يُشكّل خطراً على لبنان، لأنّه يقلب مفاهيم حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة رأساً على عقب.
ولتبيان ذلك، يكفي إجراء مقارنة بين نظرة حسن نصرالله الى سجل إبراهيم رئيسي، من جهة وبين نظرتي منظمتي "العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش"، من جهة أخرى.
نصرالله، وفي برقية التهنئة، كتب لرئيسي: "كنتم دوماً عوناً للمظلومين والمعذّبين والمستضعفين".
في المقابل، أكدت "منظمة العفو الدولية" أنّ "صعود إبراهيم رئيسي الى الرئاسة بدلاً من التحقيق معه عن جرائم ضد الإنسانية مثل القتل والاخفاء القسري والتعذيب، هو تذكير دائم بأنّ الإفلات من العقاب يسود في إيران".
وفي هذا السياق، لفتت "منظمة هيومن رايتس ووتش" إلى أن رئيسي "حين كان رئيساً للسلطة القضائية، أشرف على بعض أبشع الجرائم في تاريخ إيران الحديث والتي تستحق التحقيق والمساءلة، بدلاً من انتخابه لمنصب رفيع".
وكتبت صحيفة "غارديان"، في سياق تحقيق عن الجرائم المنسوبة الى رئيسي: "لو كان جو بايدن يعتقد أنّ فلاديمير بوتين هو قاتل، فوصفه لإبراهيم رئيسي من المحتمل أن يفوق الوصف".
وعليه، فإنّ التسليم بدور "حزب الله" الذي يمتدح سجل رئيسي الذي تلعنه المنظمات غير الحكومية، يضع "متمرّدي لبنان" في مهب الريح، ويمنع، بالمحصلة، إنقاذ بلاد الأرز، لأنّه بالتشخيص الحقيقي للكارثة التي وقع لبنان في براثينها، تبرز أزمتان، الأولى، سياسية داخلية والثانية، سيادية إقليمية. الأولى مسؤولة عن المال المنهوب الذي يمكن علاج تداعياته بالإصلاحات والمساءلة. الثانية مسؤولة عن المال المحجوب الذي لا يمكن علاجه إلّا من خلال إعادة النظر بدور "حزب الله" في الداخل والخارج، في آن.
لقد عانى لبنان الأمرّين من الميزان الذي يقيس عليه "حزب الله" المفاهيم، فتعطلت العدالتان الوطنية والدولية، وجرى تقديس المتهمين وتمّت حماية المحكوم عليهم، وعجزت التحقيقات من التقدم، ولو خطوة واحدة في جرائم منسوب ارتكابها الى "حزب الله"، مثل اغتيال لقمان سليم.
في ظل هذه المعطيات، فإنّ تهويل "الاتحاد الأوروبي" على الطبقة السياسية اللبنانية، بالعقوبات لا يجدي نفعاً، لأنّ ألف عقوبة لا يمكن أن تُحرّك الوضع الداخلي، خطوة إيجابية واحدة، إذا ما جرى التسليم بهيمنة "حزب الله" واستمرار إفلاته من العدالة.
إنّ المجتمع الدولي يتّجه إيرانياً الى التخلّي عن "الرقص مع النظام"، تحت ستار "التيار الإصلاحي"، وهو، في لبنان، وفق الرسالة التي تركها جوزف بوريل، يتّجه الى تجاوز المآخذ على دور "حزب الله".
وهكذا، فإنّ قطع التمويل الدولي عن "المحكمة الخاصة بلبنان" يصبح له معنى استراتيجياً.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
دوليات
10/13/2026 3:08:00 PM
أعاد تقرير بريطاني تداول تنبؤات منسوبة إلى بابا فانغا عن حرب عالمية وتغيّر القيادة الروسية في 2026
ايران
10/15/2026 7:19:00 AM
تزن "أم القنابل" نحو عشرة أطنان، واستخدمتها الولايات المتحدة للمرة الأولى في أفغانستان عام 2017. فما قدراتها، ولماذا تختلف عن السلاح المصمّم لضرب المنشآت المحصّنة تحت الأرض؟
لبنان
10/15/2026 5:28:00 AM
لا تستبعد الأوساط الديبلوماسية أن تشهد شوارع بيروت ومناطق أخرى تظاهرات في ساحاتها احتجاجاً على سوء الأوضاع المعيشية وارتفاع أسعار المحروقات.
لبنان
10/15/2026 12:05:00 PM
السجناء لم يستمرّوا في الإضراب عن الطعام والأدوية مع صدور قرار مجلس الدستوري حول الطعن بقانون منح عفو عام وخفض مدّة العقوبات بشكل استثنائيّ، لكن أصابت عدداً منهم حالٌ من الغضب الذي تكتنفه الكآبة، على ما حصل التعبير عنه.
نبض