منذ مدة ليست ببعيدة، تتعدّد الخلافات لا بل الإشكالات بين "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية"، حتى بلغت ذروتها ذاك المساء الفائت من الأسبوع الماضي أمام مركز "التيار" في سن الفيل.
أكثر من "نعي رسمي" لا بل أكثر من ود مفقود بين الجهتين. وكان سبق ذاك الود المفقود أكثر من تهشيم واضح ومتكرر لما سُمّي بـ"اتفاق معراب".
إنها علاقة جدلية لطالما جمعت هذا الثنائي المسيحي اللبناني، منذ الحرب الأهلية الى فترة السلم ما بعد الطائف، وصولاً الى فترة ما بعد الـ2005، لتتكرّس ذات ليلة باتفاق رئاسي من قلب معراب، سرعان ما لفظه الطرفان.
الى 18 كانون الثاني (يناير) 2016: ذاك المساء الشتوي، يعود تاريخ الاتفاق، أو ما سمّاه البعض "بالانقلاب المسيحي". ذات مساء، وفي لقاء أشبه " بالصدمة"، وصل الجنرال ميشال عون، وكان يومها رئيس " تكتل التغيير والإصلاح"، الى معقل رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع في معراب. وما هي إلا دقائق، حتى رفعت له الأنخاب وتُوّج رئيساً للجمهورية اللبنانية المقبلة.
من أشد خصومه المسيحيين، أعلن الجنرال عون رئيساً على لسان الحكيم جعجع، في مشهد سياسي أشبه بالمعجزة. هذان الرجلان اللذان خاضا أشد المعارك والقتال، وتواجها في ساحات القتال التي أدت الى قتل الكثير من الشبان المسيحيين، كل واحد دفاعاً عن مبادئ رآها بنفسه أنها "مقدسة". أريقت الدماء، من "تحرير المرافئ غير الشرعية"، الى "حرب الإلغاء"، وصولاً الى مرحلة اتفاق الطائف وما تلاها من تهميش واسع للمسيحيين، انتهت بنفي عون واعتقال جعجع.
كل هذه الجردة توّجت تاريخاً حافلاً لطرفين كانا أشد الخصوم، وفي لحظة مباغتة تحولا حليفين، قبل أن يتداعى اتفاقهما سريعاً.
البعض شبّه اتفاق معراب بـ"الانقلاب المسيحي" الذي يعود الى 15 كانون الثاني (يناير) 1986، يوم قام جعجع، قبل 34 عاماً، بانقلاب على إيلي حبيقة ليسقط "الاتفاق الثلاثي" الشهير.
هكذا، انقلب جعجع على الرئيس سعد الحريري ورشّح عون وأوصله الى قصر الرئاسة اللبنانية.
بنود الورقة العشرية
في الأساس، لم يصمد طويلاً "اتفاق معراب"، حتى حين كانت "القوات اللبنانية" ممثلة في حكومات عهد الرئيس عون، لم يدم الودّ والوفاق بين الطرفين، كانت الثقة، هذا إن وجدت منذ البدء، تتزعزع سريعاً. وفي الأساس، ما هو "اتفاق معراب" وماذا يحوي ذات الاتفاق السياسي الشهير الذي غيّر تاريخ لبنان في غفلة؟
"اتفاق معراب" هو بمثابة ورقة عشرية، قرأها جعجع أمام عون. يومها، كان الجميع يصفّق من الجانبين، علماً أن الورقة كانت أشبه بـ"شروط" أوصلت عون الى قصر بعبدا رئيساً لبنانياً.
في المضمون، ترجم "اتفاق معراب" "إعلان النيات" الذي عمل عليه النائب إبراهيم كنعان من ("التيار الوطني الحر") والوزير السابق ملحم رياشي من ("القوات اللبنانية").
كان "إعلان نيات حسنة" سرعان ما ثبّت في "اتفاق معراب".
حمل العنوان الأول من الاتفاق: "تأكيد الإيمان بلبنان وطناً نهائياً سيداً حراً وبالعيش المشترك وبالمبادئ التأسيسية الواردة في مقدمة الدستور".
هي عموميات أولية استكملت بـ"التزام مرتكزات وثيقة الوفاق الوطني التي أقرّت في الطائف، والتعهد باحترام أحكام الدستور دون انتقائية وبعيداً من الاعتبارات السياسية".
وإذ شدّد الاتفاق على "احترام المناصفة الفعلية وصحة التمثيل النيابي الفعال والشراكة الصحيحة بين مكوّنات المجتمع اللبناني، بما يحفظ قواعد العيش المشترك"، لفت الى "ضرورة ترجمة ذلك في قانون انتخاب يؤمّن القواعد المشار اليها، وفي انتخاب رئيس للجمهورية قوي ومقبول في بيئته وقادر على طمأنة المكوّنات الأخرى والإيفاء بقسمه".
بالطبع، أراح هذا الكلام الجنرال عون يومها. وكان مهماً الإشارة الى "عدم اللجوء إلى السلاح والعنف أياً تكن الهواجس والاحتقانات".
وهذا ما لم يُحترم من الجانبين عند أول تلاسن وخلاف وإشكال وغليان في الشارع.
الخارجية والمعارضة
لم يتوقف الاتفاق عند مسائل داخلية وحسب، بل تطرق الى "السياسة الخارجية". وفي هذه المسألة أكثر من خلاف ونقاط اختلاف بين "التيار الحر" و"القوات". فهل يذكر البعض كيف توجه جعجع الى عون وهو يقرأ هذه الفقرة، حين قال: "قلّو قلّو"، في إشارة الى الوزير جبران باسيل. كان باسيل يومها وزيراً للخارجية اللبنانية، وكان حول أدائه أكثر من إشكالية وتباين.
في فقرة السياسة الخارجية، نصّ "اتفاق معراب" على الآتي: "ضرورة التزام سياسة خارجية مستقلة، بما يضمن مصلحة لبنان ويحترم القانون الدولي، وذلك بنسج علاقات تعاون وصداقة مع جميع الدول، ولا سيما منها العربية، ما يحصّن الوضع الداخلي اللبناني سياسياً وأمنياً ويساعد على استقرار الأوضاع، وكذلك اعتبار إسرائيل دولة عدوة والتمسك بحق الفلسطينيين بالعودة إلى أرضهم ورفض التوطين واعتماد حل الدولتين ومبادرة بيروت 2002".
وربما تكاد تكون هذه الفقرة أكثر ما نُسفت نسفاً من الاتفاق. إذ ليس جديداً القول أو التذكير كيف عارض وزراء "القوات" لاحقاً توجهات باسيل في وزارة الخارجية، ومن مسألة اللاجئين تحديداً، ولم تكن التعيينات الدبلوماسية سوى مثال بسيط على هذا الخلاف، إذ لم تنل "القوات" أي حصة منها!
كان "اتفاق معراب" يسقط حجرة تلو أخرى. صحيح أن عون وصل الى الرئاسة. تألفت الحكومة. شاركت "القوات اللبنانية". إلا أن الجدال بين الوزراء سرعان ما كان يبدأ عند أول جلسة وزارية ولا ينتهي مع انتهائها. كانت مسألة التعيينات هي الواجهة للخلاف المضمر. عند كل تعيين أو تناتش على مرفق عام، يظهر الخلاف.
من تعيينات "تلفزيون لبنان" التي لم تبصر النور حتى تاريخنا هذا، الى معضلة الكهرباء المستمرة حتى يومنا هذا، الى غياب الإصلاح الجدي ومحاسبة الفساد والتي لا نزال نعيش ذيوله حتى لحظتنا هذه... أو بالأحرى حتى انفجار المرفأ من يوم 4 آب (أغسطس) الأسود... كلها تراكمات قطعت "شهر العسل" بين " التيار الوطني" و"القوات اللبنانية"، ولم تُكتب للأنخاب أن تُرفع مجدداً بين الطرفين!
حتى الانتخابات النيابية الأخيرة التي جرت عام 2018، لم تكن فرصة للتلاقي بين الطرفين، بل مناسبة لإظهار حجم قوة كل طرف، لا سيما في الشارع المسيحي. كانت القطيعة تتعمق أكثر بين الجانبين. ولعل المفارقة الكبرى التي تسجل هنا أن "اتفاق معراب" نصّ على "مبادئ كيانية" عبر صوغ تشريعات قانونية، وفي مقدمها "قانون استعادة الجنسية" و"قانون تملّك الأجانب"، فكاد الرد في حزيران (يونيو) 2018: "الرئيس اللبناني ميشال عون يوقّع مرسوم تجنيس... و"القوات اللبنانية" تطعن به أمام شورى الدولة".
إلا أن الطلاق لم يعلن رسمياً حتى حان وقت تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات.
كانت "القوات" قد نالت 15 موقعاً نيابياً، وبالتالي بات لها وزن سياسي أكبر في التمثيل الحكومي. وكي تصل اللعبة السياسية الى أقصاها... هدّدت "القوات" بكشف بنود من الاتفاق تحمل توقيع باسيل نفسه.
وهذا ما كان... سرعان ما أظهرت الورقة المنشورة ما نصت عليه الفقرة (ج) من الصفحة 2: "تتوزع "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر" المقاعد الوزارية مناصفة. المقاعد المخصصة للطائفة المسيحية، بما فيها السيادية منها والخدماتية، والموزعة على المذاهب المسيحية المختلفة وفي حكومات العهد، وذلك بعد احتساب الحصة المسيحية التي جرت العادة أن تكون لرئيس الجمهورية، أي وزيرين مسيحيين من حكومة من 24 وزيراً أو 3 وزراء مسيحيين في حكومة من 30 وزيراً".
وقد دُوّنت الحقائب السيادية على هامش الصفحة وهي: الخارجية، الدفاع، المال والداخلية.
وهذا ما نُسف في تشكيل الحكومات.
لا بل أكثر... في الفقرة (هـ) من الصفحة 3، ورد الآتي: "يصار إلى توزيع مراكز الفئة الأولى في الإدارات الرسمية والمؤسسات العامة ومجالس الإدارة العائدة الى المسيحيين، بما فيها المراكز القيادية الأولى في المؤسسات الرسمية، ومن ضمنها قيادة الجيش وحاكمية مصرف لبنان، بالاتفاق بين الطرفين ووفقاً لمعايير الكفاية والنزاهة".
وهذا ما لم يُحترم في أي تعيينات.
أما الفقرة (ز) من الصفحة 4، ففيها المفاجأة الكبرى: بند واضح يقول الآتي: "يتفق الطرفان على أن تكون كتلتا "الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" النيابيتان مؤيدتين لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وعاملتين على إنجاح عهده عبر تحقيق المصالحة الوطنية ومكافحة الفساد وتعزيز الدور المسيحي الوطني وصلاحيات رئيس الجمهورية وتحقيق الإصلاح المنشود".
وبعد، هل ثمة ما يُقال في هذا البند تحديداً؟!
هكذا، باتت الورقة المنشورة من "اتفاق معراب" هي الاتفاق برمّته، كأنها البديل الذي اختصر الاتفاق في لحظة سياسية خلافية بين الطرفين... انتهى "اتفاق معراب" وإن كان عون لا يزال رئيساً... لكن في الأساس، أليس "اتفاق معراب" سوى اتفاق على حصص أخلّ أحد الطرفين به؟!
وربما قلة لا تزال تذكر تاريخ 18 أيار (مايو) 2005: صبيحة ذاك اليوم، استفاق اللبنانيون على خبر – صدمة: "الجنرال عون يزور الحكيم جعجع في السجن". كان لم يمر على عودة الجنرال عون الى بيروت من منفاه الباريسي سوى أسبوعين، حتى قرر أن يقابل خصمه السياسي اللدود في سجنه، وكأنه أراد أن يطوي صفحة ما من التاريخ المسيحي...
يومها كانت لحظات مؤثرة تصارح خلالها الرجلان بعد غياب، عن الماضي الأليم والدامي، واتفقا على تجاوزه، لكن المستقبل لم يحمل فقط صفحات بيضاء بين الطرفين...
هكذا كانت نهاية "اتفاق معراب" من "رفع الأنخاب" الى "الورقة المنشورة السوداء"، وصولاً الى غليان الشارع، فأي جدلية تلك في هذه العلاقة الثنائية بين "التيار الوطني" و"القوات اللبنانية"، والى متى سيبقى الشباب المسيحي يدفع ثمن خلاف بين "زعيمين" لم يتسلّل الود الحقيقي يوماً الى قاعدتيهما، حتى في عز زمن المقولة الشهيرة: "أوعى خيّك"؟!!
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض