20-06-2021 | 09:30

الاحتفال بذكرى نهاية العبوديّة مع مواصلة مكافحة آفاتها

أحيا الاميركيون رسميا يوم السبت وللمرة الاولى الذكرى السنوية لإلغاء العبودية في البلاد، بعد ان وقّع الرئيس بايدن يوم الخميس على مشروع قانون أقره الكونغرس ويقضي باعتبار اليوم المسمّى جونتينث عطلة رسمية.
الاحتفال بذكرى نهاية العبوديّة مع مواصلة مكافحة آفاتها
Smaller Bigger
أحيا الأميركيون رسمياً يوم السبت، للمرة الأولى، الذكرى السنوية لإلغاء العبودية في البلاد، بعدما وقّع الرئيس بايدن، يوم الخميس، على مشروع قانون أقره الكونغرس ويقضي باعتبار اليوم المسمّى جونتينث عطلة رسمية. وشهدت البلاد احتفالات ومسيرات شعبية وسياسية ومهرجانات، تم خلالها استعراض التجربة الصعبة التي مرت بها البلاد في السنة الماضية، من احتجاجات سلمية وعنيفة ومخاض سياسي لا يزال مستمراً بعد مقتل جورج فلويد، الأميركي من أصل أفريقي، على يد مجموعة من رجال الشرطة البيض. ولكن بعد أكثر من 156 سنة من التخلص من مؤسسة العبودية، لا تزال الولايات المتحدة تعاني من الإرث الثقيل لاستعباد ملايين الأميركيين الأفارقة، ما أدى الى تفكيك عائلاتهم وبقاء المتحدرين من المستعبدين لأجيال عديدة يعيشون في فقر مدقع ومحرومين من التحصيل العلمي والتقدم الاجتماعي والمشاركة في الحياة السياسية، ويعانون من آفات التمييز المؤسساتي حتى اليوم.
 
وتسمية جونتينث جاءت بعد دمج كلمتي "جون"، أي يونيو مع كلمة "ناينتين" أي الرقم التاسع عشر، وهو اليوم الذي يتزامن مع عتق حوالي ربع مليون مستعبد في ولاية تكساس بعد شهرين من نهاية الحرب الأهلية عام 1865، وبعد سنتين ونصف سنة من إعلان نهاية مؤسسة الرق في البلاد والذي أصدره الرئيس أبراهام لينكولن بعد أيام من معركة أنتيتوم في 17 أيلول (سبتمبر) 1862 خلال الحرب الأهلية (والتي تعتبر اليوم الأكثر دموية في تاريخ البلاد، حين سقط خلال 12 ساعة من القتال الشرس 23 ألف عسكري بين قتيل وجريح ومفقود). إعلان لينكولن كان خطوة سياسية ورمزية، ولكن لم يكن له تأثير مباشر على الغالبية العظمى من المستعبدين الذين كانوا يعيشون في الولايات الكونفدرالية الجنوبية، التي اختارت زج البلاد في أشرس حرب خاضتها الولايات المتحدة في تاريخها، بدلاً من التخلص من مؤسسة العبودية. عدد الجنود الأميركيين الذين قُتلوا خلال السنوات الأربع في الحرب الأهلية زاد عن 750 ألف عسكري، أي أكثر من مجموع العسكريين الأميركيين الذين قُتلوا في جميع حروب الولايات المتحدة في العالم، منذ تأسيسها حتى اليوم. 
 
في التاسع عشر من حزيران (يونيو) 1865، دخلت قوة عسكرية من جيش الاتحاد بقيادة الجنرال غوردون غراينجر الى مدينة غالفيستون بولاية تكساس لإعلام سكانها السود بانهيار مؤسسة الاستعباد. خبر عتق المستعبدين لم يصل بسرعة الى جميع سكان تكساس الولاية الشاسعة، وخاصة السود منهم، لأن الولاية لم تقع في أيدي القوات الشمالية خلال المعارك، بل فقط بعد استسلام الولايات الكونفدرالية. ومنذ ذلك اليوم بدأ المتحدرون من المستعبدين في تكساس الاحتفال بجونتينث، برغم أن معظم الأميركيين، بمن فيهم المتحدرون من أصل أفريقي، كانوا يجهلون هذه الذكرى ومعناها حتى العقود  والسنوات الأخيرة. وألغيت العبودية رسمياً في البلاد في كانون الأول (ديسمبر) 1865، بعد إقرار التعديل الثالث عشر وإضافته الى الدستور.  
 
ولكن الحركة الاحتجاجية ضد إرث التمييز العنصري التي اجتاحت البلاد بعد مقتل جورج فلويد عبّأت ملايين الأميركيين من مختلف الفئات والخلفيات، الذين طالبوا بالاعتراف رسمياً بجونتينث واعتباره عطلة رسمية، واليوم الحقيقي لاستقلال الأميركيين من أصل أفريقي.
 
ذكرى جونتينث واعتبارها للمرة الأولى عطلة رسمية كان له صدى إيجابي عموماً، ولكنه جدد من حدّة السجال المستمر في البلاد منذ مقتل جورج فلويد، والذي زادت من حدّته الانتخابات الأميركية واقتحام مبنى الكابيتول، وما تبع ذلك من محاولات من الرئيس السابق ترامب ووراءه أكثرية الحزب الجمهوري لإلغاء نتائج الانتخابات، والأهم من ذلك العمل على تقويض جوهر جونتينث، أي المساواة الكاملة بين البيض والسود. يوم الثلثاء صوّت مجلس الشيوخ بالإجماع لإعلان جونتينث عطلة رسمية، ولحقه مجلس النواب يوم الأربعاء وصوّت بأكثرية 415 عضواً مقابل 14 صوتاً معارضاً، ووقّع الرئيس بايدن يوم الخميس على مشروع القانون وجعله ساري المفعول.
 
ولكن المعلق يوجين روبنسون الأفريقي الأصل، رأى أن هذا الإعلان هو انتصار أجوف، لأنه يتزامن مع محاولات الحزب الذي فاز في الحرب الأهلية ـ الحزب الذي قاده أبراهام لينكولن ـ تقويض إرث لينكولن، حيث يقوم الآن بقلب الأرض والسماء لمنع الأميركيين من أصل أفريقي من حق الانتخاب. ورأى المعلق روبنسون وغيره، أن موافقة عشرات المشرعين الجمهوريين في المجلسين على إعلان جونتينث عطلة رسمية يعطيهم الذريعة للقول إنهم يعارضون التمييز العنصري السافر أو الناعم، الأمر الذي يسمح لهم بالادعاء أيضاً بأن العنصرية والتمييز هي ممارسات مرفوضة، ويجب تركها في المكان الذي تنتمي اليه أي الماضي.
 
المفارقة أن أكثرية الجمهوريين – وخاصة في مجلس النواب – الذين صوّتوا للعطلة الرسمية الجديدة، رفضوا رسمياً التصديق على انتخاب جوزف بايدن رئيساً للبلاد، وهو رفض يعني إلغاء أصوات الملايين من الناخبين من أصل أفريقي من الذين لعبوا دوراً بارزاً في عدد من الولايات المحورية التي صوّتت لمصلحة بايدن.
 
تصويت الجمهوريين لعطلة جونتينث هو خطوة رمزية، ولا يلغي حقيقة أن الجمهوريين في الكونغرس يحاولون تمرير قرارات في عدد من الولايات التي يسيطرون على مجالسها المحلية تحرّم تدريس التاريخ الحقيقي للعنصرية ونظريات تفوّق العرق الأبيض في الولايات المتحدة لطلاب المدارس الإعدادية والثانوية. كما أن الجمهوريين في مجلس الشيوخ يرفضون التصويت على مشروع قرار أقره مجلس النواب بأكثريته الديموقراطية البسيطة، ويدعو الى إقرار قانون انتخابي فدرالي يتصدى لمحاولات الجمهوريين في عدد من الولايات اعتماد إجراءات إدارية ولوجستية وبيروقراطية مصممة لحرمان شرائح من الناخبين، ومعظمهم من السود والأقليات الذين يصوّتون عادة للمرشحين الديموقراطيين من ممارسة حقهم في الاقتراع. وبعد أكثر من سنة على مقتل جورج فلويد، لا يزال الجمهوريون في مجلس الشيوخ يرفضون الموافقة على مشروع قانون جديد يلغي بعض الممارسات القاسية لرجال الشرطة، من بينها إمساك المعتقلين فور توقيفهم – وعدد كبير منهم من الشباب السود – من خلال لف سواعدهم حول أعناق الموقوفين لمنعهم من التنفس، والتخلص من بعض القوانين التي تعطي رجال الشرطة نوعاً من "الحصانة" ضد تعرضهم للشكاوى القانونية من ضحايا قسوة الشرطة.
 
الاحتفال بجونتينث واعتبار ذلك اليوم عطلة رسمية أو إعلان الاستقلال الحقيقي للأميركيين من أصل أفريقي خطوة هامة سياسياً ورمزياً. ولكن احتفالات يوم السبت، لم تخف عن المحتفلين حقيقة أن قسماً كبيراً من الأميركيين من أصل أفريقي لا يزالون يعانون من التمييز المؤسساتي غير المكتوب ضدهم، في مجالات عديدة مثل التوظيف والتعليم والصحة العامة والإسكان، وخاصة في المجال الجنائي والقضائي وإشكالية علاقات عناصر الشرطة بالشباب من أصل أفريقي. 
 
المحتفلون بجونتينث، أحيوا أيضاً ذكرى جورج فلويد الضحية التي أبرزت الى السطح وبشكل صارخ معنى أن يعاني شاب أسود من آثار التمييز العنصري المؤسساتي المستمر في الولايات المتحدة بعد 156 سنة من انهيار مؤسسة الاستعباد وبقاء إرثها العنصري والتمييزي الخانق حتى اليوم. 

 
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 10/7/2026 10:45:00 PM
تعود مؤرخة الفن ثريا نجيم لقيادة اللوفر أبوظبي بعدما أسهمت في تأسيس رؤيته وتطوير مقتنياته، حاملةً خبرة دولية في الفن الإسلامي وإدارة المجموعات والمعارض.
المشرق-العربي 10/7/2026 10:20:00 AM
نشرت كتائب القسام مشاهد موثّقة وغير منشورة سابقاً ليحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، الذي قتل في 16 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2024 خلال اشتباكات مع قوة من الجيش الإسرائيلي في جنوب قطاع غزة.
المشرق-العربي 10/8/2026 12:06:00 PM
واشنطن تفتح باب تسليح الجيش السوري، وإسرائيل تفرض خطوطها الحمر. هل تدفع صفقات السلاح دمشق إلى حروب جديدة من لبنان إلى اليمن؟ ومن يملك القرار العسكري؟
النهار تتحقق 10/8/2026 2:51:00 PM
"الزمن يغيّر الملامح لكن لا يغيّر مكانته"، علّق مستخدمون على الصورة.