21-05-2022 | 06:10

"الفقيه" يتظاهر في العراق متنكراً ويشطب مطلب محاكمة القتلة

في العراق، بدأ الفصل الأخير من سلسلة الصدمات الكبرى في الثالثة من مساء الثلثاء 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، حين فتحت قوات رئيس الوزراء الموالي لـ"الحشد الشعبي" والفصائل الإيرانية، النارَ وسط ساحة التحرير، وقتلت الطفل الأعزل محمد حبيب الساعدي.
"الفقيه" يتظاهر في العراق متنكراً ويشطب مطلب محاكمة القتلة
Smaller Bigger
قبل نحو خمسين عاماً، انتقلت الفتاة الأميركية باتي هيرست من مخطوفة لدى جماعة متشددة، إلى صانعة قنابل لمصلحة الجماعة. اعتدى الخاطفون على الفتاة جسدياً وعنّفوها، وعصبوا عينيها، وسجنوها في قبو لكنهم "كانوا لطفاء حين سمحوا لي بمشاركتهم في جلسة تناول الطعام"، تقول الصبيّة.
 
يُطلق خبراء علم النفس على ما شعرت به هيرست "متلازمة استوكهولم"، ومن أعراضها تعاطفُ الضحية مع الخاطف، ثم تبنّي أفكاره، والاعتقاد أنها تشاركه القيم والأهداف ذاتها، وصولاً إلى رفض الضحية التعاون مع أي طرف يريد تحريرها، كما يربط مختصون بين "استوكهولم" وأعراض "ما بعد الصدمة".

عامان من الطَّرق على الرأس
في العراق، بدأ الفصل الأخير من سلسلة الصدمات الكبرى في الثالثة من مساء الثلثاء 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، حين فتحت قوات رئيس الوزراء الموالي لـ"الحشد الشعبي" والفصائل الإيرانية، النارَ وسط ساحة التحرير، وقتلت الطفل الأعزل محمد حبيب الساعدي.
 
كان صادماً أن يُقتَل محمد، رغم أن أعداد زملائه لا تشكل تهديداً لعصفور، لكن قيس الخزعلي زعيم فصيل "العصائب"، والذي افتتح - حينها - للتو مشواره السلطوي بوزارتين، كان يقنع بقية الفصائل، ويأمر أجهزة الدولة، بقمع "المتآمرين على الشيعة". 
 
 
 
 
 
امتد القتل الصادم 20 شهراً، ويُمكن فهم ما كان يجري، بإعادة النظر إلى صورتين مسرّبتين، تُظهر الصورة الأولى التي سرّبتها وسيلة إعلام لبنانية "مقاومة" (الميادين)، قاسم سليماني يدير عمليات القمع، متوسطاً قائدي "الحشد الشعبي" السابق واللاحق، أبو مهدي المهندس، وأبو فدك. أما الصورة الأخرى فأكثر تعبيراً، إذ يتصدر رئيسا الحكومة والبرلمان ووزير الداخلية مشهد إدارة القمع من داخل غرفة عمليات، بينما يتوارى "المهندس" خلف عنصر مجهول، وتظهر لحيته، على الطريقة الفصائلية المعهودة في التواري.

تهيئة الضحايا للانقياد
بقيَ الأحياء تحت الصدمة أكثر من عامين. ذوو ضحايا، وجرحى، ومنفيون، كانوا بانتظار لحظة دوران عجلة العدالة، لينهضوا ويتخذوا قرار مواصلة النضال أو الحياة، لكن القتلة ظلوا مجهولين، متوارين، محميين، أو حتى تم تهريبهم كما يُشاع أخيراً عن قاتل هشام الهاشمي. 
 
كان صادماً أيضاً أن تقتل فصائل "المقاومة" المرتبطة بـ"فيلق القدس" بالتواطؤ مع رئيس الحكومة "المقاوم"، خلال بضعة أشهر، عدداً من الشبان "الشيعة" - إن شئت - لم يقتله "محور المقاومة" بأكمله من الإسرائيليين طيلة عقود، في مذبحة عنوانها "المؤامرة ضد الشيعة" ومن دون أي اعتبارات قانونية أو دينية، رغم أن عمامة كل قيادي في تلك الفصائل، تقول لعمامة الآخر "أنا أكبر". 
 
سحقت الصدمات نفوس الشبان، ومعظمهم في العشرينات، صدمة المجزرة الطويلة، ثم صدمة الإفلات من العقاب التي تحدثت عنها ممثلة الأمم المتحدة قبل يومين، وأصبح مَن تبقى من المشاركين في التظاهرات، جاهزين تماماً لدخول نادي "استوكهولم".
 
ثمة تطبيقات ملموسة عديدة لمتلازمة "استوكهولم" خلال السنوات الأخيرة. 
عام 2019، نشرت منصات على صلة بـ"الحشد الشعبي" صور نشطاء عراقيين، واتهمتهم بالعمالة لإسرائيل، في محاولة لابتزازهم أمنياً وحثهم على دعم الفصائل الإيرانية. 
 
بعد عامين، غيّر بعض المُستهدفين أماكن سكنهم، هاجر آخرون، اعتزل البعض السياسة، وقُتِل هشام الهاشمي، لكن من بين ضحايا وردت أسماؤهم في قائمة التحريض مَن استهواه مسار هيرست، منتقلاً من واجهة قوائم التحريض، إلى كتابتها أو مجالسة كاتبيها، "فقد كانوا لطفاء... منحونا بعض المال والوظائف الفضائية والحماية"... رغم أن "الحماية" التي يشعر بها هؤلاء بعد دخولهم في فلك الفصائل، ليست سوى حماية من اغتيالات فرق الموت الإيرانية ذاتها.

مرحلة التظاهرات "الحشدية" المتوارية 
مع انطلاق تظاهرات "المدنيين" عام 2016 استنفر "الحشد الشعبي"، فزعماء الفصائل الذين يحسبون كل صيحة في البلاد عليهم أطلقوا تظاهرة باسم "الحشد المدني"!، لكن المحاولة الفجة للاختراق فشلت.
 
في تظاهرات تشرين الأول (أكتوبر) 2019، تم الزجّ مجدداً بإعلاميين ونشطاء "حشديين"، أقاموا خيماً بين المعتصمين، لكن هول المجزرة منع هؤلاء "المتنكرين" من فعل شيء، ولم يحققوا حُلم الفصائل باعتلاء موجة التظاهرات كما حاول الصدر مرات عدة.
 
 
وقد حاول "الحشد الشعبي" محاكاة تظاهرات تشرين الأول (أكتوبر)، عبر اعتصام أنصاره احتجاجاً على نتائج الانتخابات، وكرر بالفعل إنتاج الأناشيد وطبخ الطعام ونصب الخيام، لكن متظاهريه، ومعظمهم من الموظفين برواتب على ملاك "الحشد"، انسحبوا فور انتهاء "الواجب".

الفصائل تعتقد أنها فرصة
اليوم، ثمّة محاولة جديدة مبنية على معطيات عدة:
إن الفصائل تمكنت بالفعل، وعبر أكثر من 30 عملية اغتيال محققة، من تصفية جيل كامل من المناهضين للنفوذ الإيراني وسلطة السلاح، من بينهم أحمد عبدالصمد وحسين عادل وسارة طالب وريهام يعقوب وتحسين الشحماني في البصرة، أمجد الدهامات وعبدالقدوس قاسم وكرار عادل وجاسب الهليجي في ميسان، أزهر الشمري وسجاد العراقي وقائمة طويلة من ضحايا الاغتيالات وتفجير المنازل في ذي قار، هشام الهاشمي وصلاح العراقي في بغداد، فاهم الطائي وإيهاب الوزني في كربلاء. وكل عملية اغتيال كانت تتسبب بانكفاء أو هجرة دائرة واسعة من محيطي الضحية بشكل موقت.
 
تسبب إغلاق السلطات ملف كشف القتلة، بيأس الصامتين أو المغادرين، الذين شعروا بأن عودتهم إلى النشاط أو حتى إلا البلاد أصبحت مسألة تحتاج إعادة نظر. ولذا فإن جيلاً كاملاً من الغضب تم سحقه بالرصاص أو الإرهاب أو اليأس. 
 
تعتقد الفصائل أن الفرصة باتت مواتية لدعم جيل جديد من النشطاء الميدانيين، بالترغيب أو الترهيب، أو استغلال حداثة عهدهم بالحراك، أخذاً بالاعتبار، أن ماكينات الإيرانيين راكمت خبرات عناصرها ومواليها، واستفادت من المنضمين الجدد، بينما سيكون على المحتجين البدء من الصفر، بعدما تم سحق أبرز مُلهميهم ومُفكريهم.

تُقدّر موازنة الإعلام "الحشدي" المروّج للأجندة الإيرانية، بالمليارات، وقد ولجت الفصائل بالفعل إلى قوائم بعض التظاهرات الأخيرة، وشطبت مطالب محرجة، على رأسها "كشف القتلة ومحاسبتهم"، ودسّت مطالب أخرى، كما شارك نواب من جماعات مسلحة معروفة خسرت الانتخابات، في تظاهرات خدمية، وأوقف الإعلام الحشدي حملات شيطنة التظاهر.
 
تنشأ علاقة تدريجية بين نشطاء يريدون الاحتفاظ بمجد المنصات من دون نطق شيء يقودهم إلى مصير أسلافهم، وهو ما يدفع أولئك النشطاء إلى "استوكهولمية" مُريحة.
 
ويُمكن تلمّس العرض الإيراني للمتظاهرين عبر صفقة بسيطة "نفتح لكم خزائننا وإعلامنا... وتشطبون مطلب محاكمة القتلة".
 
خلال وقفة في ذكرى اغتيال إيهاب الوزني وسط كربلاء قبل أيام، هتف أحد "المتظاهرين" من النسخة المعدلة "حشدياً"، مُقدماً الشكر للمحافظ المتهم بالتستر على قتلة صاحب الذكرى، بدعوى أن المحافظ سهّل دخول سيارات بعض المتظاهرين. 
 
"لقد تستّر على قتل وتعذيب زملائنا لكنه كان لطيفاً... أنظروا كيف سمح لسياراتنا بالمرور".

تجارب "الذكاء" الولائي
يستهلك أتباع "الولي الفقيه" في العواصم الأربع كميات كبيرة من "الانتصارات" حتى حين يتلقون الضربات المجتمعية واحدةً تلو الأخرى، ولا شيء يوازي هوسهم بـ"الانتصارات" مثل إصرارهم على أن الخلطة الدموية والتذاكي هما الطريق الوحيد للتقدم.
 
وربما يعتقد أصحاب فكرة غمر التظاهرات بالأجندة الإيرانية، أنهم بصدد تحقيق نصر آخر، تماماً كما كان يعتقد مؤسسو "الحشد المدني".
 
لكن، إنْ كان بين المتظاهرين قليلو خبرة، سيتعلمون، أو كان بينهم متعاقدون مع الفصائل، سيُكشفون، أو كان بينهم "استوكهولميون"... سيساعدهم أقرانهم على الشفاء، فجميع تجارب المعسكر الولائي في العبور فوق الجرائم لم تسفر عن شيء، ولا دليل على أن ثمة جديداً في المناورة الحالية.
 
قاد "ذكاء" قيس الخزعلي وأمثاله إلى إطلاق رصاصة قتل محمد حبيب الساعدي، مطلع تشرين الأول (أكتوبر) 2019، ثم فقد مسلحو إيران السيطرة على نيرانهم حتى لحظة مقتل إيهاب الوزني في أيار (مايو) 2021، من دون أي حاجة ميدانية أو سياسية أو حتى براغماتية لتلك الجرائم، ثم سالت دماء الفتى وزملائه، وأغرقت المتذاكين الأثرى والأكثر دموية في العراق بأكبر خسارة انتخابية وفقد الخزعلي ورفاقه وزاراتهم، أما الجهود "الحشدية" الجديدة للهيمنة على التظاهرات، فلا تُظهر سوى عجز تلك الجماعات عن اتخاذ قرارات المراجعة الجريئة والتصحيح، وفشلها بفهم الفرق بين التقدم، والهروب إلى الأمام من قدرٍ محتوم، مكتوب في لوح تاريخ الشعوب ومستقبلها .

الأكثر قراءة

لبنان 5/18/2026 12:00:00 AM
تحدثت معلومات ديبلوماسية عن أنّ لبنان تبلّغ عبر سفارته في واشنطن طرحاً يرتبط بمساعٍٍ لتحقيق وقف تام وشامل لإطلاق النار خلال 24 إلى 48 ساعة من منتصف ليل السبت - الأحد بين "حزب الله" وإسرائيل...
مجتمع 5/18/2026 8:51:00 AM
حضرت القوى الأمنية والأدلة الجنائية إلى المكان للتحقيق
مجتمع 5/18/2026 10:32:00 AM
البطريرك المزعوم جان عبود هو كاهن روم كاثوليك سابق تابع لأبرشية طرابلس، كان قد تم توقيفه من الخدمة الكهنوتية وفُرضت عليه العقوبات الكنسية.