22-02-2023 | 07:19

مخاطر خفض التّصعيد

سررت بمشاركتي هذا الأسبوع وزملائي في ورشة عمل صغيرة خاصة في واشنطن، برعاية الحكومة السويسرية. وكان موضوع المناقشة يتماشى مع الوضع في سويسرا: خفض التصعيد في الشرق الأوسط. وعززت سويسرا خفض التصعيد والحوار والوساطة في سياستها الخارجية لعقود. وتحدد هذه المفاهيم، إلى جانب الحياد، الثقافة والهوية السويسرية في الشؤون الخارجية.
مخاطر خفض التّصعيد
Smaller Bigger

سررت بالمشاركة وزملائي الأسبوع الماضي في ورشة عمل صغيرة خاصة في واشنطن، برعاية حكومة أوروبية. وكان موضوع النقاش خفض التصعيد في الشرق الأوسط.

 
طُرحَت خلال الاجتماع نقاطٌ ممتازة حول المزايا العامة والمقاربات المختلفة لخفض التصعيد. وأدار النقاش مسؤول أوروبي بارز يشرف على شؤون الشرق الأوسط. وطرح أسئلة حول اليمن والنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني وإيران. ولفت انتباهي سؤال واحد خاصة: "ما هي مخاطر السعي إلى خفض التصعيد؟".

 

رفعت يدي، وسرعان ما حبست مداخلتي الأنفاس.

 

بدأت بالقول إنني أؤمن بشدة بمفهوم الحد من التسلح وممارسته، والتصعيد جزء منه. وأهتم بالحد من التسلح، الذي أعتبره، بصفتي شخصاً واقعياً، أداة عملية وواقعية في فن الحكم. ولا يفرض الحد من التسلح نفسه حلاً للنزاعات السياسية، ولكن يسهم في إنقاذ الأرواح والخفض من حدة النزاع. وكان الحد من التسلح، كما فهمه وحلله رائدون في المجال، منهم الاقتصادي الأميركي توماس شيلينغ والاستراتيجي برنارد برودي، ضرورياً خلال الحرب الباردة لتجنب حرب نووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. وكان أمل القوى العظمى في حل خلافاتهم الأساسية في السياسة والأيديولوجيا ضئيلاً أو حتى معدوماً، لذلك كان أقصى ما يمكنهم تحقيقه هو إدارة المنافسة وضمان استقرارها.

 

لكن هذه كانت الحرب الباردة. أخبرت المسؤول الأوروبي أنه في سياقات أخرى، لا يعتبر خفض التصعيد غير كاف فحسب، بل قد يأتي بنتائج عكسية. أعطيته ثلاثة أمثلة لتوضيح وجهة نظري.

 

المثال الأول هو اليمن. ذكّرت صديقنا الأوروبي بأن عام 2018، كانت القوات الإماراتية تحقق تقدماً هائلاً ضد المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران. وفي صيف ذلك العام، كان الحوثيون على وشك الانهيار واقتربت الإمارات جداً من إضعافهم إلى حد بعيد من خلال قطع خطوط إمدادهم. ولو حدث ذلك، لكان الحوثيون مرغمين على الجلوس حول طاولة المفاوضات والتوصل إلى حل وسط. لكن واشنطن تدخلت ودعت مع الأمم المتحدة إلى وقف الحملة العسكرية الإماراتية ضد مدينة الحديدة الساحلية الخاضعة لسيطرة الحوثيين. وكان ذلك تحت عنوان خفض التصعيد ومنع وقوع كارثة إنسانية (الحديدة شريان حياة لملايين اليمنيين). وللحفاظ على العلاقات مع واشنطن، وافقت أبو ظبي على المطالب الأميركية. وبعد أربع سنوات، لا يزال النزاع في اليمن قائماً، وقتل المزيد من اليمنيين أو ماتوا جوعاً. إلى ذلك، زاد تعنت الحوثيين وشعروا بالجرأة بسبب خروج الإمارات العسكري عام 2019، وعجز المملكة العربية السعودية عن إنهاء الحرب.

 

المثال الثاني هو سوريا، وهي أكثر مأسوية. خلال الحرب السورية، ركزت الدبلوماسية الدولية على الاحتواء من دون محاولة معالجة الأسباب الجذرية للنزاع، وهي سلوك نظام الرئيس السوري بشار الأسد. ومرة أخرى، باسم خفض التصعيد، توصلت واشنطن وموسكو إلى اتفاقيات مختلفة، إحداها عام 2013، لإزالة ترسانة سوريا من الأسلحة الكيميائية. وما دام الأسد لم يستخدم الغاز ضد مواطنيه، يمكنه قتلهم بحرية بأسلحة تقليدية. وهذا بالضبط ما فعله لسنوات باستخدام الصواريخ والبراميل المتفجرة. واليوم، آلة القتل للحكومة السورية مستمرة، وانتصر الأسد في الحرب، بينما تتوسع المعاناة الإنسانية في سوريا لتمتد إلى الدول المجاورة.

 

أما المثال الثالث، فهو المناطق الفلسطينية. ومنذ اتفاقات أوسلو عام 1993 حتى اليوم، تجاهلت الدبلوماسية الدولية الواقع الأساسي للاحتلال الإسرائيلي، وشددت على وقف التصعيد كلما حاول الفلسطينيون مقاومة مضطهديهم. ولعقود، اتخذت "عملية السلام" مساراً مختلفاً، ولم تحقق أي تقدم في ما يتعلق بحل الصراع. 

 

تُظهر هذه الأمثلة، وغيرها في المنطقة وأماكن أخرى، أن السعي وراء خفض التصعيد كغاية في حد ذاته قد يضر بقضية السلام الحقيقي. وللتوضيح، أنا لا أفترض أن التصعيد هو الحل أيضاً. فقد نجحت زيادة القوات الأميركية في العراق عام 2007، وهي طريقة للتصعيد بحد ذاتها، في هزيمة تنظيم "القاعدة" في العراق وإنشاء مساحة سياسية للعراقيين لحل خلافاتهم. لكن في النهاية، لم يكن ذلك كافياً لأن العراقيين فشلوا في تصحيح سياساتهم.

 

والحجة التي قدمتها للمسؤول الأوروبي هي أن اتباع خفض التصعيد كوسيلة لتحقيق غاية محددة قد يكون مفيداً وضرورياً إلى حد بعيد. ومن الصعب التفاوض في ظل استمرار إطلاق النار وسقوط الضحايا. لكن في بعض الأحيان، تلك الرصاصات التي تطلق هي التي قد تؤدي إلى تسوية سياسية، ولو موَقتة. ومقولة "لا حل عسكرياً لأي صراع" هي مجرد خرافة.

 

وعندما تؤكد حكومة أوروبية أو أي حكومة غربية، على وقف التصعيد من دون بذل أي جهد حقيقي لمساعدة الأطراف المتنازعين على التوصل إلى حل سياسي، فهي تتهرب من حل المشكلة من أجل الحفاظ على استقرار زائف. وإذا لم تتأثر المصالح المباشرة للحكومات الغربية، ولم يتدفق اللاجئون بأعداد كبيرة إلى المدن الأوروبية، فإن الحاجة الملحة إلى حل سياسي تتلاشى.

 

والمقلق بشأن خفض التصعيد هو أن هذه الإجراءات لا تترافق مع الإدراك اللازم ولا تفرق بين ضحية ومعتدٍ. وهي تولي أهمية محدودة لتحديد الجهة المسؤولة عن القتل والظلم، ما دام قد تم احتواء العنف واستعادة "الاستقرار".

 

أقول هذا مدركاً تماماً أن الجهات المتنازعة هي التي يقع على عاتقها مسؤولية حل نزاعاتها والتوصل إلى تسوية. ولو لم يكن الرئيس المصري الراحل أنور السادات يرغب في تحقيق سلام حقيقي مع إسرائيل، لما كانت الوساطة الأميركية لتحدث فرقاً.

 

مع ذلك، على الدبلوماسية الغربية ألا تعطي العملية أولوية على الجوهر. وبعبارة أخرى، لا ينبغي أن تسهم، عن قصد أو غير قصد، في المزيد من الخسائر في الأرواح والمزيد من اليأس والظلم، من أجل تجنب أي تصعيد عسكري أو دبلوماسي. أتذكر القول إن "الطريق إلى الجحيم غالباً ما يكون مفروشاً بأفضل النيات". للأسف، هذه هي الحال عامة مع الدبلوماسية الغربية في الشرق الأوسط.

 

*بلال صعب، مسؤول سابق في "البنتاغون"، مشرف على المساعدات العسكرية الأميركية للشرق الأوسط، زميل أول ومدير برنامج الدفاع والأمن في معهد الشرق الأوسط في واشنطن.


الأكثر قراءة

ثقافة 4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة 4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
دوليات 4/26/2026 12:15:00 AM
جريمة صادمة في مكسيكو سيتي: مقتل ملكة جمال سابقة بـ12 رصاصة على يد حماتها