20-08-2020 | 06:56

ليبيا... الدولة الفاشلة وخطرها على الدول المغاربية

كان من المفترض أن تقود هذه الأزمة المتسارعة إلى تحرك مغاربي جماعي بالنظر لمخاطر ما يجري في ليبيا
ليبيا... الدولة الفاشلة وخطرها على الدول المغاربية
Smaller Bigger
 لا يعدّ مفهوم الدولة الفاشلة بأبعاده الفكرية والسياسية، مفهوماً جديداً للدلالة على واقع الدول في علاقتها بوظائفها الأساسية الأمنية، الاقتصادية، الاجتماعية والسياسية، فسجل التاريخ حافل بنماذج كثيرة لدول في مرحلة من مراحل تطوّرها، فقدت السيطرة الأمنية/العسكرية على كل أو جزء من ترابها الوطني، أو عجزت عن تلبية جزء أو كل من الطلب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لسكانها، هذه الوضعية إما أنها تنشأ لاعتبارات داخلية بخلفية مناطقية أو طائفية تنازع في شرعية السلطة الحاكمة أو في عدالة سياساتها على المستوى الترابي، أو أنها تنشأ بفعل عامل خارجي نتيجة للموقع الجغرافي أو الصراعات الإقليمية والدولية على المصادر الطبيعية والممرات البحرية والنهرية، وقد تجتمع هذه العوامل كلها خصوصاً عندما تصادف ضعفاً بنيوياً في طبيعة تكوين الدولة نفسها.
 
وقد مثلت دراسات كل من هيرمان وراتنر وزارتمن في بداية التسعينات من القرن الماضي، أولى الدراسات المحكمة التي استهدفت الإحاطة العلمية بمفهوم الدولة الفاشلة، وعموماً يمكن القول إنه ليس هناك اتفاق حول تحديد دقيق لتصنيف دولة ما على أنها دولة فاشلة، وإن كانت المعطيات المتعلقة بشرعية السلطة وقدرتها على احتكار العنف ودرجة الاستجابة للطلب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي تعتبر محدداً حاسماً في هذا التصنيف.
 
تمثل ليبيا إحدى ثلاث دول أكثر تقدماً في مؤشر الدولة الفاشلة سنة 2020، حسب المؤشر العالمي لقياس الدول الفاشلة FSI المعتمد من قبل صندوق السلام FFP، وذلك إلى جانب كل من الشيلي والموزمبيق، هذا المؤشر تتصدره اليمن كأكثر دولة فاشلة في العالم، وتتذيل الترتيب فيه دولة فنلندا، علماً أن ليبيا قد تصدرت دول العالم على مستوى ارتفاع المؤشر في العشرية الأخيرة بـ25.8 نقطة.
 
تشير الإحصائيات الى أن ليبيا سجلت نزوح 300 ألف ليبي منذ انهيار نظام العقيد القذافي، فما يجري اليوم في ليبيا هو بكل تأكيد جحيم لا يمكن لأي إنسان أن يقبله، ويشكل خطراً، ليس فقط على مستقبل ليبيا، بل أيضاً يمسّ الأمن الاستراتيجي للدول المغاربية وبلدان حوض المتوسط، خصوصاً بعد تصاعد الصراع في شرقه حول مصادر الطاقة، واختلاف القوى الدولية والإقليمية ذات الصلة بالنزاع في ليبيا، لاعتبارات اقتصادية وسياسية متباينة. 
 
شكلت ليبيا عشية ثورة 17 (فبراير) شباط حالة خاصة تختلف جوهرياً عن تونس ومصر، إذ إنها كانت تحمل إرثاً سياسياً وتنظيمياً خاصاً، يكفي التذكير بأنها كانت كما وصفها العقيد القذافي، أول جماهيرية في التاريخ...، فالقذافي لم يحدث دولة بالمعنى المتعارف عليه دولياً، بل إنه دمّر إرثاً مهماً خلفه الملك السنوسي، إذ كانت الملكية الليبية الناشئة تضع اللبنات الأولى لدولة مركزية حقيقية، في الوقت الذي كان الواقع يشهد على انقسام فعلي كرّسه أول دستور للبلاد سنة 1951 بين ثلاثة أقاليم رئيسية هي برقة وطرابلس وفزان، وقد تأسست المملكة في البداية باسم "المملكة الليبية المتحدة" الذي استمر العمل به حتى 26 نيسان/أبريل 1963 حين عُدّل إلى «المملكة الليبية»، وذلك بعد إلغاء النظام الاتحادي الذي كان يجمع بين الولايات الليبية الثلاث: طرابلس، برقة وفزان، وكانت مدينة البيضاء كعاصمة لها، غير أن هذا الإلغاء لم يلغِ واقع الحساسيات الإقليمية بين شرق ليبيا وغربها عبر مركزين رئيسيين هما بنغازي وطرابلس، وليس صدفة أن هذه الثنائية هي التي تغذّي الصراع إلى اليوم. 
 
لم يؤسس العقيد القذافي جيشاً نظامياً بعقيدة واضحة تتمحور حول الدولة الليبية، بل أحدث مجموعات من الميليشيات الموزعة بين أبنائه والمقربين منه، كان العقيد بذلك يسعى لتأمين قبضته خوفاً من انقلاب عسكري، وجعل عقيدة تلك الميليشيات متمحورة حول شخصه وحول أتباعه.
القذافي رفع شعار "من تحزّب خان"، فقضى على كل تعابير دولة متحضّرة، ودفع النّخب الليبية إلى منافي العالم، والذين بقوا في ليبيا، إما تم إعدامهم أو انخرطوا في نظامه طمعاً أو تَقية، كما ساهم في تشتيت القبائل الليبية، وهي الوحدة الاجتماعية الرئيسية في البلاد التي حافظت على وجودها في زمن ما سُمّي بالجماهيرية، بعدما قضى على كل إمكانية لبروز مؤسسات الوساطة من أحزاب ونقابات ومجتمع مدني، وعزل الشعب الليبي في "دولة" كانت أقرب إلى غيتو وسجن كبير.
 
لقد اغتصب القذافي السلطة وأنهى ملكية وحدة الشعب الليبي الموزع على القبائل والعشائر، كانت تسير بخطى حثيثة على درب الديمقراطية لم يسجل عليها أي إساءة أو خيانة للشعب الليبي، ولم تمضِ في الحكم سوى فترة قصيرة حيث كان الملك إدريس هو الملك الأول والأخير في تاريخ ليبيا، كما ألغى القذافي دستور المملكة الذي كان متقدماً في زمانه، وكان يمكن أن يوفر تربة خصبة لتطور ديمقراطي حقيقي، بجانب ثروة نفطية هائلة وعدد محدود من السكان مع موقع جغرافي في قلب الضفة الجنوبية للمتوسط، ومئات المواقع السياحية التاريخية التي قام بإبادتها.
 
ليبيا اليوم تدخل المنعطف النهائي كدولة فاشلة، لكنها تقدّم لنا دروساً عن كيف يمكن أن يتم اقتياد الجماهير بشعارات كبيرة وخطب رنانة... لتكون ضد مصالحها ومستقبلها، وأن تقبل أو ترضخ سنوات لحكم مجنون وهي تعتقد أنها تتحرر. اليوم ليبيا بنخب ضعيفة في الداخل ونخب معزولة لسنوات عن الواقع الليبي، عادت منقسمة على نفسها بولاءات مختلفة للخارج في ظروف دقيقة تواجه أسئلة مصيرية عدة، منها: كيف يمكن بناء ليبيا موحدة من جديد بعد نظام مجنون أنشأه القذافي؟ وكيف يمكن أن يتم تأهيل شعب بكامله تعرّض لغسيل دماغ على مدى 42 سنة كاملة، وتهيئته للديموقراطية والمنافسة الانتخابية الحرة؟ كيف يمكن أن تسهم القبائل في وضع لبنات دولة المؤسسات ولبنات المدنية التي بدونها لا يمكن بناء دولة ديمقراطية؟ وكيف يمكن للقوى الدولية ذات المصالح المتناقضة أن تنجح في القيام بمسؤوليتها الأخلاقية والسياسية مع تأمين تدفق النفط، من دون أن يكون تدفق النفط على حساب تدفق دماء الشعب الليبي، أو أن تتحوّل ليبيا إلى صومال أو يمن جديدة؟
 
إن الأزمة الليبية تشهد تحولات متسارعة بعد فشل الجنرال المتقاعد خليفة حفتر في دخول العاصمة طرابلس بعد حوالي سنة من محاصرتها، هذا الفشل يعتبر ثمرة مباشرة للتحالف بين حكومة الوفاق في طرابلس وتركيا، إذ فرض الدعم العسكري النوعي التركي، إعادة ترتيب موازين القوى العسكرية بين أطراف النزاع، هذا التحوّل قد لا يكون دليلاً على قدرة حكومة الوفاق على فرض حل عسكري لإنهاء الوضع القائم، لكنه يشير الى انطلاق فصل جديد من فصول عدم الاستقرار في ليبيا. 

 

الأزمة المتصاعدة في ليبيا تكشف تموقعاً جديداً لتركيا في الضفة الجنوبية للمتوسط، الدولة العثمانية التي غادرت ليبيا بموجب معاهدة أوجي سنة 1912 تعود اليوم بقوة بشكل يجعل من ليبيا مجالاً لصراع دولي يتجاوز أطراف النزاع التي أفرزتها ثورة 17 شباط (فبراير)، هذه الثورة التي أسقطت العقيد معمر القذافي بدعم مباشر من حلف الناتو، تجد نفسها اليوم وسط غياب الدولة ومؤسساتها وتقاليدها كما كرّسها حكم العقيد القذافي على مدى أربعين سنة، علماً أن ليبيا عرفت أول جمهورية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وذلك منذ 1918، وكانت تملك في بداية الخمسينات واحداً من أفضل الدساتير. 
 
كان من المفترض أن تقود هذه الأزمة المتسارعة إلى تحرك مغاربي جماعي بالنظر لمخاطر ما يجري في ليبيا، على أمنها الاستراتيجي وعلى الأمن بصفة عامة في منطقة الساحل والصحراء، حيث تستقر جماعات متطرفة، من داعش إلى جماعة بوكو حرام، وكيف يمكن لهذه الجماعات أن تستثمر الوضعية الحالية، فهل تستطيع دول المنطقة الانتصار على خلافاتها والحد من الخسائر المحتملة التي ستشملها بنسب مختلفة في حال تحوّل ليبيا بصورة كاملة إلى دولة فاشلة؟ أم أن القطيعة بينها، وخصوصاً بين المغرب والجزائر، قد تساهم في جعل ليبيا لقمة سائغة لصراعات مختلف المحاور الدولية والإقليمية تستمر لسنوات مقبلة؟

الأكثر قراءة

الخليج العربي 10/20/2026 3:10:00 PM
استأنف مطار الملك خالد الدولي عمله، فيما حدّثت شركات طيران دولية مواعيد رحلاتها إلى وجهات سعودية، وأعادت الخطوط الماليزية تشغيل رحلات جدة والمدينة المنورة.
كتاب النهار 10/21/2026 3:55:00 PM
لمجرّد أنه كاهن، غابت عن وسائل التواصل الاجتماعي عبارات الرحمة وترددت كثيراً عبارة "الحمدلله على نعمة الإسلام"
لبنان 10/19/2026 12:33:00 PM
ما هي القضية؟ إلى أي عام تعود؟ وما هي حيثياتها؟