20-05-2021 | 06:30

التّصدي للعنف ضد المرأة يبدأ من العقليّات

رغم إصدارها منذ الاستقلال العديد من التشريعات التي تعتبر رائدة إقليميا على صعيد ضمان حقوق المرأة، لا تزال تونس تعيش من حين الى آخر أحداثا تذكرها بأن الطريق لا تزال طويلة أمامها نحو ترسيخ المساواة الفعلية بين الرجل والمرأة.
التّصدي للعنف ضد المرأة يبدأ من العقليّات
Smaller Bigger
برغم إصدارها منذ الاستقلال العديد من التشريعات التي تعتبر رائدة إقليمياً على صعيد ضمان حقوق المرأة، لا تزال تونس تعيش من حين الى آخر حوادثَ تذكّرها بأن الطريق لا تزال طويلة أمامها نحو ترسيخ المساواة الفعلية بين الرجل والمرأة. 

آخر هذه الحوادث كان إقدام رجل أمن في مدينة الكاف الداخلية على قتل زوجته البالغة من العمر 26 عاماً في مطلع شهر أيار (مايو) بخمس رصاصات.

أثار مقتل المرأة صدمة كبيرة في المجتمع، وتولّدت عنه حملة احتجاجية واسعة النطاق. من أسباب ردود الفعل الغاضبة كون الضحية تقدمت قبل مقتلها بيومين بشكوى بعد تعرّضها للعنف من زوجها، ولكن وكيل الدولة العام في المحافظة ارتأى إطلاق سراح المتّهم بعد إسقاط الضحية حقها في التتبع. 

تهاطلت التهم على المؤسسات القضائية والأمنية وبقية السلطات، متّهمة إياها "بالتواطؤ" مع المتّهم لأنه رجل ولأنه رجل أمن. 
وقالت جمعية النساء الديموقراطيات، وهي من أقدم المنظمات النسوية في البلاد، إن رفقة الشارني (وهو اسم القتيلة) كانت "ضحية منظومة مؤسساتية ومجتمعية لطالما تهاونت مع العنف الذي يطال النساء ويقتلهن". 

نحو ستين منظمة غير حكومية تونسية وأجنبية وجّهت اللوم مباشرة للدولة على عدم إرسائها الأسس اللازمة لوضع النصوص التشريعية موضع التنفيذ من أجل حماية المرأة من غول العنف، ومن بينها بالذات القانون الرقم 58 الصادر سنة 2017 بهدف مقاومة العنف المسلّط على المرأة بكل أشكاله.

قالت المنظمات غير الحكومية في بيان أصدرته عقب الحادثة: "أربع سنوات مضت منذ دخول القانون حيّز النفاذ… أربع سنوات مضت وأربع أخرى قد تمضي والعنف متجذر، متواصل، متصاعد إذا ما واصلت الدولة إشاحة بصرها عن الأسباب الحقيقية للعنف المسلّط على النساء".

 وعكس انتشار وسم #أنا_الضحية_القادمة عبر المنصات الاجتماعية توجساً لدى الكثير من الناشطات التونسيات من أن الظاهرة التي تفاقمت خلال الأشهر الأخيرة لن تتوقف قريباً. 

مشكلة العنف الأسري الذي يطال خصوصاً المرأة، كانت ولا تزال مصدر انشغال في المجتمع التونسي، بخاصة بعد تفاقم مظاهرها إثر إجراءات الغلق ومنع التجول، إضافة لتزايد نسبة الفقر والبطالة التي رافقت انتشار جائحة كورونا.

بحسب مقياس الباروميتر العربي، فإن 75%من النساء و62% من الرجال في تونس يقولون إن العنف ضد المرأة زاد خلال فترة الجائحة.

وزارة شؤون المرأة نفسها استنكرت "بشدة ارتفاع منسوب العنف المنزلي المبني على النوع الاجتماعي في تونس في الآونة الأخيرة، لا سيما أثناء الجائحة وخلال شهر رمضان". 

أن يستهدف أي رجل المرأة، سواء أكانت قريبته أم غريبة عنه بالعنف، فذلك جرم وضيم لا مبرر له في أي زمان أو مكان. لكن أن يستهدفها بتعلة الظروف الخاصة التي تحفّ بشهر رمضان أو في خضم الجائحة فذلك أكثر ظلماً وحيفاً. 

فالمرأة في تونس، وفي عدد كبير من المجتمعات العربية الأخرى، تتحمل العبء الأكبر من تبعات مجابهة كورونا على الأسرة، من حيث السهر على تربية الأطفال في ظروف الجائحة التي خلقت أوضاعاً شبه مستحيلة، بخاصة بالنسبة الى العائلات المعوزة وتلك التي تعاني ظروف سكن عسيرة. 

خارج البيت تواصل المرأة عملها من دون ميزة على الرجل. بل هي تمثل غالبية "الجيش الأبيض" المرابط في الصفوف الأمامية من الكوادر الصحية التي تؤمّن العلاج والتلقيحات للمواطنين.

قد لا يكون هناك أي تهاون مباشر من المؤسسات القائمة في تونس وراء العنف. ولكن الظاهرة تطرح تساؤلات حول المكانة الفعلية للمرأة في المجتمع، بغض النظر عما تحقق على صعيد التشريعات. تطوّرت العقليات كثيراً منذ الاستقلال، بل إنه يمكن القول إنها واكبت الإصلاحات التي أُقرّت على المستوى القانوني منذ عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة في مجالات عدة، مثل منع تعدد الزوجات وتقنين الطلاق والحق في التعليم. كما ساهم نظام الاشتراك في الملكية عند الزواج الذي يعود الى عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في تقليص منسوب الخلافات الزوجية. واستطاعت المرأة عمزماً أن تنافس الرجل باستحقاق وندية في الدراسة والشغل والحياة العامة على أساس المساواة في الحقوق. 

لكن لا بدّ من الإقرار بأن هناك اختلافات في الرؤى حول حقوق المرأة، وإن كان لا جدال حول جوهرها. هناك تيارات ماضوية غائصة في الذكورية ما زالت لم تستوعب تماماً مفهوم المساواة في الحقوق أو تقدم قراءة ضيقة وانتقائية لهذا المفهوم، وكأنما تمتع المرأة بحقوقها كاملة تهديد لمكانة الرجل.

هناك أيضاً انقسامات أيديولوجية تجعل البعض يرى في المطالبات النسوية انعكاساً لفكر غربي لا ترجمةً أمينة لطموحات المرأة التونسية. ويرى آخرون أن فيها انحيازاً لرؤى "بورجوازية" لا تأخذ بعين الاعتبار التحديات التي تواجهها المرأة الكادحة في المصانع والمزارع. 

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تكون النظرة في كثير من الحالات منشطرة بخصوص حق المرأة في المساواة، فإن كان 78% من التونسيين والتونسيات مع المساواة بين الجنسين في التعليم، فإنهم بحسب الباروميتر العربي أقل حماسة لمثل هذه المساواة، إن كان الأمر مرتبطاً باعتبارات دينية أو بتقاليد مجتمعية راسخة. وثمة 72% من التونسيين ضد المساواة في الإرث، وهي مسألة حساسة باعتبار ارتباطها مباشرة بالدين والقراءة السائدة للنص القرآني.

ولم يستطع الرؤساء الراحلون الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي والباجي قايد السبسي تغيير أي شيء بهذا الخصوص، وإن كان قايد السبسي حاول ولم ينجح.

بكل تأكيد هناك ضمانات ضد تعرض المرأة للعنف يكفلها القانون للمرأة، وبالذات قانون الرقم 58. ولكن الآليات التي كان يجب أن توفرها الدولة لضمان حماية المرأة والمساءلة القانونية للمذنبين لم تتوفر كلها أمام ضبابية الرؤية السياسية وتشتت الأولويات خلال السنوات الماضية، وغياب الاستقرار الحكومي. 

ولا تزال هناك حاجة إلى تحديد خطط عملية تواكب مقتضيات هذا القانون الذي يقدم قراءة واسعة وطموحة من أجل التصدي للكثير من الممارسات المجتمعية التي يغضّ عنها الكثيرون الطرف، لعدم أخذهم كلَّ الخروقات (بخاصة منها العنف غير الجسدي) مأخذ الجد أو لقلة الإمكانيات.

فالقانون يعرّف العنف ضد المرأة بأنه "كل اعتداء مادي أو معنوي أو جنسي أو اقتصادي ضد المرأة، أساسه التمييز بسبب الجنس، والذي يتسبب بإيذاء أو ألم جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي للمرأة، ويشمل أيضاً التهديد بهذا الاعتداء أو الضغط أو الحرمان من الحقوق والحريات، سواء في الحياة العامة أو الخاصة". 

يجرّم القانون، ليس فقط العنف الجسدي، بل أيضاً الإضرار بالحقوق الاقتصادية أو ممارسة الضغوط النفسية بما يشمل المضايقة والتحرش والتهديد. 

ولكن القوانين وحدها لا يمكن أن تحدد مدى مواءمة المجتمع للتشريعات، أو أن تكبح ما تسميه الحركة النسوية "طغيان المفاهيم الذكورية" على السلوكيات في المجتمع التونسي.

والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية يشرف عليها أشخاص هم نتاج للمجتمع وعقلياته السائدة. ولا تغيب مظاهر العنف اللفظي والجسدي ضد المرأة عن ممارسات النخبة السياسية، ومن بينها تلك الجالسة في البرلمان. 

وتظهر أرقام الباروميتر العربي مثلاً أن غالبية التونسيين يرون أنه "يجب أن يكون للرجل القرار الأخير في الشؤون الأسرية".

وانطلاقاً من هذه العقلية، هناك تمييز مجتمعي غير معلن ضد المرأة في الشغل والراتب، برغم أنها تتفوق على الرجل في معظم الأحيان من حيث نسب النجاح والتخرج في الجامعة.

ومن مظاهر هذا التمييز أن تبقى نسبة البطالة لدى متخرّجات الجامعات أكثر ارتفاعاً منها لدى أقرانهن من الرجال، أو تنال المرأة راتباً أقل من زميلها في العمل. 

وهذا التمييز ينبني على مواقف مجتمعية منتشرة (تشترك في بعضها المرأة نفسها)، وترى أن للرجل أولوية في الشغل بوصفه العائل الأول للأسرة.

والعقليات التي تسوّغ المبررات للتمييز ضد المرأة هي ذاتها التي تخلق الأوهام الذكورية بشرعية الانتقاص من مكانة المرأة، وتقلل من خطورة الاعتداء على حقوقها.

وإذا كان القانون قد وضع الصورة في إطارها الصحيح، فإن هذه الصورة لم ترسخ بعدُ في أذهان الجميع، إذ ما زال هناك من لم يقتنع بعدُ بأن في التمييز كما في العنف ما قتل. 

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 10/19/2026 9:42:00 AM
انتشرت مشاهد مصوّرة صادمة للحادثة على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي الأحد، وتناقلتها العديد من وسائل الإعلام.
لبنان 10/19/2026 5:45:00 AM
"حزب الله"على بينة من أن الأميركي ومعه قسم من السلطة يجدون الفرصة مؤاتية ليكون ضبط الشاحنة والتحفظ عليها مقدمة لسوق قيادة الحزب أو بعضها إلى القضاء من خلال تجريمها بعد تجريم سلاحه.
لبنان 10/19/2026 12:33:00 PM
ما هي القضية؟ إلى أي عام تعود؟ وما هي حيثياتها؟