17-07-2022 | 17:10

العراق في جدة كما عبّر عنه السيسي لا الكاظمي

​ السيسي قال إن "الميليشيات المدعومة من قوى خارجية ترفع السلاح لأهداف سياسية وتعيق إنفاذ إرادة الشعوب" وهي الترجمة الفعلية لما سيحصل في اليوم التالي لقرار الدول المجتمعة في جدة مثلاً، إرسال مديري كبريات شركاتها الاستثمارية لإعادة إعمار العراق.
العراق في جدة كما عبّر عنه السيسي لا الكاظمي
Smaller Bigger
كان لدى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الكثير ليقوله في قمة جدة للأمن والتنمية، إذ ألقى أطول كلمة بين بقية أقرانه القادة التسعة، وقد عبّر عن مقاربته المُقترحة بعبارات ملؤها الوضوح، فهو لا يعيش حالة السبات والـ "لا مِساس" التي دخلها رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي منذ أيار (مايو) 2021، لإقناع الفرقاء والفصائل بأنه جدير بثقتهم لمنحه ولاية ثانية، وأنه لن يكرر مشاغبتهم كما فعل حين اعتقل القيادي "الحشدي" قاسم مصلح بتهمة قتل المتظاهر المناوئ للفصائل إيهاب الوزني. 
 
ورغم محاولات الحكومة تطبيع وضع العراق وإظهاره دولةً كاملة السيادة ومؤهلة لإبرام الشراكات، إلا أن ما جاء على لسان ولي العهد الكويتي مشعل الصباح كان أقرب إلى الراهن، حين ضم العراق إلى اليمن وسوريا وليبيا ولبنان وأفغانستان ضمن قائمة "دول الأوضاع المأساوية"، فالعراق لا يزال "القضية العراقية" منذ 3 عقود، مهما حاول قادته التظاهر بأنه دولة طبيعية وليس "قضية".
 
الكويتيون يعرفون ذلك، وهم ما زالوا حائرين بمليارات مؤتمر الكويت لإعمار العراق، ولا يجدون طريقة لإنفاقها في ما جُمعت لأجله، من دون أن تصل إلى جيوب الميليشيات.
لمز أمير قطر تميم آل ثاني أيضاً الى العراق ولبنان حين نبّه إلى ضرورة التمييز بين الشراكة ومحاصصة الدولة واغتنامها، بينما كان الكاظمي يستمع إلى عبارات "زملائه" القادة التي ليس لها سوى صدى واحد: "بلادك ليست مؤهلة بعد للجلوس إلى موائد التفاهمات الدولية".
 
السيسي قال إن "الميليشيات المدعومة من قوى خارجية ترفع السلاح لأهداف سياسية وتعيق إنفاذ إرادة الشعوب" وهي الترجمة الفعلية لما سيحصل في اليوم التالي لقرار الدول المجتمعة في جدة مثلاً، إرسال مديري كبريات شركاتها الاستثمارية لإعادة إعمار العراق.
 
لن تجد الشركات المُتخيلة في استقبالها شعباً توّاقاً لانتشال بلاده من الخراب، بل مجموعة مسلحين يضعون صور مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي على صدورهم، وشعارات هيئة "الحشد الشعبي" على مركباتهم المزوّدة بالـ "دوشكا" وهم يطالبون المستثمرين بدفع نصيب من مبالغ العقود "كاش" أو المغادرة والكف عن محاولة "استعمار العراق اقتصادياً لمصلحة الشيطانين الأكبر والأصغر".
 
وقد ينتهي الأمر بالموظفين الأجانب مُختطفين في قطاعٍ ما، داخل مدينة الصدر أو شارع فلسطين أو التاجي أو معبئين في صندوق سيارة أحد "الحجاج" في البصرة، وهو يتجه بهم إلى عنوان وكر "يعرفه وأنا أعرفه وجماهير الأمة تعرفه" ورؤساء الحكومات كما يعرفون عناوين مكاتبهم.
 
لكن أي رئيس الوزراء سيقول في العلن إن منع هؤلاء من العبث بمستقبل البلاد سيقود إلى "حرب أهلية"، وهو يقصد إن ذلك سيهدد مساعيه للبقاء في المناصب.

طوّر السوق العراقي تقنيات للتعايش، وينقسم الاستثمار في العراق حالياً بين شركات تدفع "للمقاومة"، وتخصم قيمة مدفوعاتها من حساب جودة مشاريعها، وأخرى تملكها "المقاومة" أصلاً، تستولي على المشاريع بمناقصات وهمية، لكن ما الذي يضطر شركات عالمية لمكابدة هذه الظروف من أجل عيون "تنمية العراق".
 
حذر السيسي من الميليشيات، ودعا إلى بناء موقف موحد ضدها، وهو إذ يشير على الأغلب نحو جارته ليبيا، فهو يعرف أيضاً أن الميليشيات في العراق تشنّ منذ سنوات أعنف حملة لمنع الاستثمارات العربية وابتزازها، لا سيما المصرية، بصرف النظر عن الجدل العراقي الداخلي حول جدوى استقطاب الشركات العربية وليس الأوروبية، لأنه جدل مُترفين حالمين، يتوهمون أنهم بصدد الاختيار من "فاترينة" شركات العالم، بينما تقطع الميليشيات -في الحقيقة- الطريق حتى على الشركات العراقية إن هي لم تدفع أتاوة الفقيه.
 
جدير بالذكر أن حكومة العراق أرسلت أحد كبار قادة الميليشيات إلى مصر صيف العام 2020 بدعوى التدريب لدى الجيش المصري، وقد اعتبر محللون في حينه أن ذلك كان جزءاً من "خطة الكاظمي السرية!" لتعديل توجهات "الحشد الشعبي" وسحبها من الولاء لإيران، لكن تلك التحليلات اعتمدت على مبالغات مبكرة بشأن ما في جعبة الكاظمي، ولم يعد لها سوق.

بقيت مصر طيلة عقود معقلاً لتصدير فكرة الأمة العربية العابرة للحدود، لكن تشديد السيسي في جدة على "تعزيز دور الدولة الوطنية ذات الهوية الجامعة" يمثل أولاً فهماً لأهمية الانطلاق من الدول نحو بناء التحالفات، وليس الاستغراق في أحلام خرائط الإمبراطوريات. كما أنه يعبّر عن انتباه لخطورة الجماعات الدينية والطائفية من حيث أنها عابرة للحدود مثل "داعش" أو "الأخوان" أو "ولاية الفقيه".
 
في العراق، تتزامن قمة جدة مع نشر تقارير عن مؤشرات خطيرة بشأن تفشي نشر ولاية الفقيه داخل مؤسسات الدولة العراقية والجامعات وحتى المدارس، عبر تنظيمات ممولة تقنع العراقيين بمغادرة فكرة دولتهم الوطنية، والدخول تحت عباءة دولة الفقيه اللانهائية. 
 
تتفرج الحكومة على تفريخ مشاريع المسلحين الولائيين داخل مؤسساتها، رغم أن إصدار قرار بمنع النشاطات التبشيرية لن يقود إلى "الحرب الأهلية" المزعومة.

يريد المجتمعون في جدة بناء تحالف اقتصادي وسياسي يقوم على التكامل والمصالح المشتركة، وحتى الآن، ما يُمكن ضمانُ أن باستطاعة العراق تقديمه، في عهد رئيس الوزراء الحالي أو حتى المقبل، هو إرسال وفوده لحضور القمم المماثلة والاستمتاع بحفاوة الاستقبال والأحضان الملكية، أما انتظار مساهمة أكبر، فيحتاج وجود حكومة قادرة على بسط سيادتها وقراراتها على أرضها، وهو ما لا يبدو متوفراً حتى الآن.
 
وقد شاعت مقولة أن أي رئيس وزراء في العراق، إنما يسيطر فقط على المنطقة الخضراء المحصنة وسط العاصمة، أما بقية البلاد فهي تابعة لحكومة قوات "الحشد الشعبي" الموالية لإيران، لكن هذه المقولة أيضاً باتت جديرة بالمراجعة بعد تكرار اقتحام المنطقة الخضراء ذاتها بعجلات ومسلحي الفصائل.
 
وكان واضحاً أن الرئيس الأميركي جو بايدن، لا يتوقع من العراق سوى ضمان ضخ النفط وإن كان من حقول تحيطها أطلال المُدن، ويعيش حولها الناس تحت رصاص الجماعات العقائدية، فلا أحد يصرخ بوجه الكاظمي ليسأله عن مصير قاتل هشام الهاشمي، والمئات من أمثاله، كما حصل بشأن الصحافي جمال خاشقجي في الفيديو المتداول، لأن الناس هنا وفقاً للغرب وحتى صحافته، هم مجموعات بشرية ثانوية تعيش في كيان مهمته المساهمة في استقرار أسعار النفط، وضحاياهم ليسوا جديرين حتى للاستخدام في التراشق بين الحزبين الأميركيين.
 
عند طرح السعودية فكرة الاستثمار في زراعة الصحراء العراقية، قالت الميليشيات الإيرانية "لا"، فأُلغت الحكومة العراقية المشروع وأغلقت الملف بذريعة الحفاظ على المياه الجوفية، من دون خوض جولة تفاوض مع الرياض للوصول إلى صفقة أخرى ملائمة. وحين أغلق العراق الحدود بوجه المنتجات الزراعية الإيرانية لإنقاذ المنتج الوطني، سارع محافظ البصرة المقرب من "الحرس الثوري" إلى فتحها مستعيناً بالفصائل، بينما أبقت محافظات إقليم كردستان معابرها مشرعة، متجاهلة خطابات زعامات الإقليم ضد هيمنة إيران.
 
تتضخم الـ "لا" الإيرانية لتشمل أي تقدم أو استثمار أجنبي في العراق، باستثناء إنتاج النفط، الذي يوفر الدولار لطهران.

لا يعوّل سكان المنطقة في الغالب على القمم، لكن تصوّر تحالف اقتصادي بين دول قمة جدة أمر في غاية الإمكان، نظراً الى تنوّع مزايا كل دولة، باستثناء العراق، الذي لن يكون قادراً على تنفيذ أي اتفاق يبرمه بما في ذلك الاتفاقات التي تصب في مصلحته مثل الربط الكهربائي، فمطامح حكام بغداد منذ عقدين منصبة على تجديد الولاية بلا نهاية، ابتداءً من الرؤساء الأربعة (الجمهورية والبرلمان والحكومة والقضاء) ووصولاً إلى المديرين وصغار الموظفين.

لقد اضطر العراقيون بعد تظاهرات العام 2019 إلى التوجه نحو آبار النفط ومحاولة إيقاف التصدير من أجل إشعار العالم بما يجري، وقد كان بالفعل أن انتبهت المبعوثة الأممية جينين بلاسخارت في حينه واستنكرت المحاولة، وإذا ما كانت دول قمة جدة، جادة في دفع المنطقة نحو مستقبل جديد، فإن هذا يمر حُكماً بالعراق وعبر العراقيين لا ساستهم الطامحين.
 
تبني الأموال العراقية منذ عقدين مدناً بأكملها في إيران، وبات موالو "الحرس الثوري" في العراق من كبار ملاك العقارات في عواصم ومدن خليجية وعربية، وإذا كانت ثمة مهمة تصب في مصلحة كل ما قيل أثناء قمة جدة وبعدها عن أمن وتنمية، فهي بلا تردد مراقبة الدولارات العراقية ومنعها من تمويل قتلة التنمية في العراق ومؤسساتهم وشبكاتهم وإعلامهم ومسلحيهم، إنها ليست مهمة في نطاق قدرات العراقيين المستضعفين، ولا رئيس وزرائهم بخطابه المكتوب وكأن على رأسه الطير، بل هي مسؤولية القادة التسعة والعالم.
 
لا يحتاج العراقيون أكثر من إيقاف تدفق ملياراتهم نحو تمويل الفصائل ومشغلها، وبعدها، سينتج العراق حكومة تمثله، توقف نشاطات غسيل الأدمغة، وتسخر الثروة للتنمية والانفتاح على العالم، وفي حينه لن يكون العراق موضوعاً لمؤتمرات مكافحة الإرهاب أو الدول المانحة، بل سيكون مساهماً وازناً كما يليق به.
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 5/18/2026 12:00:00 AM
تحدثت معلومات ديبلوماسية عن أنّ لبنان تبلّغ عبر سفارته في واشنطن طرحاً يرتبط بمساعٍٍ لتحقيق وقف تام وشامل لإطلاق النار خلال 24 إلى 48 ساعة من منتصف ليل السبت - الأحد بين "حزب الله" وإسرائيل...
مجتمع 5/18/2026 8:51:00 AM
حضرت القوى الأمنية والأدلة الجنائية إلى المكان للتحقيق
مجتمع 5/18/2026 10:32:00 AM
البطريرك المزعوم جان عبود هو كاهن روم كاثوليك سابق تابع لأبرشية طرابلس، كان قد تم توقيفه من الخدمة الكهنوتية وفُرضت عليه العقوبات الكنسية.