18-06-2022 | 05:35

التوظيف التركي للقضية الكردية في ملف الحرب الأوكرانية

لم يكن مفاجئاً إعلان تركيا معارضتها انضمام السويد وفنلندا إلى حلف الناتو، إذ لطالما اعتادت أنقرة، في عهد الرئيس رجب طيب اردوغان، التعامل بنوع من البراغماتية، أو التشاطر، مع القضايا الدولية، لاعتقادها أنها بذلك توظف تلك القضايا في خدمة المصالح التركية، وبما يمكن من تعزيز مكانتها على الصعيدين الإقليمي والدولي، بغض النظر عن مقاربة ذلك من الناحية المبدئية، أو القيمية.
التوظيف التركي للقضية الكردية في ملف الحرب الأوكرانية
Smaller Bigger
لم يكن مفاجئاً إعلان تركيا معارضتها انضمام السويد وفنلندا إلى حلف "الناتو"، إذ لطالما اعتادت أنقرة، في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، التعامل بنوع من البراغماتية، أو التشاطر، مع القضايا الدولية، لاعتقادها أنها بذلك توظف تلك القضايا في خدمة المصالح التركية، وبما يمكن من تعزيز مكانتها على الصعيدين الإقليمي والدولي، بغض النظر عن مقاربة ذلك من الناحية المبدئية، أو القيمية.
 
في الموضوع المطروح أشهرت تركيا "الفيتو" خاصتها، في وجه سعي الدولتين المذكورتين للانضمام إلى "الناتو"، بدعوى مساندتهما "الإرهاب"، المتمثل في "حزب العمال الكردستاني" في تركيا، مع طمس تركي متعمد للتمييز بين ذلك الحزب، والحركات السياسية الكردية الأخرى، وضمنها السورية؛ وتلك هي النقطة الأولى.
 
النقطة الثانية، تتمثل في إدراك تركيا أن أهم دولة في حلف "الناتو"، وهي الولايات المتحدة، تربطها بعديد من القوى الحزبية الكردية علاقات وطيدة، وليس خافياً ذلك في الجغرافيا السورية، إذ إن قوات "قسد"، التي تعتبرها تركيا جزءاً من "حزب العمال الكردستاني"، تلقى الدعم والاحتضان من الولايات المتحدة ومعظم القوى الأوروبية الفاعلة، وتلك هي احدى نقاط التوتر، أو الخلاف بين تركيا وتلك الدول المنخرطة في "الناتو"، من دون أن تستطيع أنقرة شيئاً حيال ذلك.
 
النقطة الثالثة، يغيب عن ذهن تركيا في ذلك السجال أنها من جهتها تدعم، بطريقة أو بأخرى، "جبهة النصرة" أو "هيئة تحرير الشام"، مباشرة أو مداورة، إذ ما كان لذلك الفصيل أن يقوي نفوذه في الشمال السوري، وعلى الحدود مع تركيا، من دون دعم منها، رغم أنه يُعد من الفصائل الإرهابية وفقاً لاعتبارات المجتمع الدولي، ووفقاً لاعتبارات معظم السوريين، ومن ضمنهم المعارضة السورية.
 
مشكلة تركيا، فوق كل ما تقدم، أنها تشهر بذلك اعتراضها في ظرف دولي حرج، ناجم عن الغزو الروسي لأوكرانيا، مع التداعيات الخطيرة، التي نجمت، أو التي قد تنجم عن ذلك، والذي أشاع مخاوف كبيرة من إمكان أن تقوم روسيا بخطوة أخرى، في ما بعد أوكرانيا، في حال نجح غزوها لذلك البلد، وفي حال سمح، أو سكت، المجتمع الدولي عن ذلك الغزو، وهذا هو الدافع الرئيس لتحول فنلندا والسويد من الحياد إلى طلب عضوية "الناتو" بإلحاح شديد.
 
ومشكلة تركيا، أيضاً، أنها وجدت نفسها كأنها معنية بالاعتراض للتذكير إنها هي، أيضاً، تطلب عضوية الاتحاد الأوروبي، منذ سنوات عديدة، من دون أن يلقى طلبها أي استجابة، حتى الآن، رغم كل ما قدمته، ورغم إنها عضو في حلف "الناتو".
 
على الجبهة المقابلة، أي الكردية، فإن المشكلة الأساسية عند معظم الجماعات الكردية تتكثف في الآتي: أولاً، ضعف تمييزها بين القضية الوطنية الكردية ـ السورية، وبين القضية القومية الكردية عموماً. ثانياً، تعددية القوى الكردية، وهي تعددية سلبية، مع غياب كيان وطني جامع، ما يمكن أن ينجم عنه ارتدادات عكسية على مجتمع الأكراد، وعلى حركتهم السياسية، في سوريا والعراق وتركيا وإيران. ثالثاً، يأتي ضمن ذلك عدم تمييزها، أيضاً، بين القضية الكردية العادلة والمشروعة، وبين الموقف من تركيا في المسألة السورية، مع الأخذ في الاعتبار التحفظات الكثيرة والكبيرة على السياسة التركية المتبعة في سوريا.
 
رابعاً، بدا لافتاً للانتباه دعوة أطراف كردية النظام السوري للدفاع عن المناطق التي تسيطر عليها قوات "قسد"، في وجه أية هجمات تركية، مع مسؤولية النظام عن كل ما يجري في سوريا منذ عشرة أعوام، من دون أن يخلي ذلك، أو يخفف، من مسؤولية روسيا، أو إيران، أو تركيا، التي تشكل ثلاثي تحالف آستانة في المسألة السورية.
 
في كل الأحوال، يمكن التكهن بأن تركيا لن تبقى عند الموقف ذاته، تبعاً للتحولات أو النقلات العديدة التي حصلت سابقاً، في السياسة الخارجية التركية، وأيضاً، لأن الظرف السياسي، الدولي والإقليمي، لا يمكن أن يحتمل ممانعة من هذا النحو، وأخيراً لأن تركيا تعلم أنها في حال أصرت على موقفها، فإن الدول الأخرى، أي الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، وكل البقية، لن تقف ساكنة، بمعنى أن ذلك قد يعرّض تركيا لقيود أو صعوبات معينة في علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع تلك الدول، أكثر من ذي قبل.
 
وعلى الأرجح، فإن السويد وفنلندا، ستجدان الصيغة المناسبة لمعالجة المخاوف التركية، بالتعاون مع الدول الأخرى، لا سيما أن الدولتين المعنيتين لا تتعاطيان مع "حزب العمال الكردستاني"، وتعتبرانه منظمة إرهابية، وهذا شأن آخر.
 
وعلى الأرجح، أيضاً، فإن الرئيس التركي يحاول أن يجعل موقفه مرتبطاً بحلحلة موقف الدول الأوروبية من عضوية بلادها في الاتحاد الأوروبي، أو على الأقل، فتح المجال أمام علاقات اقتصادية أكبر، وضمن ذلك رفع القيود عن وصول الأسلحة المتطورة إليها. وهذا يذكر بأن تركيا، قبل عامين، ظلت ولأشهر عدة تعطل خطة دفاعية للحلف بشأن بولندا ودول البلطيق، مطالبة دول الحلف باتخاذ موقف ضد "قسد"، وفي حينه، أي بعد أشهر عدة من الممانعة، تراجع رجب طيب أردوغان.
 
يفيد أن نذكر هنا، أن الولايات المتحدة، وبريطانيا، وعدداً من الدول الأوروبية أعطت تطمينات واضحة لكل من السويد وفنلندا بالتعهد بالدفاع عنها إزاء أي اعتداء روسي، إلى حين البت بعضويتهما في حلف "الناتو"، ما يخفف من شأن الممانعة التركية، وبما قد يثقل على العلاقات التركية - الأوروبية مستقبلاً، وعلى أية حال فإن اجتماع قمة "الناتو" في مدريد آخر هذا الشهر سيوضح، أو سيحسم، تماماً تلك المسألة.