بدل أن يضعف حلف شمال الأطلسي (ناتو) لعب فلاديمير بوتين، في ضوء الحرب التي شنها على أوكرانيا، دوراً في إعادة الحياة إلى هذا الحلف الغربي الذي صار دوره هامشياً مع انتهاء الحرب الباردة.
أعاد بوتين العالم إلى أيّام الحرب الباردة بعدما اعتقد أنّ الاتحاد السوفياتي لا يزال حيّاً يرزق وأنّ في استطاعته استعادة امجاده بمجرّد التلويح بالسلاح النووي. كلّ ما في الأمر أنّ فلاديمير بوتين يرفض أخذ العلم بانهيار الاتحاد السوفياتي والأسباب الموضوعيّة التي أدّت إلى ذلك، في مقدّمها الاقتصاد.
يؤكّد عودة الحياة إلى حلف شمال الأطلسي سعي كلّ من فنلندا والسويد إلى الانضمام إلى الحلف في تحدٍّ واضح لروسيا ولبوتين شخصياً. تغيّرت أوروبا كلّياً بعد الحرب الروسيّة على أوكرانيا. استطاع الرئيس الروسي إحداث تغيير أوروبي في العمق لا يقلّ أهميّة عن ذلك الذي حصل عند محطتين تاريخيتين مرّ فيهما العالم هما نهاية الحرب العالميّة الثانية في العام 1945 وسقوط جدار برلين في تشرين الثاني (نوفمبر) 1989. كان هذا السقوط خطوة أولى على طريق إعادة توحيد ألمانيا... وخروج دول أوروبا الشرقيّة من تحت الهيمنة السوفياتية.
من كان يصدّق يوماً أنّ فنلندا يمكن أن تتخلّى عن حيادها التاريخي بين القوتين العظميين إبان الحرب الباردة وأن تطلب أخيراً الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي؟ من كان يصدّق أن السويد، التي أدارت ظهرها لكل الحروب منذ العام 1814، يمكن أن تتخّذ في السنة 2022 خطوة طلب أن تصبح عضواً في الأطلسي؟ وقفت السويد موقف المتفرّج في الحرب العالميّة الأولى، كذلك في الحرب العالميّة الثانية. حاولت بين الحين والآخر أن تكون وسيطاً في الأزمات الدولية، من نوع الحرب العراقيّة – الإيرانيّة بين 1980 و 1988. لم تذهب يوماً إلى أبعد من ذلك. حرصت في كلّ وقت على تفادي إغضاب الاتحاد السوفياتي، قبل سقوطه، ثم الاتحاد الروسي. استقبلت لاجئين من كلّ أنحاء العالم، خصوصاً من الأكراد ومسيحيي العراق. سعت إلى علاقات طيبة مع كلّ دول العالم معتمدة مقاييس ذات طابع إنساني. وهذا ما يغيظ، في ما يبدو، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
ليست الحماسة التي تبديها فنلندا والسويد تجاه الانضمام إلى الأطلسي سوى دليل على الرعب الذي يسود أوروبا. استطاع فلاديمير بوتين جعل أوروبا تعيش في ظلّ حال الرعب بعدما لجأ إلى القوّة من أجل إخضاع أوكرانيا بحجّة أنّها تنوي الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي. لم تعد أوكرانيا وحدها في المواجهة مع روسيا. يشهد العالم حالياً حرباً بالوكالة بين روسيا والغرب الذي قرّر الدخول في مواجهة مع الرئيس الروسي بعدما تبيّن، مع مرور الأيام، أنّه ليس شخصاً طبيعياً بأيّ مقياس.
تعطي الخطوة التي أقدمت عليها فنلندا والسويد فكرة عن التحوّل الذي طرأ على الوضع الأوروبي. باختصار شديد، لا خيار آخر أمام القارة العجوز سوى وضع حدّ لطموحات فلاديمير بوتين من طريق التصدي له. اذا سقطت أوكرانيا، سقطت أيضاً دول البلطيق، أي لاتفيا وأستونيا وليتوانيا. هذه الدول أخذت مبادرة الانفصال عن الاتحاد السوفياتي.
إلى جانب ذلك، ليس في استطاعة دولة مثل بولندا سوى الشعور بالهلع بسبب تاريخ علاقتها بروسيا والتجارب المؤلمة التي مرّت فيها في الماضي البعيد والقريب...
يظلّ أهمّ ما تشهده أوروبا حالياً التغيير العميق في الموقف الألماني. لم يعد هناك ما يربط ألمانيا بروسيا. على العكس من ذلك، هناك انعدام كامل للثقة بين برلين وموسكو. يؤكّد ذلك القرار الألماني القاضي بالتخلي كلّياً عن الغاز الروسي من جهة وإعادة بناء الجيش الألماني من جهة أخرى.
في النهاية، بعد كلّ المقاومة التي أظهرها الشعب والجيش الأوكرانيان بدعم أميركي وأوروبي مكشوف ومعلن، هل لا يزال من مستقبل سياسي لفلاديمير بوتين؟ الجواب عن هذا السؤال سيحتاج إلى بعض الوقت. لكنّ الثابت أن ليس في أميركا وأوروبا من هو على استعداد للتعاطي مع الرئيس الروسي. لا يمكن الاستخفاف بعامل الثقة في العلاقات الدوليّة. نجح بوتين في ضرب الثقة عندما أخطأ في العنوان ولم يتنبه إلى أن أوكرانيا دولة أوروبيّة وليست سوريا التي يستطيع فيها تجربة الأسلحة الروسية في الشعب السوري من دون أن يجد من يحاسبه.
ستكون الحرب الأوكرانيّة حرباً طويلة من دون أدنى شكّ. بدأت الحرب في الرابع والعشرين من شباط (فبراير) الماضي ولا تزال مستمرّة. أسوأ ما في الأمر أن ليس هناك من يريد إيجاد مخرج لبوتين. الرئيس الروسي نفسه ليس في وارد العثور على مخرج. يعود ذلك إلى سبب في غاية البساطة. يتمثّل هذا السبب في أنّ المخرج سيعني الاعتراف بالخطأ والاستعداد للخروج من السلطة عاجلاً أم آجلاً. الأكيد أن فلاديمير بوتين ليس من الرجال الذين يستطيعون الاعتراف بالخطأ، خصوصاً أنّه يستحيل أن يرى نفسه خارج السلطة يوماً!
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الخليج العربي
10/20/2026 3:10:00 PM
استأنف مطار الملك خالد الدولي عمله، فيما حدّثت شركات طيران دولية مواعيد رحلاتها إلى وجهات سعودية، وأعادت الخطوط الماليزية تشغيل رحلات جدة والمدينة المنورة.
شمال إفريقيا
10/20/2026 12:56:00 PM
استنفار إسعافي عقب تصادم حافلة ركاب وشاحنة نقل ثقيل على طريق القاهرة–أسيوط الصحراوي الغربي، وتوجيهات بتقديم مساعدات عاجلة للمتضرّرين.
لبنان
10/19/2026 12:33:00 PM
ما هي القضية؟ إلى أي عام تعود؟ وما هي حيثياتها؟
لبنان
10/20/2026 6:39:00 AM
المركب كان يقلّ 18 شخصاً بينهم لبنانيون وسوريون
نبض