الإمارات والكويت... قصّة نموذجين خليجيّين
تبدأ القصة من الكويت في أقصى شمال الخليج حيث قدم رئيس الوزراء استقالته وهو الذي لم يكمل 100 يوم في عمله وأنهى بذلك رابع حكومة في سنتين، لتكون شاهدًا على تعثر المسار السياسي والديموقراطي في الكويت. الكويت تفتخر بنموذجها الديموقراطي الأقدم في المنطقة لكنها تعاني من شلل سياسي وانقسام مجتمعي وتعثر تنموي مزمن علاوة على مستقبل غامض.
تبدأ القصة من الكويت في أقصى شمال الخليج، حيث قدم رئيس الوزراء استقالته، وهو الذي لم يكمل 100 يوم في عمله، وأنهى بذلك رابع حكومة في سنتين، لتكون شاهداً على تعثر المسار السياسي والديموقراطي في الكويت. الكويت تفتخر بنموذجها الديموقراطي الأقدم في المنطقة، لكنها تعاني شللاً سياسياً وانقساماً مجتمعياً وتعثراً تنموياً مزمناً، علاوة على مستقبل غامض.
بالتزامن مع ما يجري في الكويت، هناك قصة الإمارات قي أقصى جنوب الخليج التي احتفلت بإسدال الستار على نجاح إكسبو 2020 بحضور 192 دولة و24 مليون زيارة، ليكون شاهداً على سجل تنموي ومعرفي وعمراني غني بإنجازاته ونجاحاته. الإمارات مليئة بالطموح واثقة بحاضرها ومتفائلة بمستقبلها، دون أن يعنيها كثيراً الترف الديموقراطي وانفلات الحرية، فلديها حريات اجتماعية وفردية واقتصادية، وهي أهم من الحريات السياسية.
نقاط قوة نموذج الكويت الديموقراطي كثيرة، وأبرزها مساحة حرية الصحافة وحرية التعبير وقدسية الدستور واستقلالية القضاء وحيوية السلطة التشريعية. لكن نقاط ضعف النموذج الكويتي برأيي كثيرة وبارزة، وتشمل عدم الاستقرار السياسي المزمن والانقسام الاجتماعي والاصطفاف الطائفي والفساد الإداري والمالي، وتراجع ثقة المواطن الكويتي في نخبته السياسية، خاصة النخبة البرلمانية التي أفرطت في استخدام حق الاستجواب البرلماني، بما في ذلك استجواب وزير بعد تسلمه منصبه بست ساعات. معظم الاستجوابات البرلمانية تتم لأغراض شخصية وفئوية، ما أثر سلباً على صورة وسمعة ديموقراطية الكويت التي لم تعد جاذبة كما كانت حتى وقت قريب.
في المقابل، نقاط قوة نموذج الإمارات كثيرة وواضحة، وأهمها الاستقرار السياسي والتلاحم الاجتماعي والازدهار الاقتصادي، وبناء اقتصاد ما بعد النفط وتنويع مصادر الدخل، والتقدم في أكثر من 150 مؤشراً تنموياً ومعرفياً وتقنياً حيوياً، علاوة على بنية تحتية هي من بين الأفضل عالمياً. ولا يخلو نموذج الإمارات من نقاط ضعف، ربما أبرزها غياب المشاركة السياسية وضعف حضور المجلس الوطني، وتراجع دور مؤسسات المجتمع المدني وتدني سقف حرية التعبير والصحافة، حيث تحتل الإمارات الترتيب العالمي 131 في مؤشر الحريات عام 2021، وهي التي تحرص على أن تكون في الترتيب الأول في كل مؤشر تنموي وحضاري.
كانت الكويت في بداية عهدها بالاستقلال سباقة في كل مؤشر تنموي ومعرفي وثقافي ورياضي، وأصبحت قدوة لبقية دول المنطقة. ثم أخذ النموذج الكويتي في التراجع التدريجي في معظم المؤشرات التنموية. أما الإمارات التي كانت تنظر إلى الكويت كنموذج تنموي ومعرفي ملهم، فقد بدأت بدايات متواضعة عند قيامها كدولة اتحادية مستقلة سنة 1971. ثم أخذ نموذج الإمارات الاتحادي يتقدم في خط بياني تصاعدي، وفي زمن قياسي، وهي مستمرة بثقة في تقدمها متجاوزة توقعات القريب والبعيد.
أسباب عديدة ومعقدة ومتراكمة دفعت بهذين النموذجين الخليجيين للافتراق والذهاب إلى اتجاهين مختلفين بل ومتناقضين. لكن من بين جميع تلك الأسباب، يعزو البعض تعثر المسار التنموي في الكويت إلى جو برلماني مشحون، وإلى مسار ديموقراطي مأزوم، وإلى تغوّل المسار السياسي على القرار الاقتصادي. يقول هذا البعض إن الممارسة الديموقراطية هي أكبر مشكلات الكويت وسبب تعثرها التنموي.
في المقابل، يعزو البعض تألق الإمارات التنموي إلى بطء المسار الديموقراطي وغياب العمل السياسي الشعبي، وعدم وجود حياة برلمانية صاخبة. يقول هذا البعض إن أكثر ما يميز النموذج الإماراتي التنموي هو أن القرار الاقتصادي يتصدر المشهد ويقود الشأن السياسي، ويشكل مصدراً مهماً من مصادر حيوية نموذج الإمارات الفيدرالي عموماً، ونموذج دبي الاقتصادي والتجاري خصوصاً.
يختصر هذا البعض قصة هذين النموذجين الخليجيين في معادلة بسيطة هي: تغوّل الخطاب السياسي في الكويت، فتراجع النموذج الكويتي تنموياً سنين إلى الوراء، فيما تصدّر الشأن الاقتصادي في الإمارات فتقدم النموذج الإماراتي التنموي سنين ضوئية إلى الأمام، ليس خليجياً بل حتى عربياً وأصبح مثيراً للاهتمام عالمياً.
لكن مهما كانت عثرات نموذج الكويت، فإن الشارع الكويتي في جله فخور بنموذجه الديموقراطي، ويفضّل الحريات على العمارات، ولسان حاله لا مساومة على الحرية، وإن جاءت على حساب التنمية مؤقتاً. في المقابل، فإن الجمهور الإماراتي بأغلبية ساحقة يتغنى بنموذجه التنموي والاتحادي الذي بلغ العالمية في زمن قياسي، ولا يود أن يقايض حرياته الاجتماعية بحريات سياسية، ولسان حاله: لا مساومة على النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي، والتلاحم الاجتماعي، والتقدم الرقمي والتقني، وإن جاءت على حساب حرية سياسية منفلتة.
أما الموطن الخليجي خارج الكويت والإمارات، فبعضه معجب بنموذج الكويت الديموقراطي وبما يقدّمه من حرية التعبير والصحافة وقدسية الدستور، وبعضه الآخر يفضّل نموذج الإمارات التنموي الذي يمتاز بالازدهار والاستقرار والانفتاح، ويقدم باقة من الحريات الاجتماعية التي لا تتوفر في النموذج الكويتي أو أي نموذج خليجي آخر. لكن هناك البعض الثالث من الجمهور الخليجي النخبوي والشعبي الذي يتمنى بروز نموذج خليجي ثالث ومختلف، يجمع حسنات النموذجين الإماراتي والكويتي، ويمزج نقاط قوتهما ويتفادى نقاط ضعفهما.
ليس في الأفق القريب احتمال بروز نموذج خليجي ثالث ديموقراطي ومستقر ومزدهر. مثل هذا النموذج الخليجي الذي يجمع الديموقراطية والازدهار الاقتصادي والاستقرار السياسي معاً هو حلم خليجي، بل هو حلم عربي.
لذلك يبقى السؤال: هل حُكم على شعوب الخليج أن تختار بين نموذج ديموقراطي كويتي غير مستقر ويمر بمرحلة هي الأصعب، ونموذج تنموي إماراتي مستقر يعيش عصره الذهبي؟ هل هذا عصر التنمية أم أنه عصر الحرية؟ وما سر تألق نموذج الإمارات الملهم حالياً، وما أسباب تعثر نموذج الكويت الذي كان سابقاً ملهماً؟ وكيف ذهب نموذجان خليجيان رغم ما بينهما من تشابه اجتماعي وتاريخي عميق إلى مذهبين مختلفين ومتباينين؟
هذه أسئلة من وحي قصة نموذجين خليجيين تطرح نفسها للنقاش، وتستحق وقفة نقدية ونظرة موضوعية.
نشر أولاً في موقع "CNN"
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة
4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
لبنان
4/22/2026 11:34:00 PM
انقطاع الاتصال بالصحافية آمال خليل بعد غارة على الطيري، فيما نُقلت زينب فرج إلى المستشفى وتستمر عمليات البحث رغم تجدد الاستهداف.
لبنان
4/22/2026 10:39:00 PM
السفارة الأميركية في بيروت تدعو رعاياها لمغادرة لبنان فوراً، محذّرة من مخاطر أمنية متصاعدة تشمل الإرهاب والخطف والاضطرابات.
نبض