تعود العلاقات الدبلوماسية الأميركية-السعودية إلى عام 1933، إلا أنها برزت عام 1945 عندما التقى الرئيس الأميركي ثيودور روزفلت الملك عبد العزيز بن سعود سراً على متن مدمرة تابعة للبحرية الأميركية في قناة السويس، وذلك بهدف تقريب المملكة العربية السعودية من مجال النفوذ الأميركي والوصول إلى نفطها.
لكن التعبير الأوضح عن الدعم الأمني الأميركي للمملكة، ودول الخليج العربية الأخرى، جاء بعد ثلاثة عقود ونصف عقد، في ما عُرف بـ"عقيدة كارتر".
على خلفية القلق إزاء توغل الاتحاد السوفياتي المحتمل في الخليج العربي الغني بالنفط بعد غزو أفغانستان عام 1979، أعلن الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، في خطاب "حالة الاتحاد" في 23 كانون الأول (يناير) 1980، أن الولايات المتحدة ستستخدم مواردها العسكرية للدفاع عن مصالحها في الشرق الأوسط إن اقتضى الأمر. وبعد ذلك بثلاث سنوات، أُسست القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، التي كانت تعرف في السابق باسم "قوات المهام المشتركة للانتشار السريع"، لإضفاء طابع القوة على "عقيدة كارتر"، وبناء وجود عسكري أميركي أوسع في المنطقة.
وواجهت "عقيدة كارتر" الاختبار الأكبر في آب (أغسطس) 1990، عندما قرر الرئيس العراقي الراحل صدام حسين غزو الكويت، جاره الصغير الثري. وردت الولايات المتحدة بعد أقل من أسبوع بإطلاق "عملية درع الصحراء" للدفاع عن السعودية. وفي 17 كانون الثاني (يناير) 1991، وبهدف تحرير الكويت، حوّلت "عملية درع الصحراء" إلى "عملية عاصفة الصحراء"، لتصبح أكبر حملة عسكرية أميركية منذ حرب فيتنام. وبعد أكثر من شهر بقليل، حرر الجنود والبحارة والطيارون الأميركيون الكويت من الاحتلال العراقي، وحققوا نصراً عسكرياً ساحقاً.
وأدت الجهود العسكرية الأميركية ضد العراق إلى ضمان حماية المملكة العربية السعودية والمنطقة بفعالية، ونشر ما عرف بـ"باكس أمريكانا" (السلام الأميركي) في الشرق الأوسط، فضلاً عن إعادة تأكيد ثقة المملكة باستعداد واشنطن للدفاع عنها، وقدرتها على القيام بذلك. ولكن بمجرد انتهاء العملية العسكرية، لم يكن واضحاً للسعوديين شروط التدخل الأميركي المستقبلي ومعاييره، لا سيما في غياب أي مناقشة لهذه القضايا بين قادة الدولتين.
وقررت الولايات المتحدة التدخل في الفترة 1990-1991، إدراكاً منها لمخاطر السماح لصدام حسين بالسيطرة على موارد الطاقة الهائلة في الخليج. واقتصرت مشاركة السعودية في قرار واشنطن على التعبير عن رغبتها في التخلص من السيطرة العراقية. بالنسبة إلى الولايات المتحدة، خدمت حماية المملكة وتحرير الكويت هدفاً استراتيجياً أوسع، وهو الحفاظ على نظام إقليمي صديق لواشنطن. وبعبارة أقل دبلوماسية، لم يكن لدى الولايات المتحدة صلات أو التزامات خاصة تجاه السعودية أو الكويت. فلو اختار صدام حسين أهدافاً وتدابير أقل تطرفاً، على سبيل المثال، إطلاق حملة ضد الحكومتين السعودية والكويتية لزعزعة الاستقرار السياسي، هل كانت الولايات المتحدة لتتدخل بهذه القوة، أو تستخدم القوة أصلاً؟
يعود سبب طرح هذا السيناريو الافتراضي إلى أن المملكة وجدت نفسها في وضع مشابه عام 1996، وأكثر سوءاً عام 2019. وعام 1996، فجر عملاء سعوديون يعملون لمصلحة إيران، وتلقوا تدريبات من "حزب الله"، مساكن أبراج الخبر في الظهران، بقنبلة تزن 5 آلاف رطل، ما أسفر عن مقتل 19 طياراً أميركياً وإصابة مئات آخرين، منهم مواطنون سعوديون. وشكلت الحادثة تهديداً مباشراً للأمن القومي السعودي. ورغم أن الأدلة التي جمعتها الرياض، ثم واشنطن بعد فترة وجيزة، تثبت تورط طهران بالحادثة، قرر الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون عدم الرد على إيران. ولم تكن السعودية تتوقع أن تخوض الولايات المتحدة حرباً ضد إيران لارتكابها هجوماً إرهابياً خطيراً على أراضيها، ولم تكن ترغب في ذلك، لكنها في الوقت عينه لم تعتقد أن طهران لن تحاسَب على الجريمة التي اقترفتها.
وفي ظل عدم ثقة الرياض في الالتزام الأمني الأميركي تجاهها، اختارت الحد من تعاونها مع واشنطن في التحقيق، تحسباً من ردة الفعل الإيرانية.
وفي 14 أيلول (سبتمبر) 2019، هاجمت إيران منشآت نفطية سعودية في بقيق وخريص من أراضيها، باستخدام 25 طائرة مسيرة وصواريخ كروز. وكانت العملية المعقدة بمثابة صدمة للسعوديين والأميركيين، وكل من لم يتصور إمكانية شن إيران عملاً عدوانياً علنياً مماثلاً ضد أي دولة خليجية عربية في ظل الرادع الأميركي العسكري القوي والمتزايد في الخليج.
ولم تفشل إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في ردع العدوان الإيراني فحسب، بل في الرد عليه أيضاً. وإذا كان هجوم عام 1996 قد دفع الرياض إلى التشكيك في فعالية "عقيدة كارتر"، فإن غارة 2019 أنهت بالكامل ثقة السعودية في التزام الولايات المتحدة تجاهها في المجال الأمني. وعلى غرار عام 1996، أبلغت الرياض واشنطن رغبتها في التهدئة بعد قصف منشآتها النفطية، وحضت ترامب على عدم شن أي هجوم، ما يعود جزئياً إلى عدم الثقة في أن الولايات المتحدة ستؤمن لها الحماية في حربها مع إيران.
ويثير الهجومان الإيرانيان ضد المملكة العربية السعودية، والكثير من الهجمات الأخرى التي قد تكون أقل تدميراً، سؤالاً رئيسياً بشأن مستقبل العلاقات الأمنية الأميركية السعودية: في بيئة استراتيجية بات فيها التهديد للأمن القومي السعودي، الذي تشكله إيران وحلفاؤها الإقليميون، أكثر تعقيداً وخطورة من السابق، ومع تغيّر المصالح الأميركية في الشرق الأوسط والأولويات حول العالم إلى حد كبير، ما الذي تبقّى من "عقيدة كارتر"؟
أظهرت "عقيدة كارتر" فعالية في وقت إصدارها، لأنها لم تظهر بوضوح للاتحاد السوفياتي أن واشنطن مصممة على استخدام القوة العسكرية ضد أي معتد على مصالحها النفطية في الخليج العربي فحسب، بل للشعب الأميركي أيضاً. مع ذلك، كان ذلك نهجاً سياسياً أميركياً يهدف إلى تبديد المخاوف الأميركية ودعم الأهداف الأميركية، التي ركزت على الحفاظ على تدفقات الطاقة الرخيصة والمستمرة من المنطقة إلى الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي.
والواقع أن الطبيعة الأحادية لـ"عقيدة كارتر" لم تتغير. وعند إعادة النظر في الضربة الإيرانية التي استهدفت شركة أرامكو عام 2019، يتضح أن واشنطن لم تتدخل عسكرياً لدعم الرياض أو تقوم بأي رد ولو محدود، رغم أن الهجوم كان الأسوأ في تاريخ العلاقات السعودية الإيرانية، وأدى إلى أكبر انقطاع لإمدادات النفط اليومية في التاريخ، وذلك لأنها، على عكس عام 1990، لم تعتبر مصالحها الوطنية الحيوية في خطر. وفي تلك السنة نفسها، أصبحت الولايات المتحدة، ولا تزال، أقل اعتماداً على نفط الشرق الأوسط بسبب ثورة الطاقة الخاصة بها والزيادات الكبيرة في الإنتاج، ما حوّلها مُصدراً صافياً في عامي 2020 و2021.
لا تلام الولايات المتحدة على منحها الأولوية لمصالحها الخاصة، لأن هذا ما تقوم به الدول السيادية. ولكن لا بد من الاعتراف بأن "عقيدة كارتر" لا تزال طريقاً باتجاه واحد، لا يولي اهتماماً كافياً لاحتياجات ومخاوف واعتبارات السعودية وأي شريك عربي آخر يتعرض أمنه للخطر أو الاستهداف. والواقع أن الشروط التي ستدافع بموجبها الولايات المتحدة عن السعودية في حال تعرضها للهجوم لم تناقش داخل الحكومة الأميركية ولا مع القادة السعوديين.
بالطبع، ثمة ارتباط بين أمن السعودية، وأمن أي شريك آخر، ومصالح الولايات المتحدة. على سبيل المثال، إذا لم يتمكن السعوديون من ضخ ما يكفي من النفط بسبب تدمير بنيتهم التحتية بضربة إيرانية، فستتأثر مصالح الطاقة الأميركية. لكن هذه العلاقة ليست مباشرة. وقد يمهد ذلك الطريق أمام حالات معقدة يمكن أن تستخدم فيها إيران أشكالاً مختلفة من العنف المحدود ضد المملكة العربية السعودية، وذلك سعياً وراء أهدافها، ما يضع السياسة الأمنية الأميركية على المحك.
وهذا بالضبط ما يقوم به الإيرانيون منذ عقود بسعيهم إلى توسيع التصدعات في العلاقة الأمنية بين الولايات المتحدة وشركائها العرب في الخليج. فقد تعلموا من حماقة صدام وأدركوا أن السيطرة على المنطقة لا يتطلب منهم نشر دباباتهم وغزو جيرانهم العرب، وهو نهج يثير غضب الولايات المتحدة. لكن كل ما عليهم فعله لتوسيع نفوذهم هو اعتماد الصبر ومنهجية مدروسة لممارسة الإكراه والترهيب ومفاقمة نقاط الضعف السياسية لخصومهم العرب من خلال العمل في المنطقة الرمادية (خارج إطار الحرب التقليدية)، مع الحفاظ على إنكار معقول. ولكن رد واشنطن كان خاطئاً على عدوان إيران الهجين والدقيق، وذلك لأنه، جزئياً لا يشبه مسيرة الجيش العراقي التقليدية في صحراء الكويت.
*بلال صعب، مسؤول سابق في "البنتاغون" مشرف على المساعدات العسكرية الأميركية للشرق الأوسط، زميل أول ومدير برنامج الدفاع والأمن في معهد الشرق الأوسط في واشنطن.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة
4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
دوليات
4/26/2026 12:15:00 AM
جريمة صادمة في مكسيكو سيتي: مقتل ملكة جمال سابقة بـ12 رصاصة على يد حماتها
نبض