15-09-2020 | 16:19

"شمس المعارف".. كوميديا صناعة فيلم رعب سعودي

وكما لأي فيلم يسعى إلى أن يكون كوميدياً، فإن على هذه التعارضات والتناقضات أن تكون واسعة وبيّنة، الأمر الذي سيكون أيضاً متصلاً بشكل أساسي بالتناقض بين أفعال الشخصيات ومظهرها أو خصالها، ولتتحلق حول حسام مجموعة من الشخصيات يقودها إلى دنيا الأفلام والسينما، فبعد أن يكون مكتفياً بتصوير فيديوهات قصيرة تتناول مواقف كوميدية تتندر على أمور على اتصال بالواقع المعيشي السعودي،
"شمس المعارف".. كوميديا صناعة فيلم رعب سعودي
Smaller Bigger
يتخذ الفيلم السعودي "شمس المعارف" (بدأ عرضه اعتباراً من 2 أيلول/سبتمبر الجاري في دور العرض الإماراتية) من مفتتحه، المفارقة التي سيؤسس عليها الكوميديا، ونحن نشاهد مجموعة من القطط (مشهد أنيماشن) متوزعة على أشجار أمام بيت والجو عاصف ماطر، وليتساءل الراوي الذي سيكون شخصية الفيلم الرئيسة، عن كيفية الإتيان بمثل هذه الأجواء المرعبة، مع استحالة أن يكون طقس مدينة جدة على هذا النحو!
 
 
هذا التعارض في فيلم "شمس المعارف" (كتابة وإخراج فارس قدس)، بين الطقس وجدة، هو التعارض ذاته بين ما يطمح إليه حسام (براء عالم) وواقعه، فمجريات الفيلم تحدث عام 2010، بحيث يكون تطلع حسام إلى صناعة الأفلام ضرباً من المستحيل! طبعاً في تلك الفترة لم يكن لدور العرض السينمائي من وجود في المملكة، وإن كان سينمائيون سعوديون كثر ممن هم مثل حسام صنعوا أفلاماً قصيرة من ميزانيات صفرية ربما، شاهدتُ عدداً كبيراً منها في دورات مهرجان الخليج السينمائي في دبي (2008 – 2013)، الذي تحوّل حينها برغم عمره القصير (ست دورات) إلى المنصة الأساسية، وربما الوحيدة للتجارب السينمائية السعودية المحمّلة بروح إبداعية متمردة، حملت الكثير من التميز.
 
 
بالعودة إلى فيلم "شمس المعارف"، فإن كل ما يريده حسام هو صنع الأفلام، فعدا الواقع السالف الذكر، فإنه يواجه سلسلة كبيرة ومتشعبة من العوائق تقف في وجه طموحه، فهو طالب في الثالث الثانوي، وكل محيطه العائلي يعتبر حلمه السينمائي ضرباً من الجنون أو هواية أو نزوة عابرة، وهو في الوقت نفسه يرزح تحت رقابة أمه، وعليه أن يدرس طيلة وجوده في البيت، هي التي لا ترى له مستقبلاً باهراً إن واصل على النهج ذاته من الضياع والشرود، وعليه لن يكون في المستقبل  سوى حارس في مركز تسوق في أحسن الأحوال، الأمر الذي يُستحضر على الدوام بواسطة "الأنيماشن"، وحسام يرى نفسه حارساً بحق ويواجه سلسلة من المآزق، فهو في الدراسة "زبالة" حسب تعبيره، إلا أنه عكس ذلك في التصوير والمونتاج والإخراج، وثقافته السينمائية واسعة، لن يتردد في استعراضها، وهو يشاركنا ما يحب ولا يحب من أفلام. 
 
وكما لأي فيلم يسعى إلى أن يكون كوميدياً، فإن على هذه التعارضات والتناقضات أن تكون واسعة وبيّنة، الأمر الذي سيكون أيضاً متصلاً أساساً بالتناقض بين أفعال الشخصيات ومظهرها أو خصالها، ولتتحلق حول حسام مجموعة من الشخصيات يقودها إلى دنيا الأفلام والسينما، فبعد أن يكون مكتفياً بتصوير فيديوهات قصيرة تتناول مواقف كوميدية تتندر على أمور على اتصال بالواقع المعيشي السعودي، وصديقه معن (إسماعيل الحسن) يساعده في ذلك، ينكشف أمرهما على يد الأستاذ عرابي (صهيب قدس) المكروه جداً من قبلهما وسائر طلاب المدرسة، جراء صلفه وقسوته، وبدلاً عن تلقيهما عقاباً يتوقعانه شديداً جداً، يتكشف الأستاذ عن صورة أخرى تكون على النقيض مما يبدو عليه شكلاً ومضموناً، إذ يظهر حماسة ما بعدها حماسة لما يقوم به حسام، بحيث تتحول مشاركته في فيديوهاته إلى أسمى ما يطمح إليه، وذلك بعد أن يعرض بفخر فيديو له يظهر فيه كومبارسَ لأربع ثوان في المسلسل السعودي المشهور "طاش ما طاش"، ولتكون ثقافته البصرية مقتصرة على هذا المسلسل، الأمر الذي يستاء منه حسام، قائلاً شيئاً مثل إن كل عمله في الصورة هو التخلص من أثر هذا المسلسل.
 
 
يتحول الأستاذ عرابي الذي كان بالأمس أستاذاً صارماً، إلى المشجع الأساسي لحسام للقيام بصنع فيلم رعب "ليس فيلم رعب بل كابوس" عنوانه "شمس المعارف" في استلهام لكتاب "شمس المعارف الكبرى" للإمام أبي العباس أحمد بن علي البوني، المتصل بالسحر والتعاويذ والأرواح والأشباح. وعليه، يتوسع طاقم عمل الفيلم والشخصيات، وهم ليسوا سوى طلاب في المرحلة الثانوية رفقة أستاذ يصبح زميلهم وصديقهم وهو يتفوق عليهم باندفاعه وتهوره، وجميعهم، عدا حسام، لا علاقة لهم لا من قريب ولا من بعيد بالسينما كفنّ.
 
تتوالى المواقف الكوميدية أثناء التصوير، وعلى مستويات عدة، وكل مرحلة من مراحل التصوير تضعهم أمام مفارقة جديدة، ومعضلة يتطلب حلّها تصرفات وحلولاً فكاهية، فعلى سبيل المثال تتحول ضرورة تمثيل امرأة في الفيلم إلى معضلة جراء ضرب موعد معها في مختبر المدرسة، فعدا حضورها الذي يكون من رابع المستحيلات في مدرسة للبنين، فإنها تدوّخ حسام وجميع رفاقه لمجرد وجودهم مع امرأة، وليتحول أمر إخراجها من المدرسة من دون انكشاف أمرهم إلى مغامرة المغامرات.
 
فيلم "شمس المعارف" الذي كان من المفترض أن يفتتح الدورة الأولى لمهرجان البحر الأحمر، والتي ألغيت جراء جائحة فيروس كورونا، ينوّع في أدوات السرد، فهو فيلم داخل فيلم، وما نشاهده أثناء تصويره نعود ونراه على شاشة كمبيوتر حسام وقد توصل إلى حلول مونتاجية أو مؤثرات بصرية، ويتحول ما يراد له أن يكون مرعباً إلى منبع للكوميديا، هذا عدا "الأنيماشن" الذي تجري الاستعانة به مع أحداث افتراضية أو متخيلة، الأمر الذي منح الفيلم حيوية كبيرة، وسلاسة في سرده، في سعيه لتقديم كوميديا تتخذ من المدرسة مساحتها، ومن تناقض الواقع مع تطلعات مراهق في مرحلة تاريخية محددة معبراً إلى الفكاهة والضحك. 
 

الأكثر قراءة

ثقافة 5/24/2026 12:00:00 AM
نادين لبكي تستعيد صورة لبنان المقاوم بالفنّ من على مسرح كانّ.
لبنان 5/24/2026 12:59:00 PM
صحيفة "نيويورك تايمز": الاتفاق المرتقب سيشمل "إنهاء المواجهات على جميع الجبهات"
لبنان 5/24/2026 10:17:00 PM
لم تلقَ هذه المواقف أي تبرير...