15-06-2021 | 07:00

لبنان الكبير يموت

لبنان الكبير، الوطن الذي أعلن ولادته الجنرال الفرنسي المنتصر في الحرب العالمية الاولى غورو محاطا ببطريرك الموارنة ومفتي المسلمين وأركان الجمهورية اللبنانية الوليدة، وبناء على مقتضيات مؤتمر سان ريمو للمنتصرين في الحرب، الذي أتى بدوره تتويجا لتقسيمات سايكس بيكو الانكليزية الفرنسية للمشرق، ووعد بلفور الانكليزي بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، لبنان الكبير هذا يسقط حاليا. ولربما سقط منذ زمن طويل. ولعله ولد سقطا.
لبنان الكبير يموت
Smaller Bigger
 لبنان الى أين؟
 
لكثرة ما استُخدم هذا السؤال الذي يكاد يسجل في الإرث الأدبي السياسي لزعيم الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني وليد جنبلاط، بات مستهلكاً الى حدود التسخيف والابتذال. لكن الوقائع تعيد تكراراً هذا السؤال الى الواجهة، ما دامت مبرراته قائمة. وهل أوجه من هذا السؤال عند الحديث عن الأزمة اللبنانية التي تضع البلد أمام محكات مصيرية؟ إنه السؤال الذي يواجهك به أي لبناني بعدما بات المجهول هو ما ينتظره اللبنانيون بكثير من القلق والضياع والاستسلام.
 
لبنان الكبير، الوطن الذي أعلن ولادته الجنرال الفرنسي المنتصر في الحرب العالمية الأولى غورو محاطاً ببطريرك الموارنة ومفتي المسلمين وأركان الجمهورية اللبنانية الوليدة، وبناءً على مقتضيات مؤتمر سان ريمو للمنتصرين في الحرب، الذي أتى بدوره تتويجاً لتقسيمات سايكس بيكو الإنكليزية الفرنسية للمشرق، ووعد بلفور الإنكليزي بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، لبنان الكبير هذا يسقط حالياً. ولربما سقط منذ زمن طويل. ولعله ولد ساقطاً.
 
في تلك السياقات ولد لبنان الكبير من غير إجماع سكان المناطق التي شكل منها على ذلك الإعلان. كان قيام لبنان الكبير هدية فرنسا للمسيحيين اللبنانيين، وخاصة للموارنة، بعد جهود جبارة بذلها بطريركهم القوي آنذاك الياس الحويك. كان جبل لبنان خارجاً من مجاعة الحرب العالمية ومن احتلال تركي طويل، فكان لا بد من مدى حيوي سهلي وساحلي يوفر الموارد لأهل الجبل ويضم اليهم مسيحيي الأطراف، وفي الطريق ينزع عن سوريا المناطق الأكثر غنى وإنتاجاً. لم تغب عن البال حينها احتمالات التغير الديموغرافي لمصلحة المسلمين الكثيري الإنجاب، وهو ما عالجته الدولة المنتدبة فرنسا بنظام الامتيازات المسيحية في السياسة والإدارة والاقتصاد بمختلف قطاعاته، والذي أدى الى ما سُمّي لاحقاً بنظام المارونية السياسية.
 
ليس صحيحاً أن هذا البلد كان يوماً سويسرا الشرق، هذا مخيال لبناني غير واقعي ولا يستند الى حقائق. وليس أعجوبة اقتصادية. لم يكن يوماً بلداً غنياً. نعم عرفت حواضره المدينية فترات رخاء في الخمسينات والستينات، لكن أريافه ومناطقه من الجنوب الى الشمال الى البقاع، كانت دوماً مهملة وفقيرة ومنسية. ومنذ السبعينات من القرن الماضي، أي منذ خمسين سنة هي نصف عمر هذا الكيان والبلد بأجمعه من سيئ الى أسوأ حتى وصل الى حد الموت السرسري. 
 
دعونا من نظريات التفوق اللبناني وعبقرية اللبنانيين وعزة نفسهم وكرامتهم وما شابه. ولننظر الى الواقع بعقل بعد أن نتركَ نرجسياتنا جانباً. ولنسأل أنفسنا السؤال الذي لا مفر منه: هل ما زلنا نريد لبنان الكبير هذا كياناً نهائياً وجمهورية برلمانية (عربية بحسب الدستور الجديد أو ذات وجه عربي بحسب الميثاق الشفوي بين زعيمين أورثانا دولة فاسدة) ذات اقتصاد حر...؟  
 
لا توحي الوقائع والسياسات والممارسات بذلك، لا استثناء في ذلك، لا أحد متمسك بهذا "العجوز" الذي بلغ المئة عام، ولم يعد قادراً على الوقوف. كلهم يسعون الى التخلص منه مواربة وتلميحاً وعصياناً على دستوره وقوانينه. لم يعد هذا المريض مغرياً لأحد، لأن مبررات وجوده لم تعد قائمة كما كانت قبل مئة عام. لقد تغير الزمن وطال العمر بهذا "الشيخ" الذي أوهنته الحروب والمؤامرات والدسائس والثورات وحروب المنطقة والعالم. لم يعد جسده النحيل المركب تركيباً اصطناعياً قادراً على تحمل أثقال أكبر من حجمه بكثير. إنه أصغر، وأكثر هشاشةً من أن يحتمل كل هذا الصراع الدائر في المنطقة من أفغانستان الى المحيط الأطلسي.
 
هذه التركيبة المنخورة حتى العظم بسوسة الطائفية العمياء والتعصب الأرعن والعنفي غير قادرة على حمل وطن. دود الخل منه وفيه أيضاً. هل تحمل هذه التركيبة الطائفية الغريبة العجيبة المتخلفة في كل شيء أفكاراً أبعد من أن تنادي، إما بدول دينية أو بفيدراليات وكونفيدراليات طائفية تكرّس الطلاق بين أبناء البلد؟
 
لبنان الكبير يموت. كثيرون لم يعودوا مؤمنين به عن قناعات فكرية وسياسية، وآخرون لأسباب طائفية وعصبوية. لكن لا أحد، لا أحد يملك جواباً مقنعاً عن السؤال: الى أين؟
 
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 10/23/2026 7:35:00 PM
قال الملك عبدالله الثاني: "سنضرب بيد من حديد من تطاول على بلدنا"، مشيراً إلى أن "من توهّم أنّ رصاص الغدر يشق صف الأردنيين خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا".
لبنان 10/23/2026 12:32:00 PM
هل يحق لمتهم بقضايا إرهاب تنظيم حفلات قبل أسابيع من مثوله أمام القضاء اللبناني في ملف أقل ما يقال فيه إنه من الأكثر حساسية في آخر 20 سنة في لبنان؟
لبنان 10/23/2026 12:00:00 AM
لم تكن إشادة رئيس الجمهورية جوزف عون برئيس مجلس النواب نبيه بري في الجلسة سوى مؤشر إلى تفاهم ضمني حصل على ترحيل إحالة ملف المتفجرات على المجلس العدلي.