أوكرانيا الحرب الثالثة؟!
هل يكرر التاريخ نفسه؟ يتساءل الأوروبيون والعالم معهم، هل يمضي فلاديمير بوتين على درب أدولف هتلر وبينيتو موسوليني، واوكرانيا على درب تشيكوسلوفاكيا وبولندا؟ وهل سيتبع ذلك ميلاد وينستون تشرشل جديد في لندن، وفرانكلين روزفلت جديد في واشنطن لمواجهة الفاشية المستولدة في موسكو والمتحالفة مع بكين؟
هل يكرر التاريخ نفسه؟ يتساءل الأوروبيون والعالم معهم، هل يمضي فلاديمير بوتين على درب أدولف هتلر وبينيتو موسوليني، وأوكرانيا على درب تشيكوسلوفاكيا وبولندا؟ وهل سيتبع ذلك ميلاد وينستون تشرشل جديد في لندن، وفرانكلين روزفلت جديد في واشنطن لمواجهة الفاشية المستولدة في موسكو والمتحالفة مع بكين؟
شيطان التفاصيل
تبدو المقارنة مغرية، ولكن "الشيطان في التفاصيل". نعم، بوتين قومي روسي يعبر عن مشاعر شعب عظيم، شعر بالإضطهاد والتقزيم والمحاصرة "النووية" و"الاقتصادية" و"الصناعية" و"التقنية" من خصوم الماضي، بعد سقوط جدار برلين في 1989، وتفكك اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية، 1991، وانهيار امبراطورية عظمى، وتمرغ أنفها في رأسمالية الغرب، وديونه، وثقافته.
وكما حدث لالمانيا بعد معاهدة فرساي 1919 التي فرضت شروط الاستسلام القاسية على الامبراطورية الجرمانية، حدث ايضا للإتحاد الروسي: تفرق الحلفاء، وغلبة الأعداء، فوضى اقتصادية، ودونية ثقافية، وتصارع القوى السياسية والتجارية وحتى الإجرامية على الأشلاء.
القيصر الروسي الجديد
وفي العام 2000 خرج ضابط الاستخبارات الغامض بوتين من رماد التصدع والتهالك ليقبض على دفة المركب الذي يوشك على الغرق، ويوقظ النزعة القومية الروسية، ويتلاعب بالديموقراطية والدستور، كما فعل هتلر وموسيليني، لتفريغ كابينة القيادة من المنافسين، والتفرد بالدفة. وكما حققا، استطاع أن يحقق ما وعد به: دولة قوية، آمنة، مستقرة، فخورة. أيقظ الوطن، أخمد ثورة الشيشان، واستعاد جزيرة القرم، وعاد الى ملعب الشرق الأوسط، بالقواعد والموانئ والأساطيل.
حتى الآن، لم تستطع أميركا وأوروبا ايقاف تقدمه. بل غضتا الطرف عن جرائمة في الشيشان وجورجيا وسوريا، واستسلمتا له في جنوب أوكرانيا، ولم تضعا لتدخلاته حدا في شرقها. واليوم يجد القيصر الروسي الجديد نفسه على أبواب أوكرانيا من جديد. ويحبس العالم أنفاسه كما حبسها في 1938 عندما وقف المستشار الالماني على أبواب تشيكوسلوفاكيا. يا لها من مقارنة!
الحصار الغربي
على أن هذه السردية التاريخية تقفز فوق حقائق أساسية هامة. فحلف الناتو الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية لمواجهة الاتحاد السوفياتي مازال قائماً، ويزداد اتساعا وامتداداً وقوة، فيما انفرط حلف وارسو الذي شكلته موسكو وانضم كثير من أعضائه في اوروبا وآسيا الى المعسكر المقابل، سواء في الناتو أم في الاتحاد الاوروبي.
استغل الغرب ضعف الروس في التسعينات ومطلع الألفية الثانية وتخليهم عن الأممية الشيوعية، فنصبوا قواعدهم النووية في بلدان مجاورة لروسيا. ولم يكفهم ذلك، فأشعلوا التظاهرات في أوكرانيا في ما سمي بالثورة البرتقالية عام 2004. فشل النظام الجديد في تحقيق وعوده، تحت الضغط الروسي المتواصل، فعاد النظام السابق الموالي لموسكو، وقمع الانتفاضة وطرد الغرب. اشتعلت الثورة من جديد وأعادت الحكم الموالي للغرب، ولايزال.
الرد الروسي
كان الرد الروسي بغزو شبه جزيرة القرم الاستراتيجية الواقعة في البحر الاسود، في 2014، حتى لا تقع في يد المعسكر الغربي. وكان رد الناتو بعرض عضويته على أوكرانيا ما يعني أن تصبح العاصمة موسكو على مرمى حجر من الصواريخ النووية الأميركية. وأخيراً جاءت الحركة الأخيرة للاعب الشطرنج الروسي بتحريك فرسانه ليحاصروا الملك.
إذن نحن أمام لعبة أمم من الطراز الأول، فاللاعب الروسي المتمرس يستعرض مهاراته على لاعب غربي بعد آخر، ويستعيد بحركة احترافية بعد أخرى بعضاً مما خسره سلفاه ميخائيل غورباتشوف وبوريس يلتسن. الفارق هنا مع الشطرنج أن قوانين اللعبة السياسية العظمى تصمم على مقاس اللاعبين وبحسب أهوائهم ومصالحهم. فليس هناك في الاتفاقيات الدولية ما يحكمّها.
أزمة كوبا
ومادمنا في سياق المقارنات، فقد كادت إدارة جون كيندي تشعل الحرب العالمية الثالثة عندما حاصرت كوبا القريبة من السواحل الأميركية، ومنعت وصول السفن اليها، بعد أن اكتشفت وجود قواعد صاروخية سوفياتيه فيها عام 1962.
ليس هناك في القانون الدولي ما يمنع ذلك، فأميركا سبق أن نصبت صواريخ مماثلة في تركيا المجاورة لروسيا. ومع ذلك، سن كل طرف قوانينه، وانتهت المشكلة بإتفاق سري الزم الطرفين بسحب صواريخهما من كوبا وتركيا معا.
الخط الأحمر
عندما يتعرض الأمن القومي للخطر، فلا قوانين على وجه الأرض تقف أمام الدولة المستهدفة لحماية أمنها. فلما وثقت واشنطن علاقاتها العسكرية بتايوان انتفض التنين الصيني وواجه هذه المهددات، ولايزال. وعندما تغولت إيران في الحديقة الخلفية للسعودية ودول الخليج العربي، تصدى لها التحالف العربي، ولايزال.
ولذلك لا أرى لأزمة اوكرانيا مخرجاً إلا ذلك الذي يأخذ في الاعتبار هواجس موسكو الأمنية وضمان عدم انضمام أوكرانيا الى حلف الناتو أو الاتحاد الاوروبي، والامتناع عن نصب القواعد العسكرية فيها، هو الثمن الوحيد الذي سيقبله بوتين لوقف التصعيد والامتناع عن زعزعة أمن كييف والتدخل في شؤونها. وبغض النظر عن المقارنات التاريخية التي يرددها الغربيون هذه الأيام، فالواقع مختلف. ومن زواية موسكو، فإن الغرب هو المتعدي والمتجاوز والمهدّد للأمن والسلم في منطقة نفوذ روسيا وأمنها، وليس العكس.
خيارات الحل
هل هي حرب عظمى ثالثة إذاً؟ لا أتصور. فالعالم، وبخاصة المسرح الأوروبي لا يحتمل حرباً لا تبقي ولاتذر، ولا تزال ذكرى الحربين الأخيرتين حاضرة. وأميركا لا تقوى على مواجهة نووية مع دولة تستطيع الوصول الى قلبها. وبقاء الوضع على ما هو عليه يوتّر أسواق العالم وأمنه، ويرهق الجميع. فالمقاطعة والعقوبات الغربية ستزيد الضغوط على الاقتصاد الروسي، وقطع الغاز سيثقل الاقتصاد الأوروبي، ويرفع أسعار الطاقة على الدول المستهلكة.
ولذا فإن الخيارين المتاحين للخروج من الأزمة: الخيار الأسرع والأسلم هو القبول باتفاقية مع موسكو تمنع انضمام كييف الى الناتو ولو لفترة محددة (25 عاما بحسب طلب بوتين، كما تردد) وعدم بناء قواعد بحرية أو جوية أو برية أجنبية، وعدم نصب صواريخ باليستية ونووية على الأراضي الأوكرانية. وفي المقابل تنسحب روسيا من الحدود وتتعهد عدم التدخل في شؤون كييف، أو دعم الانفصاليين والانقلابيين.
وإما استمرار حصار النفس الطويل، وتحريض المناطق التي توجد فيها اغلبية من أصول روسية على الانفصال، وإثارة الاضطرابات الداخلية التي تضمن عدم استقرار البلاد، حتى يتحقق وصول قيادة موالية لموسكو.
وفي تصوري أن الأقدر على تحمل الألم في تحدي عض الأصابع هو من سيكسب الجولة الراهنة. أما المباراة فأمدها طويل.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة
4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
لبنان
4/22/2026 10:26:00 PM
ما حصل مع آمال خليل قبل الاستهداف: تسلسل يكشف "جريمة موصوفة" بحق صحافيين في الطيري
لبنان
4/22/2026 10:39:00 PM
السفارة الأميركية في بيروت تدعو رعاياها لمغادرة لبنان فوراً، محذّرة من مخاطر أمنية متصاعدة تشمل الإرهاب والخطف والاضطرابات.
نبض