أعلنت حركة "طالبان" سيطرتها على إقليم "الأسود الخمسة" (بانشیر) في أفغانستان، آخر معقل للمقاومة المسلحة والعرقية.
ويتمتع هذا الإقليم بطبيعة جبلية وعرة؛ ما يجعله منطقة حصينة؛ ولكن الحصار المميت الذي فرضته "طالبان"، كان كافياً لسقوطه، إلى جانب الدعم العسكري والاستخباري الذي قدمته باكستان لـ"طالبان".
حكومة ملال
وعدت "طالبان" بتشكيل "حكومة شاملة"، منفتحة على كل مكوّنات الشعب الأفغاني؛ غير أنها أعلنت، الثلثاء 7/9/2021، تشكيل حكومة تسيطر عليها الوجوه الطالبانية والبشتونية؛ ما يدل الى أن "طالبان" تتجه إلى تأسيس "دولة ملال"؛ ومن ثم، مَن يريد المشاركة في الحكم من مكوّنات الشعب؛ فعليه أن يدين بالولاء أولاً للنظام الذي فرضته "طالبان". وهذا الأمر يهدد سلامة الوحدة الوطنية وفرصة لإشعال الحرب الأهلية.
ومن الغريب أن تتم مراسم أداء هذه الحكومة القسم يوم 11أيلول (سبتمبر)، ذكرى هجوم "القاعدة" على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك.
اتّفقوا على الصّمت
لم تحرك دول جوار أفغانستان ساكناً ضد انتهاكات "طالبان" في بانشير، واكتفت بالتنديد؛ لأنها لا تريد أن تخسر "طالبان". ولذلك، تدرك "طالبان" أن دول الجوار في حاجة إلى استقرار أفغانستان؛ ومن هنا يمكنها الحصول على اعتراف إقليمي بحكومتها، ولذلك دعت كلاً من روسيا والصين وقطر وتركيا وباكستان وإيران للمشاركة في مراسم تحليف حكومتها.
ولذلك أيضاً، عقد وزير الخارجية الباكستاني محمود قريشي، يوم الأربعاء 8/9/2021، اجتماعاً افتراضياً، شاركت فيه كل من إيران والصين وطاجكستان وأوزبكستان وتركمانستان. وكان الهدف منه الدفع للاعتراف بحكومة "طالبان"، وكونها حكومة "موقتة"؛ فهذه فرصة للاعتراف من دون أي حرج من المجتمع الدولي.
وجعل الاتفاق على ضرورة رحيل أميركا والخوف من تقسيم أفغانستان على المستقبل الاقتصادي للمنطقة، وتأكيد خطورة أن تتحول أفغانستان بؤرة للإرهاب، دول الجوار تأخذ موقف المتفرج مما يحدث في إقليم "بانشیر" وعموم أفغانستان.
دوافع باكستان
يدعم وجود حكومة إسلامية في أفغانستان "القومية الإسلاميّة" التي تتبناها باكستان؛ ومن ثم يساعدها على التصدي للحركات القومية العرقية الانفصالية في الداخل. ويضمن لها تبعية أفغانستان. ولذلك لم تكن لتسمح بوجود حكومة شبه مستقلة في إقليم "بانشير".
كما أن وجود حكومة إسلامية صديقة؛ يعزل أفغانستان عن الهند، العدو اللدود لباكستان.
إلى جانب أن وجود حكومة مستقرة في أفغانستان يدعم مصالح باكستان التجارية والطاقوية مع دول آسيا الوسطى.
دوافع الصّين
يمثل الانسحاب الأميركي فرصة للصين لتحقيق مصالحها الأمنية والاقتصادية في جارتها الغربية أفغانستان. كما أن إيجاد حكومة واحدة ومستقرة في أفغانستان يدعم تحقيق هذه المصالح.
تستثمر الصين علاقاتها مع باكستان (كلاهما مناوئ للهند) في إدارة مصالحها داخل أفغانستان، ومن ثم فإن استقرار هذا البلد؛ يدعم مشروع الممر الاقتصادي الذي يربط الصين بالمحيط الهندي عبر باكستان. كما تعتبر أفغانستان جسراً مهماً نحو آسيا الوسطى وجنوب آسيا والشرق الأوسط.
تدرك الصين حاجة "طالبان" للاعتراف الدولي بحكومتها؛ وهذا يساعدها على تحييد "طالبان" عن دعم الحركات الانفصالية الإسلامية في إقليم شينجيانغ. كما تستثمر هذه الحاجة، في الاستثمار داخل أفغانستان في مجالات المعادن والنفط.
كما أن حاجة أفغانستان لتسليح الجيش وتدريبه، فرصة للصين لبيع أسلحتها وإرسال مستشاريها العسكريين، وربما الحضور في قاعدة "باغرام" التي أخلتها القوات الأميركية.
وتشارك روسيا الصين في دوافعها؛ بخاصة أن كلاً منهما مناوئ للولايات المتحدة، ولديه مخاوف أمنية من عدم استقرار أفغانستان، إلى جانب طموحاتهما الاقتصادية والعسكرية في هذا البلد، وعلاقاتهما القوية مع باكستان.
دوافع إيران
تعتبر إيران أن رحيل القوات الأميركية من أفغانستان هو بمثابة الغنيمة الأكبر لها. ورغم أن صعود "طالبان" السنّية يخلّ بالتركيبة الإثنية داخل أفغانستان، ويضر بالإثنية الشيعية الموالية لإيران، لكن طهران لم تقدم يد العون للمقاومة في بانشير؛ لأن هناك إجماعاً من دول الجوار على عدم المخاطرة والدخول في حرب مع "طالبان" قد تقود إلى حرب أهلية تهدد استقرار أفغانستان.
كما أن إيران لديها مخاوف من وجود فخ أميركي، وهو تحوّل أفغانستان قاعدة لتنظيم "داعش"، بما يهدد استقرار الأراضي الإيرانية، بخاصة في المناطق السنية على الحدود الأفغانية.
كذلك، لا تريد إيران خسارة "طالبان"، بما يجعلها قوة مناوئة لإيران الشيعية في يد الدول الخليجية السنية.
أيضاً، وجود حكومة إسلامية في كابول، يعزز من مقاومة إيران في وجه القوى الغربية.
إلى جانب أن طموحات إيران التجارية والاقتصادية والاستثمارية في أفغانستان، وآمالها في إحياء "ممر الشمال - الجنوب"، وربطه بآسيا الوسطى وطريق الحزام والطريق الصيني؛ تحتاج إلى حكومة مستقرة في أفغانستان.
دوافع طاجكستان وأوزبكستان وتركمانستان
رغم أن رئيس طاجكستان إمام علي رحمان أمر بمنح وسام بلاده إلى قياديين أفغانييْن راحليْن مناهضيْن لحركة "طالبان" هما أحمد شاه مسعود وبرهان الدين رباني. ورغم أن إثنية الطاجيك هي قاسم مشترك مع إقليم بانشير؛ إلا أن هذه الدول الثلاث المجاورة لأفغانستان، جمعتها أوضاعها الاقتصادية الحرجة، ومخاوفها الأمنية من تفجر الأوضاع هناك، وانعكاس ذلك على أمنها الداخلي، وحاجتها لاستقرار أفغانستان، الى ضمان استمرار حركة التجارة من منطقتها آسيا الوسطى تجاه باكستان وإيران ومنطقة المحيط الهندي، كما يمثل استقرار أفغانستان فرصة لانتقال غاز آسيا الوسطى باتجاه باكستان والهند، إلى جانب خضوعها لمصالح مشتركة مع الصين و"منظمة شانغهاي للتعاون". وكل هذا دفعها الى عدم الانخراط في صراع مع "طالبان"؛ رغم مخاوفها منها.
قطر وتركيا
يمثل الاقتراب من "طالبان" فرصة لهذين البلدين؛ فهناك مصالح اقتصادية كبيرة لهما داخل أفغانستان. إلى جانب علاقاتهما القوية مع باكستان. كما أن هذا الاقتراب يمنحهما زعامة في العالم الإسلامي، إلى جانب كسب ورقة سياسية في خدمة المصالح الأميركية؛ إذ إن وجودهما يملأ الشاغر الأميركي، ويجعلهما بمثابة جسر بين الولايات المتحدة و"طالبان"، ويمنع الصين من التفرّد بأفغانستان.
الخلاصة
- إن كل دول الجوار الأفغاني والقوى الإقليمية؛ مضطرة للاعتراف بحكومة "طالبان" خشية وقوع حرب أهلية تهدد الاستقرار في أفغانستان.
- إن طبيعة "طالبان" المتشددة؛ قد تفضي إلى تشكيل حكومة غير مقبولة شعبياً؛ ما يدفعها إلى الاستقواء والارتباط بكل القوى التي لها مصالح داخل أفغانستان.
- سيظل السؤال: هل "طالبان" قادرة على تشكيل نظام قادر على البقاء والاستمرار وتحقيق مصالح القوى الإقليمية من استقرار أفغانستان؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ايران
6/15/2026 6:33:00 AM
اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يشمل وقف الحرب في لبنان... والتوقيع في جنيف الجمعة: ما أبرز بنوده؟
علامَ ينصّ الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران؟
لبنان
6/15/2026 7:58:00 AM
إعلام عبري: نتنياهو لن يلتزم بالاتفاق الأميركي - الإيراني في لبنان
رياضة
6/4/2026 1:31:00 AM
فازت إيطاليا على لوكسمبورغ 1-0 في مباراة ودية، حيث سجل إسبوزيتو الهدف الوحيد في أول ظهور للمنتخب بعد الإخفاق في التأهل لمونديال 2026
رياضة
6/9/2026 10:20:00 PM
لم يشهد تاريخ كأس العالم سوى حالة واحدة فقط واجه فيها شقيقان بعضهما البعض
نبض