الصفعة التي وجهتها الإدارة الأميركية لمبادرة ايمانويل ماكرون اللبنانية، سمع دويّها في أرجاء الإقليم. صحيح أنها يمكن أن تفسر، تفاؤلًا عند البعض، على أنها سند إضافي لمحاولة التغيير لبنانياً، لكنها أخطر من ذلك.
قرار فرض العقوبات على وزيرين لبنانيين سابقين، "لدعمهما حزب الله"، غزوة سياسية أميركية مباغتة في اللحظات الأخيرة التي تسبق تشكيل حكومة مصطفى أديب. غزوة لا تعرقلها، لكنها تفرض بوصلة جديدة للعمل الآن وغداً.
الغزوة الأميركية رسالة سياسية بأن المعايير للحل اللبناني أميركية، وليست فرنسية. سيأتي ماكرون في زيارته الثالثة قريباً، ليشاهد ذلك بأم العين. فكرة إخراج "حزب الله" من المعادلات الحكومية وحساباتها، قديمة نسبياً، لكن الغزوة تضعها موضع التنفيذ عبر القانون الأميركي العابر للمحيطات لإقصاء "الحلفاء" الممثلين بتيار المردة وحركة أمل... وغداً قد يتم إدراج غيرهم.
إذاً، رسخت وزارتا الخزانة والخارجية الآن للمرة الأولى معادلة إبقاء الحزب والمقربين منه، خارج التشكيلات الحكومية. أو لعلها وضعت "البطاقة الحمراء" تحسباً لمن قد يتجرأ غداً. فأي رئيس حكومة سيأتي، سواء بحكومة مصطفى أديب المرتقبة، أو من سيأتي من بعده، سيجازف سياسياً بضم وزراء للحزب أو مقربين منه الى حكومته؟ وذلك بانتظار أن نفهم أيضاً ما اذا كان لهذا القرار تداعياته مستقبلاً على مرشحي رئاسة الجمهورية.
هذا أولاً. أما ثانياً، فإن الوزارتين الأميركيتين، ثبتتا الآن مبدأ "المساواة السياسية" ما بين الرؤية الاميركية للحزب وبين كل من يضع يده لبنانياً معه، سواء في تشكيلات الحكومات أو الهيئات الحكومية والاقتصادية الاخرى.
الجانب الأكثر خطورة في هذه النقطة لم يلتفت اليه كثيرون. ففي جوهر الحملة الدعائية الإسرائيلية ضد لبنان منذ ما بعد عام 2006، والتي صدرت على ألسنة كبار المسؤولين الإسرائيليين وجنرالات الجيش والأمن، انكباب على تبديد الهوامش والمساحات التي ترسم فاصلا ما بين الدولة اللبنانية وبين الحزب، وان أي مواجهة عسكرية مستقبلاً، يجب ألا تحيد فيها الدولة ومنشآتها ومصالحها من الاستهداف.
وبهذا المعنى، فإن تغليب الفكرة الاسرائيلية حول "المساواة عسكرياً" بين الدولة والحزب، بإلغاء خطوط التمايز نهائياً، نقلة نوعية في أدوات الصراع، لأنها تتلاقى في هذه اللحظة مع فكرة "المساواة السياسية" التي تبنتها واشنطن.
خلق الأميركيون الآن مساحة كباش سياسي طويل الامد في لبنان، يضع "فيتو" إشكالياً على الحكومات المستقبلية، وقد يعمق التجاذبات الداخلية، من جانب حزبين يعتبران نفسيهما، في صميم التركيبة اللبنانية الممثلة شعبياً، وبين قوى لبنانية اخرى، قد تتسلح بقرار وزارتي الخارجية والخزانة التي قال وزيرها ستيفن منوتشين إن "الولايات المتحدة تدعم شعب لبنان في مطالبته بإصلاحات، وستواصل استخدام كل السبل المتوافرة لديها لاستهداف من يقمعونه ويستغلونه".
دخلنا بذلك مرحلة جديدة. "دبلوماسية التراكم" العقابي. لكن هل انتهت اللعبة؟ ربما لا. ستحمل الادارة الاميركية الجديدة مع بداية العام 2021، سواء بقي دونالد ترامب رئيسا أو خلفه جو بايدن، هذا القرار وما قد يتبعه من قرارات اخرى، أسوة بعقوبات أميركية سابقاً طالت عشرات اللبنانيين (ولم يحرك أحد ساكناً)، لتبقيها كسلاح ابتزاز ثابت.
صحيح ان الديموقراطيين والجمهوريين لا يتمايزون كثيرا في ما يتعلق بنظرتهم الى لبنان، ويتفقون على عدائهم للحزب، لكن توسيع "بيكار" العقوبات لتطال مقربين منه على مستوى وزراء في هذه اللحظة بالذات، ينم عن تناغم أكثر وضوحاً مع الرؤية الاسرائيلية كما أشرنا. وهذا مكمن الخطر.
دونالد ترامب لا يعرف علي حسن خليل ولا يوسف فنيانوس، لكن "هيئة التحكم بالاصول الاجنبية (OFAC)" التابعة لوزارة الخزانة الاميركية، تعرفهما تماما على الصعيد المالي منذ ان صار باب البلاد مشرعا ماليا واقتصاديا... وأمنيا. لكن سياسيا، السفارة الاميركية ودائرة الشرق الادنى في وزارة الخارجية تعرفهما. الالتصاق برؤية اسرائيل للازمة اللبنانية مهم.
وهنا يأتي دور مايك بومبيو ومايك بنس. وبينما يتصارع ترامب مع زلاته وإخفاقاته الداخلية استعداداً للمعركة الانتخابية، يحرص بومبيو وبنس على "أدلجة" السياسة الاميركية ومصالحها المرتبطة وفق رؤيتهما "المتدينة" المتمثلة بالتيار "المسيحي الصهيوني". ترامب ليس ايديولوجيا. بومبيو وبنس غارقان تماما في هذا التيار النافذ في أوصال الايستابليشمانت" الاميركية.
ترامب رجل أعمال منشغل الآن بفك الارتباط مع الاقتصاد الصيني والمناكفات مع بايدن والولايات المتأرجحة، وهو بالكاد يستوعب ما يجري في شرق سوريا حيث له جنود وحيث "لا شيء هناك سوى الرمال والموت" كما قال، فما بالك بزواريب لبنانية؟
النبوءة التوراتية تستهوي بومبيو وبنس بعمق. الارتباط بإسرائيل ومصالحها أبعد بكثير من مفاهيم السياسة التكتيكية وأهدافها. القدس والجولان والضفة بهذا المعنى، تمنح لإسرائيل كواجب ديني عقائدي.
إنه قدر إلهي. هناك صراع أكبر من "تهمة" فنيانوس وخليل. وباب العقوبات مشرع الآن بحسب الشهية الاميركية. هذه حقيقة. المفجع في المسألة أن واشنطن تستسهل معاقبة العالم، لكنها لا ترفع عقوباتها أبدا... حباً وطواعية.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
مجتمع
5/15/2026 11:54:00 AM
فيديو يظهر إشكالاً في الناعمة يتطور لتضارب ودهس، مما يؤدي لمقتل امرأة وإصابة آخرين.
نبض