08-09-2022 | 12:15

دموع الصدريين

لم يذرف الصدريون دموع الألم والانكسار منذ سنوات كثيرة... ربما كانت آخر نوبة نحيب صدري أواخر التسعينات من القرن الماضي حين اغتيل مؤسس الحركة الصدرية المرجع محمد صادق الصدر، لكنها رغم فداحة الحدث، لم تكن أقسى من الأيام الماضية على أبناء التيار.
دموع الصدريين
Smaller Bigger
لم يذرف الصدريون دموع الألم والانكسار منذ سنوات كثيرة... ربما كانت آخر نوبة نحيب صدري أواخر التسعينات من القرن الماضي حين اغتيل مؤسس الحركة الصدرية المرجع محمد صادق الصدر، لكنها رغم فداحة الحدث، لم تكن أقسى من الأيام الماضية على أبناء التيار.
 
في مساء بارد عام 1999، شاهد الصدريون على القناة الرسمية، سيارة زعيمهم، وقد مزقها الرصاص. لم يكن الصدر الثاني بالنسبة إلى أتباعه مرجعاً شيعياً يعودون له في الزواج والطلاق و"مواعيد الأهلة"، بل أبٌ دفع ملايين المحرومين والمهمشين إلى إطلاق أكبر تنظيم بغطاء ديني في البلاد، لا يستقطب المؤمنين بأفكاره الدينية بالضرورة، بل المنتمين إلى طبقته الاجتماعية، فكان "تيار الفقراء". مع هذا، فإن لحظة اغتيال الصدر لم تبقَ حبيسة الألم، بل انطلقت إلى الغضب الذي تمظهر بانتفاضة وعمليات انتقامية ضد نظام صدام حسين، نفّست الغيظ.
 
خلال مسيرة التيار الصدري بنسخته "المقتدائية" بعد العام 2003، مرّ الصدريون بأطوار عاطفية عدة، الحماسة والاندفاع، الانتصارات، الخوف والترقب، العزلة الاجتماعية، الرفض، والهزائم السياسية أو العسكرية، لكن الحزن لم يسبق أن خيّم على الصدريين كما هو حالهم منذ مساء الاثنين 29 آب (أغسطس) الماضي.
 
في كل هزائمهم أو إخفاقاتهم، كان لدى الصدريين عزاء أو تفسير، فهم متفهمون أن هزيمتهم عام 2008 كانت بعد سنوات من سيطرتهم على المدن العراقية وفرضهم الأحكام العرفية الدينية على السكان. أشعرتهم الهزيمة العسكرية بالإذلال، لكن ليس الحزن، أما الإخفاقات اللاحقة، سياسياً أو اجتماعياً، فقد كانت تحفّز الصدريين على المضي قدماً لتحقيق ما يريدون.
وحتى حين سقط متظاهرون من التيار قتلى أثناء اقتحام المنطقة الخضراء صيف 2016 لم يكن الأمر محزناً قدَر كونه دافعاً للتحدي ومواصلة طريق الضحايا، وبعد أن أنهى الصدر اعتصامه الشخصي أمام المنطقة الخضراء ربيع العام ذاته من دون تحقيق أي "نصر"، كان الصدريون ينتظرون الخطوة المقبلة.
 
بعد كل قرار غامض من الصدر، مثل التحالف مع الفصائل عام 2018، أو الجلوس أسفل كرسي علي خامنئي خريف 2019، أو إعلان تشكيل "أفواج المقاومة الدولية" لتحرير فلسطين، ثم قتل متظاهري تشرين عام 2020، وصولاً إلى استقالة الصدريين من البرلمان، كان ثمة صوت يتردد بين الصدريين... أن "القائد لديه خطة"، أما بعد زج الصدر بمسلحيه وسط المعتصمين، فقد رفع كثير منهم صوته للمرة الأولى... "القائد أفسد الخطة".
 
يُوجه الصدر أتباعه عبر صفحة بديلة عن صفحته الرسمية، تحمل اسم "صالح محمد العراقي"، يستخدمها لكتابة ما ينوي التراجع عنه، أو ما لا يريد أن يخرق "برستيج" صفحته الشخصية به، مثل كتابة الشتائم أو الأكاذيب أو التوجيهات الميدانية ذات التبعات الجرمية.
منتصف العام 2019، نشب خلاف غامض داخل الصف الأول في التيار. وجّه الصدر أتباعه عبر صفحة "العمليات السيئة" بمهاجمة مجمع تجاري على صلة بشخصية صدرية في النجف، وتسبب ذلك بسقوط قتيل، بقيت أمه توقد الشموع عند موقع مذبحه شهوراً... ولا تدري لأجل مَن فقدته، فسرعان ما سوّى الصدر خلافه.
 
أقحم الصدر مسلحيه في المنطقة الخضراء على معتصميها الصدريين السلميين، الذين دافعوا طيلة أشهر عن سلميتهم، وبقي يتابع قتل أتباعه حتى الصباح من صفحته البديلة، من دون اكتراث لدماء أنصاره، تماماً كما تابع مقتل "شهيد المجمع التجاري".
 
لم يعتذر الصدر عن إدارته السيئة، ولا مقامرته بأحلام جمهوره، ولا إفساده سلمية الصدريين الفائقة، بل خرج في مؤتمر صحافي، متظاهراً أنه لم يكن هو من أمر المسلحين بالتدفق إلى المنطقة الخضراء! ووبخ المعتصمين الذين ما زالوا يلملمون أشلاء رفاقهم، ويجرّون حطام حلم سقوه بالعرق والصمود والسلمية حتى اللحظة الأخيرة.
 
في المثل الشعبي "إن كبر ابنك خاويه"... لكن الصدر لا ينفكّ يُظهر خشيته من أن يكبر أبناؤه، يواظب على كسرهم، وضمان أنهم سيبقون إلى الأبد، حشوداً من الأميين منزوعي الشخصية وعديمي الأهداف، ما خلا الطاعة، تماماً كما أحبهم بعد العام 2003، لكن "العيال كبرت" وأصبح بين صفوف التيار أكاديميون وكفاءات، يفوقون زعيمهم اتزاناً وحكمةً وقدرة على التفكير الجماعي والحوار، وهو ما لا يعجب الزعيم.
 
يقول صدريون أنهم أنجزوا للصدر كل ما يحلم به أي زعيم، تدفقوا إلى صناديق الاقتراع، ووزعوا أصواتهم بدقة وحسب الأوامر على مرشحين لا يعرفونهم. منحوا زعيمهم أكبر كتلة برلمانية، تظاهروا وانسحبوا، ثم اعتصموا وصمدوا على الإسفلت تحت شمس العراق، من دون سقف يظللهم، وحافظوا على السلمية، وخاضوا مواجهة قاسية ضد أسطول الإعلام الإيراني الذي أغرق الشاشات والصفحات باحتقار الصدريين والتقليل من شأن ثورتهم.
 
تعامل الصدريون أيضاً على مدى أشهر، مع أطول استجواب شعبي لاختبار صدق ثورتهم، واضطر شبان من التيار، من مواليد العام 2005، لمناقشة علاقة الصدر باغتيال عبدالمجيد الخوئي عام 2003، أو مجازر جيش المهدي عام 2006، أو الدفاع عن قائمة طويلة من الجرائم والانتهاكات المتصلة بالصدر، والتي لم يكن هؤلاء الشبان جزءاً منها، وقد لا يفهمون حتى دواعيها حتى الآن، كما في قرار الصدر توجيه أنصاره لمهاجمة متظاهري تشرين، شتاء 2020.
 
واجه الصدريون الحالمون النظام، وفي الأثناء كانوا يدفعون أيضاً ضريبة تركة الصدر الثقيلة، وفي نهاية ملحمتهم، لم يحصدوا سوى إساءات زعيمهم.
 
بعيداً من الشباب، وقريباً من كبار القادة، يقول مسؤولون في التيار إن لا شيء سيصحح سلسلة خطايا الصدر، وعلى رأسها الزج بالمسلحين وتشويه الثورة السلمية. فالمطالبة بحل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة أخرى ربما كان هدفاً مفهوماً قبل الاثنين الدموي، لكنه لم يعد أمراً مجدياً، فالقاعدة الشعبية ليست محبطة فحسب، بل فاقدة للثقة بتوجيهات زعيمها كما لم تكن يوماً، والتقييم الشعبي لأهلية الصدر في قيادة "تيار وطني" في أدنى مستوياته.
 
لم تكن هجمات فصائل إيران تزيد الصدريين إلا ثباتاً وصموداً وحفاظاً على السلمية، لكن فقدان الثقة الذي تسببت به ارتجالات الصدر الكثيرة واللامسؤولة، قد يعني كثيراً بالنسبة إلى مستقبل خريطة السياسة العراقية، فدموع الصدريين مختلفة هذه المرة.
 
لا يستمد الصدر قوته من عدد أنصاره فحسب، بل من عدد المتطوعين الذين يستجيبون لدعواته، ويدافعون عن خطواته في الإعلام وصفحات التواصل، وإذا كان إعلان الانسحاب من التيار متعذراً بالنسبة إلى كثيرين لأسباب أمنية أو اقتصادية أو اجتماعية، فإن قرار تخفيف التفاعل مع أي دعوة مقبلة، يغدو أيسر ردود الفعل بالنسبة إلى شريحة كبيرة من الصدريين المحبطين.
 
يبحث الصدر منذ سنوات عن أسباب فشل ثوراته الكثيرة التي يديرها من غرفته الآمنة، يفتش عن دور للصهيونية العالمية، والإلحاد والمثلية، و"الجوكرية" والمنحرفين "والعلمانيين المتطرفين"، و"يدافع عن كل قضايا الكون ويهرب من وجه قضيته الأكبر"، وهي مقتدى الصدر.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 5/18/2026 12:00:00 AM
تحدثت معلومات ديبلوماسية عن أنّ لبنان تبلّغ عبر سفارته في واشنطن طرحاً يرتبط بمساعٍٍ لتحقيق وقف تام وشامل لإطلاق النار خلال 24 إلى 48 ساعة من منتصف ليل السبت - الأحد بين "حزب الله" وإسرائيل...
مجتمع 5/18/2026 8:51:00 AM
حضرت القوى الأمنية والأدلة الجنائية إلى المكان للتحقيق
مجتمع 5/18/2026 10:32:00 AM
البطريرك المزعوم جان عبود هو كاهن روم كاثوليك سابق تابع لأبرشية طرابلس، كان قد تم توقيفه من الخدمة الكهنوتية وفُرضت عليه العقوبات الكنسية.