08-02-2022 | 19:01

الشعوبية العربية "الإلكترونية"

من الأقوال المأثورة "تعُس من لا سفيه له"، بمعنى أن القبيلة أو الذات المرموقة لا يليق بها الرد على سفهاء الناس، ولذا توكل المهمة الى سفهائها، والسفيه هنا هو سفيه العقل، وينطبق ذلك على قليلي العلم والحصافة، كبارا وصغارا. كما يقوم بالمهمة نفسها الشعراء في زمن، والمسرحيون والفنانون والأدباء في زمن آخر.
الشعوبية العربية "الإلكترونية"
Smaller Bigger
من الأقوال المأثورة "تعُس من لا سفيه له"، بمعنى أن القبيلة أو الذات المرموقة لا يليق بها الرد على سفهاء الناس، ولذا توكل المهمة الى سفهائها، والسفيه هنا هو سفيه العقل، وينطبق ذلك على قليلي العلم والحصافة، كباراً وصغاراً. كما يقوم بالمهمة نفسها الشعراء في زمن، والمسرحيون والفنانون والأدباء في زمن آخر. 

وميزة ترفّع النخب القيادية عن الانخراط في مثل هذه المعارك، أنه إذا اجتمع كبار القوم للتصالح سهل عليهم ذلك، طالما لم يقل أو يفعل أحدهم ما يستحق الاعتذار والتراجع عنه. ويتبع ذلك أن يستدعي كل سفيهه، ويتحول به لمواجهة من لم يصالحه بعد.   

سفاهة الإعلام
وفي العصر الحديث تولى الإعلام مهمة السفاهة. فسلطت الحكومات كتابها وشعراءها وقنواتها وصحفها على خصومها في حملات تستعر حتى تحسب أنها لن تنطفئ. ثم تحل الخلافات ويجتمع القادة، ويصمت السفهاء، أو ينتقلون من فصل السباب الى فصل الثناء، وبينهما، ربما، بعض تفسير لهذا التحول المفاجئ!

وبعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وارتفاع شعبية منصاته الدولية، كـ"تويتر وفايسبوك والواتس وتليغرام"، لم تعد الحملات محصورة بالقنوات الرسمية أو شبه الرسمية، ولم تعد بحاجة لتوجيه مباشر، فيكفي تسليط الضوء على أنشطة اعداء الوطن وتجاوزاتهم ليتولى كل وطني الرد عليها. ويكفي تبني شخصيات مؤثرة وتمرير رسائل توجيهية وتحريضية عامة، ليلحق القطيع. 

قرصنة الرأي
التحدي الذي واجه الموجهين للرأي العام هو أن الساحة مفتوحة وسهلة الاختراق. وقد تطورت قدرات الخصوم على التلاعب بالرأي العام المحلي والدولي، من خلال نشر الأخبار المضللة، وتبني حملات منظمة، وقرصنة حسابات ومواقع وخوادم "سيرفرات" رسمية وتجارية وخاصة، وسرقة معلومات يمكن بها التأثير في الانتخابات لمصلحة مرشح أقل عداء لحكومة القراصنة. 

ولم تنحصر الحروب السيبرانية في الدول الأكثر تقدماً تقنياً، فقد انتقلت الظاهرة الى الدول النامية، وبات لكثير من دولها جيوش من القراصنة ومراكز متخصصة في توجيه الجماهير باستخدام الحملات المنظمة، أو ما يسمى "الذباب الإلكتروني". ولم تعد القنوات الإعلامية التقليدية تكفي وحدها لصناعة الرأي العام، أو الدفاع عن المصالح الوطنية، أو السياسة الرسمية، فانتقل الجميع جزئياً أو كلياً الى فضاء التواصل المفتوح بكل اللغات والأساليب والأدوات المتاحة. 

خير وشر
ليس الهدف من هذه المقدمة الإيحاء بأن ما حدث شرٌ كله، فالعبرة بالنتائج. إذ إن هناك من استفاد من هذه المنصات في الترويج لمنجزات ومشاريع ورؤى مستقبلية تشحذ بها الهمم وتجتمع الإرادة، وتوجه بها الجموع الى الهدف. وهناك من ركز على توحيد الفئات المختلفة والالتفاف حول راية الوطن، والدفاع عنه في وجه المهددات الداخلية والخارجية. وكذا استفادت بعض الحكومات من منصات التواصل للتوعية والتعليم والثقافة العامة. ومواجهة الإشاعات والتضليل والتدخلات الخارجية. واستخدمته الشركات والمنظمات والباعة للترويج والدعاية. 

كل ما سبق مشروع، طالما أن أهدافه مشروعة، مع الأخذ في الاعتبار طريقة التنفيذ. فإذا آمنا بأن الغاية لا تبرر الوسيلة، وإذا اتفقنا على أن قيم المجتمع وأخلاقه يجب أن تحكم كل أداء وأداة. وإذا اعتبرنا الحكمة حكماً مُحكّماً لكل ما سبق. فعلينا أن نراجع بوعي يفوق الحماسة أسلوب الحملات الإعلامية والسيبرانية ونتاجها في السنوات الأخيرة. 

عودة الجاهلية
ففي أوروبا وأميركا وروسيا والهند وبعض بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا، انتشرت العصبية العرقية والدينية الى مستويات لم نشهدها منذ القرن الماضي على الأقل. ورغم أن العالم قطع مشوار السبعين عاماً من التصالح بين القوميات، والترفع عن العصبيات، والتسامح الديني، والحكم الديموقراطي. ورغم أن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وقيام الأمم المتحدة أسسا للدولة الوطنية، ووضعا لها الحدود الجغرافية والسياسية، وحرّما التجاوزات والتدخلات في شؤون الدول الأخرى. رغم كل ذلك، نشهد اليوم في كل مكان عودة للجاهلية، وعزفاً على أوتار القبلية، والطائفية، والدم والعنصر واللون، داخل الوطن الواحد وعبر الحدود. 

وكنتيجة، نشهد اليوم في بلداننا العربية تشتتاً وتباعداً وانقساماً خطيراً. فقد قررت الشعوب التي ألُف العرب صمتها الإعلامي والشعبي، وترفعها عن الرد على خصومها، وتجاهلها للنيل الإعلامي والخطابي من حكوماتها وتراثها ورموزها، أن تستفيد من عقود التعليم والتنمية والخبرة في التعامل مع وسائل الإعلام  الجديد فترد، وشعارها "الا لا يجهلنّ أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين". وهكذا تصاعد القصف المتبادل بين عرب الشمال وعرب الجزيرة العربية والخليج العربي، بين شعوب "محور المقاومة" و"محور الاعتدال". بين التقدميين من القوميين والبعثيين والناصريين واليساريين، "ورثة المستعمرين"، ومن يسمونهم "بدو ورعاة أبل وغنم". 


"القضية" الضحية!
الخسائر كبيرة، بخاصة على الفلسطيني الذي شاركت قياداته ورموزه ونخبه السياسية والفكرية والإعلامية، في هذه الحرب العبثية، من دون أن نسمع له اعتراضاً يعلو على صخب العابثين. فـ"القضية" التي ظلت محورية لسبعة عقود، تراجع الاهتمام بها الى تمسك أقلية، أغلبها من جيل في طريقه الى خط النهاية. وسادت قناعة بأن قضية القدس إسلامية، وبالتالي فالتمسك بها والدفاع عنها، لا يعنيان تبني القضية الفلسطينية، وخير لمشكلة القدس أن تحل في إطار اتفاق بين إسرائيل والدول الإسلامية، وأن يستعيد الأردن إدارتها، من أن تترك لقوى متصارعة، انتماءاتها خارجية، ومحركاتها مصلحية شخصية وأديولوجية، أثبتت فشلها في إدارة مناطق سيطرتها، وعلاقاتها العربية والدولية. 

والأخطر من ذلك، أن الكراهية أصبحت متبادلة بين النخب والشعوب العربية، فلم يعد الاحتقار والتحقير حكراً على أحد. ولم تعد الشعوبية والطائفية قضايا محلية. ولم تعد الحكومات تمنع أو تسيطر على حملات الكراهية والعداء بين العرب. والأسوأ من ذلك بتقديري، أن حكومات تتبنى وتدير وتوجه هذه الحملات، خدمة لأجندات أعجمية وأيديولوجية وذاتية ضيقة. 

لا أملك وصفة سحرية لمواجهة هذا التدهور السريع في الصف العربي، وهذا الانحدار الأسرع في الفكر العربي، ولكني أملك أن أصرخ منبهاً ومحذراً من هذا الانزلاق الذي يقودنا الى الهاوية. وأن أطالب النخب العربية بالبحث عن مخرج والحكومات والمؤسسات التعليمية والمنظمات العربية بالتدخل لإيقاف النزيف. فالفيروس القاتل الذي يهددنا ليس له لقاح إلا الحكمة، ضالة المؤمن، وفقيدة الأمة العربية. 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة 4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
لبنان 4/22/2026 10:26:00 PM
ما حصل مع آمال خليل قبل الاستهداف: تسلسل يكشف "جريمة موصوفة" بحق صحافيين في الطيري
لبنان 4/22/2026 10:39:00 PM
السفارة الأميركية في بيروت تدعو رعاياها لمغادرة لبنان فوراً، محذّرة من مخاطر أمنية متصاعدة تشمل الإرهاب والخطف والاضطرابات.