هنيّة في ضيافة نصر الله... إحدى نتائج زيارة ماكرون
في تآكلٍ لما تبقّى من السيادة اللبنانيّة، استقبل أمين عام "حزب الله" السيّد حسن نصرالله رئيس المكتب السياسيّ لحركة "حماس" اسماعيل هنيّة ليؤكّدا "متانة" العلاقة بين الطرفين، و"ثبات محور المقاومة وصلابته في مواجهة كلّ الضغوط والتهديدات والآمال الكبيرة المعقودة عليه".
في تآكلٍ لما تبقّى من السيادة اللبنانيّة، استقبل الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصر الله رئيس المكتب السياسيّ لحركة "حماس" إسماعيل هنيّة، ليؤكّدا "متانة" العلاقة بين الطرفين، و"ثبات محور المقاومة وصلابته في مواجهة كلّ الضغوط والتهديدات والآمال الكبيرة المعقودة عليه".
بينما يعمل "محور المقاومة" خارج الأطر السياديّة للدول التي ينتشر فيها، جاء لقاء أمس لتوجيه رسالة سلبيّة من داخل لبنان إلى دول خليجيّة وعربيّة بارزة، ترى في "حماس" فرعاً من فروع تنظيم "الإخوان المسلمين". وهو أمر قد يعرّض البلد المعزول أساساً للغرق في المزيد من العزلة عن محيطه. ووُجّهت رسالة ضمنيّة ثانية إلى الإمارات العربيّة المتّحدة بعدما أعلنت عن تطبيع العلاقة مع إسرائيل، علماً أنّ علاقات أبو ظبي الخارجيّة شأنٌ سياديّ خاصّ بها. وهذا يعيد إلى الواجهة مجدّداً إشكاليّة "المحور"، ومفهومه للسيادة القوميّة للدول.
يصعب وضع استقبال نصر الله لهنيّة في هذا التوقيت ضمن إطار الصدفة البحتة. الأرجح أنّ هذا الاستقبال هو إحدى نتائج زيارة الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون للبنان. بمرور الأيّام، تَظهر إخفاقات ماكرون الكبيرة في مقاربته الملفّات اللبنانيّة والإقليميّة.
"مطالبة غير القابل للإصلاح بالإصلاح"
بالحدّ الأدنى، ومع افتراض حسن النيّة، يعمل ماكرون على تمرير الوقت الدوليّ المستقطع من خلال حضّ الأحزاب السياسيّة الحاكمة على إجراء إصلاحات، لئلّا يقع لبنان "في المحظور". بعبارة أخرى، يريد ماكرون تجنيب بيروت الأسوأ خلال الأشهر القليلة الفاصلة بين الانتخابات الأميركيّة وترتيب الإدارة أمورها في البيت الأبيض. لكنّ هذه المقاربة مفكّكة الأوصال.
إنّ رهان ماكرون على سياسيّي لبنان كي ينفّذوا هذه الإصلاحات، فيه الكثير من "البراءة" كي يصدر عن رئيس مطّلع على حجم الفساد والمحسوبيّة في لبنان. رأى البعض أنّ الطلب من السلطة اللبنانيّة إصلاح نفسها بنفسها كمن يطلب منها "الانتحار" لأنّها ببساطة تعمل على تأمين ديمومتها من خلال الفساد الذي يغذّي شبكات محسوبيّاتها.
على سبيل المثال، كتب بنجامين ماكشَين في موقع "ذا غلوباليست" أنّ مقاربة ماكرون تكرّرُ أخطاء الماضي نفسها مثل تعيين تكنوقراطيّ آخر في رئاسة الحكومة خلفاً للرئيس المستقيل حسّان دياب، ومثل إطلاق مبادرة مؤتمر دوليّ لمساعدة لبنان شبيهة بمبادرة "سيدر". ولفت النظر إلى "أنّ مطالبة غير القابل للإصلاح بالإصلاح، حتى من خلال العقوبات، ستطلق نتائج قليلة في المستنقع الذي تحوّل إليه لبنان بعدما كان مزدهراً في يوم من الأيّام".
من ناحية ثالثة، في حال ذهاب فرنسا فعلاً إلى تطبيق العقوبات لو فشلت الحكومة في تفعيل الشفافيّة والإصلاح، فإنّ الإجراءات المفترضة التي لوّح بها ماكرون قد تأتي في وقت متأخّر، ربّما بعد زيارة ماكرون الثالثة في كانون الأوّل، هذا إن أتت فعلاً. تطوّرٌ قد يعني فشل الهدف الأساسيّ لسياسة تمرير الوقت.
ماذا لو كان لبنان وسيلة لغاية أكبر؟
بعيداً من افتراض "حسن النيّة"، أي مع افتراض أنّ ماكرون لا ينظر إلى لبنان كغاية نهائيّة لزيارته، يصبح الإخفاق أكثر وضوحاً. وفقاً لهذا التحليل، يقارب الرئيس الفرنسيّ ماكرون الملفّ اللبنانيّ من زاوية كونه معبراً مهماً إلى الإقليم، وبشكل أكثر تحديداً إلى إيران. تفسّر هذه الغاية جميع التصريحات التي أطلقها ماكرون خلال زيارته لبنان، بدءاً من ضرورة التوصّل إلى "عقد سياسيّ جديد" مروراً باقتراح "حكومة وحدة وطنيّة" وصولاً إلى دفاعه عن "حزب الله" أمام أسئلة الصحافيّين. كلّ هذه العناصر ترجّح فكرة استرضاء إيران على حساب العلاقة التقليديّة مع الولايات المتّحدة. يكفي النظر إلى موقف فرنسا الشهر الماضي من آليّة "إطلاق الزناد" ووقوفها إلى جانب الصين وروسيا للدفاع عن إيران في مواجهة الولايات المتّحدة، لترجيح وجود مثل هذا الاحتمال.
ما فعله ماكرون، إذا صحّت الفرضيّة الثانية، هو أنّه فكّ العزلة عن "حزب الله" وعزّز موقعه أكثر في التركيبة اللبنانيّة بعد انفجار الرابع من آب. حتى العقوبات الفرنسيّة المحتملة التي ذكرتها صحيفة "لو فيغارو" لم تكن تشمل "حزب الله". من جهته، كان نصر الله قد تحدّث عقب زيارة ماكرون الأولى عن "نظرة إيجابيّة" لحزبه تجاه كلّ مساعدة أجنبيّة. وقبل زيارته الثانية، قال نصر الله إنّ حزبه منفتح على مناقشة الاقتراح الفرنسيّ بشأن التوصّل إلى عقد سياسيّ جديد في لبنان، على الرغم من اشتراطه أن يكون "بإرادة ورضا مختلف الفئات اللبنانية".
التقط "حزب الله" كلّ هذه المؤشّرات الفرنسيّة فاستعاد المبادرة، وبدأ بإطلاق الرسائل إلى الداخل والخارج عبر استقبال هنيّة. وعلى الرغم من أنّ الأمر ليس مؤكّداً بعد، لكنّ لقاء نصر الله - هنيّة قد يكون مؤشّراً أو تمهيداً إلى مزيد من التعاون بين تركيا وإيران في المنطقة.
ثمّة تحليلات تقترح أنّ ماكرون يريد الانفتاح على إيران لتطويق تركيا إقليمياً. إذا كانت هذه المقاربة موجودة، فهذا يعني أنّ ماكرون يجهل أو يتجاهل التاريخ الطويل من التعاون التركيّ - الإيرانيّ علماً أنّ محاكمات "بنك خلق" التركيّ لا تزال مستمرّة في الولايات المتّحدة بسبب مساعدته إيران على الالتفاف حول العقوبات الأميركيّة بين سنتي 2012 و2013. كما أطلقت تركيا، إلى جانب البرازيل، مبادرة مرتبطة بالملفّ النوويّ الإيرانيّ سنة 2010 سرعان ما مُنيت بالفشل.
محدوديّة ما يجيده
مشكلة ماكرون أنّه يجيد العلاقات العامّة، لكنّ الأخيرة غير كافية لتخطّي تعقيدات الواقع. قال مارك سيمو، مراسل صحيفة "الموند" الفرنسية إنّ "تواصله (ماكرون) الإعلامي فعّال، لكنْ فلنواجه الأمر، لديه القليل لإظهاره". وذكر أنّ صداقة ماكرون التي يتباهى بها مع نظيره الأميركيّ دونالد ترامب لم تنفعه في العلاقة الثنائيّة بين البلدين وأنّ انفتاحه على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يوصله إلى أي مكان.
وليس أدلّ على محدوديّة سياسة العلاقات العامّة التي ينتهجها ماكرون من قول ماكشَين إنّه "حين كان ماكرون منشغلاً بالجولة المكثّفة بالرمزيّة، غصّ وسط العاصمة بالمحتجّين على تعيين أديب". وكتب: "لبنان يحتاج إلى دولة جديدة، لا إلى الكثير من الزيارات من الرئيس الفرنسيّ". ويمكن إضافة: خصوصاً إذا كانت هذه الزيارات قائمة على قراءات خاطئة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/3/2026 6:20:00 AM
"النهار" تلقي الضوء على تفاصيل المشروعات السورية الخمسة لربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا، وأهميتها والتكلفة الاستثمارية لها، والتحديات التي تواجه هذه المشروعات، والعائد الاقتصادي لهذه المشروعات سواء على الاقتصاد السوري أو على اقتصادات الخليج
ايران
4/3/2026 3:13:00 PM
وكانت إيران قد أعلنت، في وقت سابق من اليوم الجمعة، أنها أسقطت طائرة من نوع إف-35 أميركية الصنع فوق أجوائها، وأشارت إلى أن مصير الطيار "ما زال مجهولاً".
اسرائيليات
4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية
اسرائيليات
4/3/2026 9:21:00 AM
الجيش الإسرائيلي: مخطط لإطلاق صاروخ مضاد للدروع نحو أراضي دولة إسرائيل
نبض