08-02-2023 | 09:25

مصالح الغرب... أسمى من الإنسانية

أمام كارثة الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا وسوريا، كان يتعين أن تسقط كل العقوبات الغربية المفروضة على دمشق، وأن تسمو اللحظة الإنسانية على المآرب السياسية، التي عزلت سوريا، منذ أكثر من عقد وأمعنت فيها قتلاً وتدميراً.
مصالح الغرب... أسمى من الإنسانية
Smaller Bigger
أمام كارثة الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا وسوريا، كان يتعين أن تسقط كل العقوبات الغربية المفروضة على دمشق، وأن تسمو اللحظة الإنسانية على المآرب السياسية، التي عزلت سوريا، منذ أكثر من عقد وأمعنت فيها قتلاً وتدميراً.    
 
أبشع ما أظهرته أميركا وأوروبا وجهيهما الحقيقيين في لحظة كارثية كتلك التي تمر بها تركيا وسوريا. وتبيّن أن المصالح السياسية لديهما هي التي تجعلهما يفرقان بين الشعب التركي والشعب السوري.   
 
وقبل أن يحل غضب الطبيعة، كان الشعب السوري يئن أصلاً تحت نير العقوبات الغربية. و"قانون قيصر" الأميركي أوصل السوريين العاديين وليس النظام إلى الجوع والبرد. ما فعلته العقوبات الأميركية بالسوريين كان أفدح أضعافاً مضاعفة مما أحدثه الزلزال. 
 
والعقوبات التي يزعم الأميركيون أنها تهدف إلى الضغط على النظام كي يقبل بتسوية سياسية للنزاع الدائر منذ 12 عاماً، لا يتأثر بها النظام وإنما الناس العاديون، الذين باتوا يفتقرون إلى أبسط مقومات العيش، لا ماء ولا كهرباء ولا خبز وانهيار متمادٍ في قيمة العملية الوطنية. فهل هذا هو السبيل الذي يراه الغرب مناسباً لإيصال سوريا إلى الحرية والديموقراطية وصناديق الاقتراع؟ ألا تكفيهم تجربة العراق الفاشلة وألا تكفيهم تجربة ليبيا الفاشلة؟ وحتى ما ظنوه نجاحاً في تونس ينهار ويتداعى ويتركون الشعب التونسي فريسة للجوع وشروط صندوق النقد الدولي التي لا ترحم.   
 
لم يكتفِ الغرب بفرض العقوبات على سوريا وإنما رسم خطاً أحمر أمام الدول العربية التي حاولت الانفتاح على دمشق وأعادت فتح سفاراتها فيها. وعندما بدا أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يسعى إلى طي صفحة العداء مع سوريا، سارعت واشنطن إلى تحذيره من مغبة الإقدام على المصالحة مع الرئيس السوري بشار الأسد، وأوقفت خطوات التطبيع وأبطأتها كي لا تترك متنفساً لسوريا غير الموت جوعاً وبرداً.   
 
منعت أميركا العرب من إعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. وأجهضت المساعي الجزائرية والمصرية لإعادة دمشق إلى الجامعة العربية. وناورت في مسألة استجرار الغاز المصري عبر الأردن وسوريا إلى لبنان من أجل تشغيل معامل الكهرباء فيه، وذلك حتى لا تستفيد سوريا من هذه العملية كون إنبوب الغاز يمر في أراضيها، ولم تمنح وزارة الخزانة الأميركية إعفاءات للقاهرة والأردن من "قانون قيصر"، فبقي لبنان بلا كهرباء.   
 
والأردن يعاني اقتصادياً مثلما يعاني لبنان والعراق من "قانون قيصر" بسبب تعطيل دورة اقتصادية كاملة بين دمشق والدول المجاورة لسوريا، وتركيا نفسها ضُرب اقتصادها جراء سنوات العداوة وتدخلها في الحرب الأهلية السورية.   
 
والآن، عندما تضرب الطبيعة ضربتها يتبين كم فعلت العقوبات الغربية في سوريا، وكيف بدت دمشق وحيدة لولا روسيا وبعض الدول العربية التي تجرأت على إرسال مساعدات إليها. 
 
وإذا ما نظرنا إلى تركيا حتى، لا يبدو أن الغرب أبدى ولو جزءاً يسيراً من ذاك التعاطف الذي يبديه مع أوكرانيا. فأين الجسور الجوية لنقل مواد الإغاثة ورجال الإنقاذ لإسعاف ما يمكن إسعافه وانتشال من بقي حياً تحت ركام المباني المنهارة.    
 
كل ذلك يؤكد أن الغرب يسيّس الإنسانية ويجعلها في خدمة أهدافه ومصالحه التي لا يُعلي عليها شيئاً. وفي أوكرانيا التي يتباكى عليها الغرب، إنما يفعل ذلك لتدمير روسيا ليس إلا، وليس كرمى لعيون الشعب الأوكراني. وسيقاتل روسيا حتى آخر أوكراني، تحقيقاً لأهدافه الجيوسياسية.   
 
لا شيء اسمه إنسانية في الغرب. إنه كتلة قائمة على المصالح فقط، وعلى هذا بنى إمبراطورياته ووطد نفوذه في العالم، وهو يحتكر تعريف ما هو حق وما هو باطل، وإما أن تكون معه أو يصنفك بأنك ضده.    
 

الأكثر قراءة

ثقافة 5/24/2026 12:00:00 AM
نادين لبكي تستعيد صورة لبنان المقاوم بالفنّ من على مسرح كانّ.
لبنان 5/24/2026 12:59:00 PM
صحيفة "نيويورك تايمز": الاتفاق المرتقب سيشمل "إنهاء المواجهات على جميع الجبهات"
لبنان 5/24/2026 10:17:00 PM
لم تلقَ هذه المواقف أي تبرير...