07-02-2023 | 05:25

لماذا المجتمع الجزائري في قبضة التخلّف؟

ترفع السلطات الجزائرية راهناً شعار "الجزائر الجديدة" الذي يفترض أنه يعني التخلص من ميراث فترتي العشرية السوداء وحكم بوتفليقة وجماعته التي تُدعى في أدبيات الحراك الشعبي "العصابة".
لماذا المجتمع الجزائري في قبضة التخلّف؟
Smaller Bigger
ترفع السلطات الجزائرية راهناً شعار "الجزائر الجديدة" الذي يفترض أنه يعني التخلص من ميراث فترتي العشرية السوداء وحكم بوتفليقة وجماعته التي تُدعى في أدبيات الحراك الشعبي "العصابة". 
 
ففي نظر كثيرين من المراقبين السياسيين الجزائريين، ليس تجسيد شعار "الجزائر الجديدة" بالأمر الهيّن، بل يتطلب إحداث قطيعة راديكالية شجاعة مع كل أشكال التسيير والحكم التي فرّخت التخلف في البلاد، ويستدعي ابتكار تصور نظري مؤسس على العلم وتنفيذ تطبيقات ميدانية جادة وحاسمة، ثم الاعتراف بحقيقة أنه من المستحيل تجسيد مثل هذا الشعار المرفوع في ظل إعادة إنتاج السياسات والثقافة نفسها التي تميّز بها سلوك النظام السابق الذي سيطر على البلاد وكرّس فيها التخلف البنيوي على مدى سنوات طويلة.

 وهنا نتساءل: هل هناك ما يوحي ببداية بناء أركان هذه الجزائر الجديدة ثقافياً، واقتصادياً، وتنظيماً اجتماعياً، ومنظومة تعليمية، وحريات مدنية وإعلامية، ومعماراً متطوراً وهلم جرّا؟... أم أن الشعار شيء والواقع الملموس شيء آخر تماماً؟ وما الذي تغير حقاً في الجزائر في الأعوام القليلة الأخيرة حتى نقول بأن الجزائر الجديدة بدأت تتشكل أمام مرأى المواطنين الجزائريين؟ وهل يعني سقوط حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة وجماعته التي عدد كبير من رموزها في السجن أو في حالة هروب في أوروبا وفي فرنسا خاصة، زوال بنى التخلف والإرث البيروقراطي الجائر والحكم الفردي أو الشللي والأجهزة السياسية التي تحمي هذا النمط من الحكم الذي أدخل الجزائر في أزمات معقدة وكثيرة؟ 
 
للإجابة عن هذه الأسئلة اغتنمت فرصة وجودي في الجزائر وقمت بزيارة للريف في عمق محافظات تيزي وزو وبجاية والبويرة، وكان هدفي اختبار مدى تجسيد شعار "الجزائر الجديدة" في الواقع لأن الريف هو محك التطور أو التخلف في أي بلد. 

منذ البداية، أكتفي بتسجيل بعض الملاحظات النموذجية فقط، وهي كما يلي: لقد لاحظت عن كثب مظاهر كثيرة تتناقض كلية مع أبجديات العوامل التي  تلعب الدور المحوري في تحقيق التنمية المتطورة التي يفترض أنها تتجلى في أسلوب تعامل السلطات مع المواطنين، وفي مستوى المعيشة والرفاه الاقتصادي، وحريات التعبير والإعلام، وفي العلاقات ضمن بنية العائلات، وفي البيئة المعمارية التي تعتبر أحد أبرز عناوين التقدم الحضاري في أي مجتمع وغيرها من المظاهر.

في هذه الزيارة تعاملت شخصياً ومباشرة مع عدد من المصالح الإدارية، وتبين لي أن المسؤولين فيها ما فتئوا يمارسون مختلف أشكال الإكراهات الرمزية والمادية على المواطنين، إذ تلاحظ، مثلاً، الطوابير المكدسة أمام أبواب المكاتب حيث يجبر الناس على الوقوف ساعات طويلة في الهواء الطلق وفي عز البرد والمطر اللذين يعصفان بأجسادهم.

لقد رأيت مواطنين ومواطنات كثيرين يشكون ويتذمرون من أكداس الوثائق المطلوبة منهم لتكوين هذا الملف البسيط أو ذاك، علماً أن الإدارة الحديثة تعتمد على الكومبيوتر الذي يخزّن مختلف المعلومات في كل الإدارات المترابطة، ولا يحتاج الإنسان إلى استخراجها استخراجاً نمطياً مكرراً من المصالح الإدارية في البلديات أو من مكاتب المحافظات (الولايات).

رغم توافر هذه التكنولوجيات، فإن الإدارة الجزائرية لا تزال تقليدية ولا تعمل بأساليب مرنة باستخدام البريد الإلكتروني والهاتف للتخفيف من عمليات انتقال المواطنين إلى المصالح الإدارية، وبخاصة البعيدة منها. لهذا السبب يحس المرء في الجزائر وكأن عصر التكنولوجيات لا وجود له، رغم ملايين الدولارات التي تنفقها الدولة على شراء أجهزة الكومبيوتر ورغم وجود خدمات الإنترنت التي تنتمي، مع الأسف، إلى عصور السلاحف جرّاء ضعفها المتفاقم.

في زيارتي هذه، اصطدمت أيضاً بشتى أنماط العنف الرمزي المتولد من مظاهر المعمار الفوضوي المنفّر الذي يتنافى مع الأبجديات الأولية لجماليات العمارة العصرية التي يفترض أنها هي التي ينبغي أن تساهم فعلياً في إضافة أبعاد جمالية إلى الهوية الحضارية والثقافية الجزائرية. 
 
من المعروف أن الجزائر لا تزال تتخبط في أزمة السكن ولم تجد حلولاً مرضية لها حتى الآن، ولكن لا ينبغي أن تكون هذه الأزمة مبرراً يسوّغ لكل من هبّ ودبّ أن يبني البنايات المشوهة، إذ إن تسعين في المئة من البنايات الجزائرية التي تنجز راهناً لا تستجيب إطلاقاً لمعايير المعمار الجمالي المتطور، بل هي مجرد ركام من الإسمنت المسلح يرفع في الهواء في شكل أبنية متنافرة تعتمد شكل المستطيلات المستوردة من طرز البناء العثماني التركي الذي تجاوزه الزمان، أو تقلد على نحو مشوّه ورديء النماذج السكنية الفرنسية.  

تكشف قراءة تضاريس الواقع الجزائري أن الهزّات الكثيرة التي تعرضت لها الجزائر لم تتعلم منها السلطات المسؤولة الدروس حتى الآن، إذ ليس لديها النية الصادقة لفتح ملف الأسباب الحقيقية التي جعلت البلاد غير قادرة على إنجاز التحول المتمدن في كل المجالات المذكورة آنفاً، وفي مجالين حيويّين آخرين وهما: هندسة الإنسان الجديد ضمن بنية العائلة أولاً ثم ضمن مفاصل دولة المواطنة، وكذا في مجال صنع رأسمال المجتمع المتطور والمؤسس على أرقى مستجدات العلوم والثقافة الحداثية.
 
من الملاحظ أن العجز البنيوي الذي ما فتئ يعصف بالمجتمع الجزائري قد نتج منه أمر خطير جداً، وهو عدم نجاح رهان التنمية الحضارية والاستقرار السياسي والاجتماعي، وجراء ذلك يأسف المواطنون على ضياع 60 سنة من الاستقلال في مهب التلاعبات المدعوة خطأ بالسياسة.
 
ومما يؤسف له أيضاً هو أن ظاهرة إعاقة مسار التنمية لم تجد تشخيصاً علمياً في إطار البحث العلمي، ولم تعالج عملياً لاستئصال ورمها استئصالاً حاسماً. 
 
يبدو واضحاً أن السلطات لا تزال تعيد إنتاج الأساليب القديمة التي كرست الأزمات في المجتمع الجزائري وإغلاق باب تفعيل الحوار، ولقد أفضى هذا إلى تراكم المشكلات، منها تلك التي أشرنا إليها آنفاً. ومن المؤسف حقاً أنه كلما ظهر أفق واعد لإنجاز مثل هذا الحوار نجد من يفرض عراقيل تؤدي غالباً إلى إجهاضه مباشرة.
 

الأكثر قراءة

العالم العربي 4/2/2026 12:41:00 AM
عشرات طائرات "A-10 Thunderbolt II" في طريقها إلى الشرق الأوسط… "Warthog" تعود إلى الواجهة
ايران 4/2/2026 3:29:00 PM
يُوصف الجسر بأنه "أطول جسر في الشرق الأوسط" وأحد أكثر الجسور تعقيداً من الناحية الهندسية في المنطقة.
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية