أحد أبرز الدروس التي تقول مصادر سياسية لبنانية إن لبنان يُفترض أن يكون قد تلقفها من العام المنصرم، هي في مجال علاقاته الخارجية التي أصبحت في الحضيض في الأعوام الأخيرة. فلم يعد ممكناً التعاطي مع الدول الخليجية وفي مقدمها المملكة العربية السعودية على أنها علاقة مسلّم بها أو هي تحصيل حاصل. وهي تالياً ستبقى كما كانت على مدى عقود أياً تكن الأحوال أي في السراء والضراء، وأن المملكة والدول الخليجية كلها ستبقى الى جانب لبنان كيفما تقلبت الأحوال.
هذا ما تبين خلال الأعوام القليلة المنصرمة، حيث أدرك لبنان بالطريقة الصعبة هذا المعطى ويفترض أنه تلقى الدرس، علماً أن الابتعاد بدأ منذ بداية ما سمي بـ"الربيع العربي" في العام 2011 وليس خلال العهد السابق فحسب، في حين يعزوه البعض الى التغيير الذي طاول القيادة السعودية وصعود ولي العهد محمد بن سلمان منذ 2014 وسريان سياسة سعودية جديدة، ليس إزاء لبنان فحسب بل على قاعدة فرز المواقف العربية مع أو ضد ما تقرره المملكة.
وفي الوقت الذي سرى في الأعوام القليلة الماضية انطباع أو بالأحرى تبرير بأن التغيير الحاصل يعود الى عدم معرفة بن سلمان بلبنان كما عرفه أسلافه من القيادات السعودية من ملوك وأمراء وتالياً عدم وجود تعاطف لديه معه لكون الصداقات مع القوى السياسية اللبنانية غير موجودة أيضاً، فإن هذه المصادر تقول إنه حان الوقت لأن يقارب لبنان الموضوع من زاوية أن هذا التبرير لم يعد يكتسب أي صدقية وأن الأسباب الحقيقية أكبر من ذلك وأكثر عمقاً. ويكفي في هذا الإطار متابعة النهج الجديد والمقاربات المختلفة لولي العهد السعودي ليس من لبنان فحسب بل في المنطقة ككل ومع دول العالم والتي تنبع من مصالح السعودية والدول الخليجية في الدرجة الأولى أكثر من أي اعتبار آخر لكي يبدأ التعامل مع الموضوع بسياسة ومصالح أكثر واقعية.
إدراك لبنان لذلك فيما يكاد يقر الجميع أنه يموت ولا وجود له خارج محيطه العربي الذي باتت المملكة السعودية مركزه راهناً وامتداداً الى الدول العربية والخليجية كذلك، يفترض بلورة مقاربات جديدة ليس من باب البناء على الدعم الاقتصادي أو المالي الذي اعتاد عليه لبنان من هذه الدول بل من باب أن هناك حتمية لمقاربة مختلفة يتولاها أي رئيس جديد، على قاعدة المصلحة المباشرة سياسياً في الدرجة الأولى وجيوبوليتيكيا كذلك، ومعه أيضاً الحكومة المقبلة. المهم وفق المصادر السياسية أنه لم يعد يبنى على قاعدة دعم فريق سياسي أو طائفي بل على قاعدة أن العلاقات على مستوى الدول تقوم بينها وليس مع أطراف تحديداً، كما لا يتصل بتأمين وصول المرشح الذي يدعمه "حزب الله" أم لا، بل بإتاحة المجال أمامه لإعادة صياغة علاقات خارجية على قاعدة ترميم الانهيارات السابقة وفق ضمانات تمنع سقوطها مجدداً.
وينسحب ذلك أيضاً على قاعدة أن العلاقات الخارجية للبنان لم يعد مسلّماً بها كما في السابق. فالركائز الأساسية تقوم أولاً على المحيط العربي والخليجي فيما سوريا ليست المرساة العربية للبنان أو لم تعد كما كانت في وقت من الأوقات، في حين تحتاج دمشق الى مرساة عربية تعيدها إلى محيطها. كما أن مصر على رغم أهمية دورها لم تعد تفي لوحدها بالمطلوب. وثانياً، يسري الأمر على الجوار الأوروبي انطلاقاً من فرنسا باعتبارها بوابة لبنان إلى أوروبا في الوقت الذي لا يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة غربياً لكي تلعب هذا الدور، على رغم الأهمية الكبيرة لها كما هي الحال في استمرار دعم الجيش اللبناني على سبيل المثال والقوى المجتمعية، إضافة الى الوساطة المهمة التي أدت الى توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل.
لكن الولايات المتحدة لا تهتم فعلاً بالسياسة الداخلية اللبنانية، إذ تعتبر المصادر السياسية أن محاولات الانفتاح على الولايات المتحدة نحو مزيد من الاهتمام بالوضع اللبناني ثبت فشلها في زمن الشيخ بشير الجميل عام 1982 ولاحقاً في زمن الرئيس أمين الجميل كما في النسخ الأكثر حداثة لهذه المحاولات ما بعد 2005 وحتى 2006 و 2007. ومفهوم أن للولايات المتحدة مصالحها ومقارباتها في المنطقة لكنها تسعى الى تأمين إعادة انخراط المملكة العربية السعودية في لبنان كما في السابق من باب الحاجة الماسة للبنان الى المملكة والدول الخليجية معنوياً ومن أجل التوازن السياسي كما للحؤول دون استباحة إيران بنفوذها لبنان أو محاولة منافسته بما في ذلك احتمال التعايش معه نوعاً ما. وكذلك اقتصادياً ومادياً بمعنى الحؤول دون المزيد من انهيار لبنان وإيجاد رافعة إقليمية له في ظل أولويات أخرى لدى الولايات المتحدة أو لدى أوروبا كذلك لا سيما في ضوء الحرب الروسية على أوكرانيا.
ويعتقد مطلعون كثر أن عودة لبنان الى علاقاته الخارجية بناء على قواعد سليمة وثابتة يمكن أن يساعد لبنان، على الأقل من خلال إعادة الثقة لجهة عودة الاستثمارات إليه بما يساهم في خروجه بسرعة من الانهيار تحت طائل حصول العكس في ما لم يتم تأمين ذلك. ومن المؤسف ألا تتوافر حتى الآن أي عوامل تشي بالايجابية على رغم النية المعلنة لقوى سياسية عدة إنما يبقى الأمر رهناً برئيس جديد للجمهورية وحكومة متوافقة معه يقودان البلد في هذا الاتجاه.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/28/2026 10:25:00 PM
من المتوقع أن يصدر قرار التعيين عن جلسة مجلس الوزراء الخميس...
لبنان
4/29/2026 10:32:00 AM
هل ستُهاجم إسرائيل العاصمة بيروت؟
لبنان
4/29/2026 10:51:00 AM
اكتشاف مغارةٍ جديدة والكشف عن طبيعتها ومعالمها في خراج بلدة تاشع أعالي محافظة عكار
نبض