إعادة إطلاق العلاقات الأميركيّة - السّعوديّة... من الأعلى إلى الأسفل ومن الأسفل إلى الأعلى (5)
وإلى جانب الوجود الدبلوماسي الأميركي الضعيف في المملكة، لم يكن لواشنطن قط مكتب للتعاون الأمني الأميركي في الرياض لتنسيق التعاون الأمني عبر وكالات الأمن القومي السعودية، التي تشمل لا وزارة الدفاع فحسب، ولكن أيضاً وزارة الحرس الوطني ووزارة الداخلية، ومؤسسة التعاون الأمني الأميركية.
كلفت بعثة الولايات المتحدة للتدريب العسكري في السعودية التي أسست عام 1953، بتدريب وإرشاد ومساعدة القوات المسلحة العامة السعودية (وليس الحرس الوطني السعودي)، لكنها لا تتمتع بالخبرة ولا بالقدرة على تقديم المشورة بشأن إصلاح المؤسسات الدفاعية، لا سيما في مشروع سعودي ضخم ومعقد كهذا. لذا، لا بد من إنشاء مكتب تعاون أمني تموله الولايات المتحدة لتقديم المشورة على الصعيد المحلي، وتكون مصممة خصوصاً للسعوديين (بدلاً من المفاهيم والعمليات المستعارة أو المنسوخة عن النظام الأميركي).
والواقع أن الشركات الاستشارية الأميركية الخاصة في المملكة منخرطة أيضاً في عملية الاستشارات الدفاعية، وبينما يقوم بعضها بعمل مهم، فإن لكل منها في الواقع مصالح تجارية خاصة واعتبارات قد لا تتطابق بالضرورة أو جزئياً مع مصالح الحكومة الأميركية أو السعوديين. لكن هذا لا يفترض تقييد أنشطة هذه الشركات، وإنما يمكن إقامة شراكة أكثر فاعلية بين القطاعين العام والخاص، تكون من خلالها الحكومة الأميركية في موقع القيادة. ويتمثل التقسيم المثالي للعمل بتقديم الحكومة الأميركية نصائح للسعودية بشأن ما يجب فعله وكيفية القيام به، بينما يساعد المقاولون في التنفيذ.
المحصلة
لا شك في أن عملية "عاصفة الصحراء" كانت لحظة حاسمة في العلاقات الأمنية الأميركية السعودية. وحتى اليوم، يحيي القادة الأميركيون والسعوديون الذكرى السنوية للعلاقات الثنائية التاريخية من خلال عرض مقاطع عبر شاشات كبيرة تظهر القوات الأميركية التي تقوم بحماية المملكة وتحرير الكويت.
مضى على ذلك أكثر من ثلاثة عقود. وحدث ذلك في حقبة مختلفة تماماً في السياسة الخارجية للولايات المتحدة وفي سياق إقليمي ودولي مختلف تماماً. وتغيرت المصالح الأميركية في المنطقة إلى حد بعيد منذ ذلك الحين، وكذلك التهديدات التي قد تستهدف هذه المصالح. وإذا حمل الانسحاب الأميركي من أفغانستان في آب (أغسطس) 2021 أي دلالة، فهي أن استعداد واشنطن لخوض الحرب مرة أخرى في الشرق الأوسط قد تبدد.
أهم الأولويات والتحديات لواشنطن في السعودية يكمن في مساعدتها على ضمان أمنها. والمنطق في ذلك بسيط: كلما تمكنت السعودية من ردع العدوان الإيراني والصمود أمامه بفعالية أكبر، قلّت مساهمة الولايات المتحدة في هذه المهام، الأمر الذي يوفر لها فرصة لنقل المزيد من مواردها العسكرية في المنطقة إلى المحيطين الهندي والهادئ وأوروبا، حيث تشتد الحاجة إليها.
وتتطلب مساعدة السعوديين في تحقيق هذه الأهداف نظرة جديدة حول التعاون الأمني الأميركي وإعادة هيكلة برنامج المساعدة العسكرية الأميركية في المملكة. والواقع أن تسليح المملكة وتدريبها أمر في غاية الأهمية، لكنه ليس كافياً. لذا، لا بد للولايات المتحدة من مساعدة السعوديين على اكتساب قدرة على وضع الاستراتيجيات وتنظيم المهام والتخطيط والتشغيل والتكامل والإدارة والاستدامة، وكل ذلك يتطلب استثمارات في بناء القدرات المؤسسية الدفاعية عبر مجالات متعددة، بما في ذلك العقيدة والاستراتيجية والتخطيط وإدارة الموارد وتنمية رأس المال البشري والخدمات اللوجستية.
*بلال صعب، مسؤول سابق في "البنتاغون" مشرف على المساعدات العسكرية الأميركية للشرق الأوسط، زميل أول ومدير برنامج الدفاع والأمن في معهد الشرق الأوسط في واشنطن.
نبض