04-12-2022 | 12:19

البيان الأخير ضد فيلم "أحبّ الغلط": الحلقة الثالثة

​ كانت الديموقراطية في طريقها الذي لم يكن سهلاً ولا قصيرًا بعد ثورة 1919. حققت الليبرالية نجاحات رائعة في التقدّم، وكان للمجتمع الأهلي دوره الكبير في الصناعة التي تم تأميمها في ستينات القرن الماضي. كذلك الأنشطة الثقافية كانت حرة فأي شخص يستطيع أن يصدر مجلة أو جريدة من دون تعقيد. في التعليم، كان يتمّ بناء المدارس من الباشوات والجمعيات الأهلية ثم يتمّ التبرّع بها لوزارة المعارف، لم تكن هناك مدارس خاصة إلا نادرة جدًا، والشهيرة منها للجاليات الأجنبية وكانت مفتوحة للجميع. كانت الجامعات تتم بالتبرعات وتصبح ملكًا للدولة ووزارة المعارف، كذلك المستشفيات تؤول إلى وزارة الصحة. ستقول لي إن الدولة صارت تفعل ذلك.
البيان الأخير ضد فيلم "أحبّ الغلط": الحلقة الثالثة
Smaller Bigger

 

كانت الديموقراطية في طريقها الذي لم يكن سهلًا ولا قصيرًا بعد ثورة 1919.

حققت الليبرالية نجاحات رائعة في التقدّم، وكان للمجتمع الأهلي دوره الكبير في الصناعة التي تم تأميمها في ستينات القرن الماضي. كذلك الأنشطة الثقافية كانت حرة فأي شخص يستطيع أن يصدر مجلة أو جريدة من دون تعقيد.

في التعليم، كان يتمّ بناء المدارس من الباشوات والجمعيات الأهلية ثم يتمّ التبرّع بها لوزارة المعارف، لم تكن هناك مدارس خاصة إلا نادرة جدًا، والشهيرة منها للجاليات الأجنبية وكانت مفتوحة للجميع.

كانت الجامعات تتم بالتبرعات وتصبح ملكًا للدولة ووزارة المعارف، كذلك المستشفيات تؤول إلى وزارة الصحة. ستقول لي إن الدولة صارت تفعل ذلك.

سأقول لك إنّ إخراج الشعب من المعادلة يعني أن كل ما تفعله الدولة حين يتعرض لانهيار لا يجد من يدافع عنه بقوة. إخراج الشعب من المعادلة جعل الحكم شموليًا لا يطيق مخالفًا.

الشيوعيون والمثقفون الذين قُبض عليهم بالمئات عام 1959 وقبله، كانوا على خلاف في الرؤية مع فكرة  الحزب الواحد – الاتحاد القومي – وفكرة القومية العربية، فهم يرون أن مصر وحدها يمكن أن تؤثر في غيرها إذا تقدمت، وليست في حاجة إلى الوحدة.

الوحدة لا يمكن أن تتم، لأن هناك خلافات واختلافات بين الشعوب لا يمكن تجاهلها. نحن نقول: شعوب عربية، لكنّ هذا لا يلغي خصائص الشعب العراقي ولا السوري ولا المصري وغيره.

كما أنه في داخل معظم الشعوب نفسها أقليات لا يمكن محوها مثل الأكراد في الشام والمجوس في العراق والأمازيغ في المغرب العربي.

الديموقراطية هي طريق الوحدة لأنها ستحافظ أيضًا على الاختلاف. ستقول لي إن الشيوعيين كانوا من أنصار الأممية، سأقول لك نعم. لكنّ هذا لا يعني إلا اختلافًا في الرأي، فلم يرفعوا سلاحًا، ولم تكن لديهم سلطة تجعلهم يحتلون دولًا أخرى بفكرهم أو سلاحهم.

فكرة الشيوعية كانت متاحة في العالم كله ولم تخرج من مصر. وقد رأيت أنّ من خرج من السجن وبقي في مصر - وكانوا هم الأغلبية - صاروا مناصرين لقرارات عبد الناصر الاشتراكية.

ستقول لي عن فكرة القومية قديمة وعظيمة. سأقول لك كان ظهورها في أوروبا في القرن التاسع عشر في مواجهة الاحتلال العثماني لأوروبا الشرقية، وقبله في ألمانيا لمواجهة الغزو الفرنسي بعد الثورة الفرنسية.

هي هدف نبيل حقا ظهر مثلًا في تكاتف العرب معنا في حرب 1956 أيام العدوان الثلاثي، ولكن ما معنى القومية العربية وعبد الناصر يؤمم كل ممتلكات الشوام والمغاربة والفلسطينيين في مصر؟

كانت مصر أيام الملكية أم الدنيا لأن كل المظلومين من العالم يأتون إليها، عربًا ويهودًا وأرمنَ ويونانيين وطلاينة وغيرهم، قبل أن يتمّ تأميم ممتلكاتهم.

قد توافق على التأميم باعتباره نتيجة التقارب مع الاتحاد السوفياتي أكثر، فهو الذي يمدنا بالسلاح، ويساعد في بناء السد العالي والصناعة، وميلنا إليه كان طبيعيًا رغم أننا رفعنا شعار عدم الانحياز بين الاتحاد السوفياتي وأميركا في الحرب الباردة بينهما.

سأقول لك إن عدم الانحياز كان شعار مصر والهند ويوغسلافيا، سأقول لك انظر أين هي الهند الآن التي أخذ فيها نهرو طريق الديموقراطية، وأين هي يوغسلافيا ومصر التي أخذ فيها تيتو وعبد الناصر طريق الشمولية، وأحمد الله أننا لم ننقسم ونصبح دويلات مثل يوغسلافيا.

لقد كان للتأميم معنى وهو إلغاء الاختلاف في الرأي. وجود الجاليات الأخرى، وبالمناسبة كانوا قد حصلوا على الجنسية المصرية ولكن ظلت كلمة جاليات أجنبية تُقال مجازًا عنهم، كان يعني اختلافًا في الرأي والعادات والتقاليد، وكانوا مثالًا للمصريين بدءًا من المظاهر البسيطة مثل الزي إلى النظام والدقة في العمل والتسامح وكل شيء.

***

 أشياء كثيرة جدًا بدأت أفهمها بعد هزيمة 1967. كنت قد بدأت الدراسة الثانوية بنظام المنازل لألتحق بالجامعة والكلية التي أتمناها، كلية الآداب.

زادت قراءاتي في كل شيء. عرفت مثلًا أنّ هناك رقابة على الكتب. فالشائع الذي قد تتناوله الصحف هو الرقابة على الأفلام. كنت تقرأ خبرًا أن الرقابة وافقت على فيلم كذا وسوف يُعرض خلال الأيام المقبلة، لكنك لا تقرأ خبرًا عن الرقابة على الكتب.

عرفت مقولة أن "مصر تكتب وبيروت تطبع والعراق يقرأ". عرفت أن كثيرًا من المفكرين يطبعون كتبهم في بيروت هرباً من الرقابة التي ترفض طبع الكتاب في مصر، وأن كتابًا لمصطفى محمود هو " الله والإنسان" الذي طُبع في مصر، ورغم موافقة الرقابة في البداية إلا أنه صودر بعد نشره حين اتهم بعض الكتاب مصطفى محمود بالإلحاد.

كذلك حدث مع رواية "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ التي كانت تُنشر مسلسلة في جريدة الأهرام، إلا أن بعض المشايخ رأوا فيها كفرًا فلم تُطبع في مصر وطبعتها دار الآداب في بيروت.

هي رواية بعيدة من الكفر تمامًا، خلفيتها الفلسفية تدور حول الدين والعلم ورحلة الحق والعدل في العالم، لكنهم يأخذون بظاهر الرمز والكلام. وبالمناسبة، فإنّ هذا ما نعانيه إلى الآن.

لقد كانت أول رواية يكتبها محفوظ بعدما توقف بإرادته عن الكتابة عقب ثورة يوليو 1952 ليتأمل إلى أين ستصل الأحوال، وانتقل بها من الرواية الواقعية التي كان يكتبها من قبل إلى الرواية الفلسفية.

رغم ذلك، كان عبد الناصر لا يزال متجسدًا لنا زعيمًا فرديًا حقًا، لكنّ الهزيمة جعلتنا جميعًا نمشي خلفه على أمل النصر، لأنّ في خروجه اعترافًا بالهزيمة.

كان هذا سبب اندفاع الناس للخروج ليلة التاسع من يونيو حين تنحى، وليس أي شيء آخر. ومن تجربتي في منظمة الشباب لم يتم الأمر بأيّ تنسيق، وإن ظهر التنسيق فكان في اليوم التالي، اليوم العاشر من يونيو. الشعب كله خرج إلى الشوارع في التاسع من يونيو متمسكًا به، لكن كما قلت لأن في التخلي عنه اعترافًا بالهزيمة لا أكثر.

لذلك حين حدثت أحكام رجال الطيران  في فبراير عام 1968 وكانت غير مناسبة للهزيمة، خرج الطلاب والعمال في تظاهرات.

ولمن لا يعرف معنى أحكام رجال الطيران أذكركم رغم ألم الذكرى.

ففي صباح الخامس من يونيو 1967، استطاع الطيران الحربي الإسرائيلي منذ الثامنة صباحًا وحتى الحادية عشرة، في ثلاث موجات هجومية، تحطيم معظم مطاراتنا وطائراتنا العسكرية من دون مقاومة، فتقدمت جيوشه آمنة من أيّ غارات مصرية. أحيل قادة سلاح الطيران المصرى الذين عُزلوا بعد الهزيمة إلى محكمة عسكرية بتهمة المسؤولية عما حدث للقوات الجوية يوم 5 يونيو.

فى يوم الثلثاء 20 فبراير 1968 أصدرت المحكمة العسكرية العليا أحكامها، فحكمت بالسجن 15 سنة على الفريق أول طيار صدقي محمود، وحكمت بالسجن 10 سنوات على اللواء طيار إسماعيل لبيب. وحكمت ببراءة كل من الفريق أول طيار جمال عفيفي، واللواء طيار عبد الحميد الدغيدي.

كانت الأحكام مثل الصدمة للشعب لا تتناسب مع حجم التقصير الذى ارتكبه هؤلاء القادة، فخرجت التظاهرات من الجامعات وبعض المصانع. تغيرت الأحكام بعد ذلك إلى ما هو أقسى، لكن عرفنا التظاهرات لأول مرة ولن يستطيع أحد أن يوقفها أو يخفي حدوثها رغم استمرار الحكم العسكري وغياب الديموقراطية، لأنها كانت في كل جامعات مصر وبعض مصانعها، وليست مثل تظاهرات جنازة مصطفى النحاس باشا محصورة في القاهرة. توقفت التظاهرات لبعض الوقت بسبب حرب الاستنزاف التي كان الجميع ملتفين حولها وليس خوفًا من النظام.

قدَّر الناس شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة الذي أطلقه عبد الناصر، لكن لأنهم كانوا يرون حرب الاستنزاف وجهد الجيش المصري في إقلاق الوجود الإسرائيلي في سيناء. المهم كان سؤال الديموقراطية قد  قفز، وظهرت كتب عن اعتقالات الشيوعيين عام 1959 وقبلها، وعن اعتقالات الإخوان عام 1954 و1965 وعن علاقة المخابرات وعلاقة بعض القيادات العسكرية بالفنانات وغير ذلك كثير. أخذتني القراءة إلى طريق آخر هو ماذا جرى للتجربة الليبرالية بعد ثورة 1919 . كانت ثورة يوليو سدًّا أمام تطورها. هل كانت الهزيمة عام 1967 طبيعية؟ أجل. هل كان الوضع سيكون أفضل لو لم ينقطع طريق الليبرالية؟ أجل. هل فكرة القومية العربية خاطئة؟ لها جانبها الإيجابي الذي حدث قبل ثورة يوليو حين قامت الجامعة العربية عام 1945، ومواقف بعض الدول العربية معنا في حروبنا ضد إسرائيل. طيب ما هو جانبها السلبي؟ كما قلت محاولة فرضها على الدول العربية بالقوة، وعدم الاعتراف بالتميز والاختلاف بينها. فالحكم الجمهوري في مصر لا يستطيع أن يفرض أفكاره بالقوة على الحكم الملكي في السعودية أو المغرب مثلًا. لكن عبد الناصر كان حبيب الشعوب العربية كلها، وبعد الوحدة مع سوريا حملوه هناك في دمشق  بسيارته.

كانوا لا يزالون إخوة في بلادنا وانهمروا عليها بعد الوحدة. ثم إن التاريخ بين الشام ومصر عظيم. الشعوب تريد الديموقراطية. هل حصلوا عليها في سوريا؟ لا. حين جعل ناصر عبد الحكيم عامر حاكمًا على سوريا، أراد تثبيت الحكم العسكري فتم الانفصال. النزعة العسكرية لم تجعل عبد الناصر يدرك أخطاءه. حين تقارن بين القومية العربية التي أخلت مصر من الجاليات الأجنبية والعرب أنفسهم، وبين حال مصر أيام الملكية حين كانت أم الدنيا، تعرف أنه مع ثورة يوليو انقطع طريق الليبرالية ومع فكرة القومية العربية كانت الدكتاتورية. 

لقد كانت ثورة يوليو 1952 أول خروج عن الطريق الديموقراطي الذي كانت تمشي فيه مصر رغم الاستعمار البريطاني. كان شعار مصر للمصريين في مواجهة الاستعمار. غير ذلك كانت مصر لكل المضطهدين في العالم من كل الأجناس، ولكل صاحب طموح في أي مجال ثقافي أو اجتماعي أو اقتصادي. 

طيب، لماذا لم تتحقق الديموقراطية بعد وفاة عبد الناصر؟ مرّ أكثر من نصف قرن على وفاته الآن، فكيف فشلنا في تحقيق الديموقراطية؟ سنرى كيف خرجنا من الفكرة الشمولية الكبرى مع فكرة القومية العربية، إلى فكرة شمولية أخرى عن الدولة الإسلامية، أو دولة العلم والإيمان، بقيادة العسكر أيضًا، أو بقيادة الزعيم الأوحد، الرئيس المؤمن أنور السادات.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 6/5/2026 5:11:00 PM
اتخذ المجلس المركزي لمصرف لبنان قراراً بتمديد العمل بالتعميمين لمدة سنة إضافية، تبدأ في تموز المقبل وتنتهي في تموز 2027
اسرائيليات 6/4/2026 8:40:00 PM
في قلعة الشقيف... أيوب كيوف يتسلّم قيادة لواء "غولاني" الإسرائيلي.
لبنان 6/4/2026 9:18:00 PM
استنفار في عائشة بكار بعد تبادل إطلاق نار
فن ومشاهير 5/30/2026 8:38:00 AM
وجاء ذلك بعد تقدّم مادوكس بطلب قانوني لإزالة اسم "بيت" من اسمه، ليصبح رسمياً "مادوكس شيفان جولي" في حال الموافقة على الطلب.