تسعون عاماً على استقلال العراق: الوطنية التي تتأرجح بين السّلطة والمجتمع
الوطنية التشرينية ليبرالية الطابع، تقوم على القبول بالتنوع العراقي من دون حاجة إلى تنظيمه سياسياً أو القلق من مآلاته الجماعية وتشترط حيزاً حراً كي يعيش العراقيون ذواتهم الإنسانية كأفراد في بلدهم من دون إشراف مكوناتي أو فوقي أو حكومي
تمر هذه الأيام الذكرى التسعون لنيل العراق استقلاله، بعد موافقة عصبة الأمم في الثالث من أكتوبر 1932 على الطلب الذي تقدم به لنيل استقلاله وإنهاء انتداب بريطانيا عليه، ودعم الأخيرة لهذا الطلب على أساس استيفاء العراق المادة 22 من صك عصبة الأمم. نصت هذه المادة التي شرعنت الانتداب وشرحت كيفية الخروج منه، على أن "بعض الجماعات التي كانت تابعة للإمبراطورية التركية قد بلغت مرحلة من التقدم، يمكن معها الاعتراف بوجودها كأمم مستقلة على نحو مشروط، مع تقديم المشورة والمعونة الإدارية لها من السلطة القائمة بالانتداب، حتى يحين الوقت الذي تصبح فيه قادرة على إدارة شؤونها بنفسها".
لم تكن مؤسسات الدولة قد بلغت حينها درجة التطور على النحو الذي اشترطته هذه المادة حينها كي يتولى العراق إدارة شؤونه بنفسه، فلم تكن الدولة العراقية الناشئة قادرة على الدفاع عن نفسها داخلياً أو خارجياً مثلاً، بل ظلت تعتمد على القوة المسلحة البريطانية أو التهديد بها لحفظ الأمن. بسبب عوامل متداخلة، الأبرز بينها مطالبات سياسية وضغوط اقتصادية داخلية بريطانية، قادت إلى عدم رغبة حكومة "صاحب الجلالة" مواصلة استثمار مواردها في مشروع تأسيس دولة متماسكة على نحو معقول في العراق كما نص صك الانتداب، قررت بريطانيا في عام 1929 إنهاء انتدابها على العراق عبر رفع توصية إلى عصبة الأمم في 1932 بهذا الخصوص، مقابل إبرام الأخير معاهدة تحالف معها تضمن مصالحها الاستراتيجية عبر ما عُرف بمعاهدة 1930. لعب الضغط العراقي، السياسي والشعبي، دوره أيضاً في دفع بريطانيا للقبول بإنهاء الانتداب.
في إطار هذا الضغط الشعبي العراقي المتصاعد على مدى العشرينات نمت الوطنية العراقية سريعاً، بنزوع استقلالي حاد بإزاء بريطانيا بوصفها مصدر الشر وعدوة العرب اللدود، وباعتداد واضح ومتصاعد بالذات على أساس استرجاع فخور ومبالغ به للتراث العربي - الإسلامي، باعتباره سردية مجد متواصل أطاحه ظلماً وحقداً الأعداء الكثيرون. على خلاف هذه الوطنية العراقية ذات الحس القومي العربي، القائمة على الصراع مع الآخر الغربي، كانت هناك النسخة الأخرى من الوطنية العراقية التي تبناها الملك فيصل الأول ومساعدوه من ضباط شرفاء وغيرهم: وطنية ليبرالية تقوم على التعاون مع الغرب، ذات مسحة محلية كوزموبوليتية تختلط فيها قيم عروبية وإسلامية عامة بأخرى أوروبية تتعلق بالحداثة والتسامح.
في آخر المطاف، وعلى امتداد العقود التالية، سادت في البلد النسخة الأولى، العروبية - الإسلامية بطابع حديث، وتراجعت النسخة الوطنية الليبرالية لأسباب عديدة، بينها الأبوية المتكبرة لخلفاء فيصل وعموم الطبقة السياسية الملكية، ورفضها إدخال إصلاحات ضرورية سياسياً واجتماعياً، فضلاً عن سياق إقليمي عربي حاد، أكد الصراع والمواجهة مع الغرب، كما في صعود النزاع السياسي والمسلح حول فلسطين، وبروز معاداة "الغرب الإمبريالي" كناظم أساسي للحياة السياسية في العالم العربي.
على مدى عقود الحكم الجمهوري، باستثناء سنوات حكم عبد الكريم قاسم القليلة (1958 - 1963)، اختَطفت الوطنيةَ العراقية تدريجياً نخبٌ عسكرية حاكمة، لتديرها هذه النخب فوقياً، بوصف هذه الوطنية امتداداً "طبيعياً" وعضوياً للقومية العربية في صراعاتها الكثيرة مع نسخ الآخر الكثيرة والمتناسلة (الغرب، الصهيونية، أميركا، الإمبريالية، الماسونية، "الشركات الاحتكارية"، تركيا، إيران، الخ). في سنوات صدام حسين الأخيرة في الحكم، كانت هذه النسخة قد استنفدت كل طاقتها الداخلية وأصبحت عبئاً على المجتمع والشعب، لتتحول إلى مجرد بث دعائي فارغ تردده أجهزة الدولة وإعلامها، لا أثرَ حقيقياً له على الواقع ولا يمثل تعبيراً عنه.
جاء نيسان (أبريل) 2003، لتطيح القوة العسكرية الأميركية الممثلَ الرسمي لهذه النسخة الوطنية المصطنعة. دخل البلد بعدها مخاضاً صعباً وعنيفاً بصعود أحزاب الإسلام السياسي الشيعي التي تصدرت إدارة البلد منذ 2005 فصعوداً. شَيطَنت هذه الأحزاب نسخ الوطنية العراقية السابقة، واقترحت نسخة أخرى أكثر إشكالية منها، تدور أيضاً حول الصراع مع آخر شرير ودائم، وذلك عبر الاتكاء على فهم مذهبي للهوية عراقياً يستنفر الصراع الطائفي في التاريخ الإسلامي كمصدر للفهم والحقيقة والأصالة، من خلال تبني أحد جانبي هذا الصراع المفترض، المبالغ به تاريخياً وغير المناسب كإطار لفهم الحاضر. انتهت هذه النسخة الجوهرانية الجديدة من الوطنية العراقية المزيفة بمجتمع عراقي متصارع مع نفسه، ونخبة سياسية حاكمة مفككة، فاشلة في الإنجاز وعاجزة عن الإصلاح، ومهتمة بمصالح أحزابها لا مصالح المجتمع. كانت "الوطنية المذهبية" بطبيعة تشكلها، تمييزية بين العراقيين على أساس انتماءاتهم الدينية لتختصرهم عبرها، وبالتالي لتقوّض معنى المساواة بين مواطني البلد، المنصوص عليها دستورياً.
لم يستغرق الأمر طويلاً قبل الاكتشاف الشعبي العراقي الواسع لزيف هذه النسخة المذهبية من الوطنية العراقية، والاحتمالات الدموية الكامنة فيها التي عاش العراقيون الصراعات والتخبط الناتجين منها. ثم جاءت حركة الاحتجاج التشرينية الشجاعة لتدفن هذه "الوطنية المذهبية" لمصلحة الشعار التشريني البسيط في كلماته والعميق في معناه: "نريد وطناً"، وهو الشعار الذي اختصر توق العراقيين التأريخي لوطن رصين ومتماسك، يقبلهم على تنوعهم بدون شروط، وتعمل دولتهم على صناعته من أجلهم. نسخة هذا الوطن واضحة وأعلنتها شكاوى العراقيين العاديين اليومية، وحَولَّها التشرينيون إلى ذخيرة معنوية تبث الحيوية في احتجاجهم الباسل، وتثير حماسة العراقيين لهذا الوطن المقترح: وطن لكل العراقيين بلا مظالم عامة تقوّض معنى المساواة في إطار دولة تحفظ كرامتهم الإنسانية التي فرّطت بها السلطة في العهد الملكي، خصوصاً في عقديها الأخيرين، وقَمعها، بعسف الظلم المستوطن في الدكتاتورية والشمولية، الساسة العسكريون والقوميون في معظم سني الحكم الجمهوري وانتَهَكها بقسوة فادحة وعلى نحو مفتوح وخال من الخجل الساسة الإسلاميون، باسم حق المكوّن الأكبر.
أهمية النسخة التشرينية للوطنية العراقية، وهي لا تزال في طور النضج السياسي والثقافي، هي أنها بخلاف كل أنواع الوطنية السابقة، النخبوية المغزى والهدف، منذ تشكل العراق كدولة حديثة، نتجت من المجتمع ومخاضاته وعنائه، وظهرت إلى السطح عفويةً وهادرةً. لم تشكل هذه الوطنية نخبٌ ثقافية أو سياسية أو حكومية كما حال النسخ السابقة، ولم تحتج إذناً أو شرعية نخبوية، بل تبنّاها الكثير من أعضاء نخب الثقافة والسياسة، فيما شيطنتها الطبقة السياسية الحاكمة بحلفائها الميليشياويين والإقليميين، وتحاول أن تقمعها وتنكل بها بشتى الوسائل المتاحة لها.
الوطنية التشرينية ليبرالية الطابع، تقوم على القبول بالتنوع العراقي من دون حاجة إلى تنظيمه سياسياً، أو القلق من مآلاته الجماعية، وتشترط حيزاً حراً كي يعيش العراقيون ذواتهم الإنسانية كأفراد في بلدهم من دون إشراف مكوناتي أو فوقي أو حكومي، كما كانت تشترط النسخ السابقة، وبخاصة الوطنية بشكليها القومي العربي والإسلامي المذهبي. لا تزال هذه الوطنية التشرينية الليبرالية من دون صياغة فكرية متماسكة وواضحة، لكنها محسوسة ومعلنة، وإن ليس على نحو منظم (في آخر المطاف، تقع مهمة الصياغة هذه على النخب الثقافية التي تؤمن بـ"تشرين" وتتعاطف معها). تأخر الصياغة هذا أو نقصه أمر طبيعي، فـ"تشرين"، كحركة احتجاجية وطنية ذات أفق سياسي وثقافي عراقي مفتوح، لا تزال تخوض مواجهاتها الأهم مع خصومها الرئيسيين من رعاة الوطنية المذهبية والمستفيدين منها، بأحزابهم المهيمنة على الدولة والماسكة بمواردها وأسلحتها. في آخر الأمر، لم ولن يتردد هؤلاء الخصوم في توظيف ترسانة الدولة الأمنية والدعائية والقانونية ضد التشرينيين ونسختهم الوطنية، وسيزداد هذا التوظيف شراسةً إذا شعروا أنهم يواجهون خطر إطاحتهم النهائية.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/29/2026 10:51:00 AM
اكتشاف مغارةٍ جديدة والكشف عن طبيعتها ومعالمها في خراج بلدة تاشع أعالي محافظة عكار
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 2:25:00 PM
بدأت الإجراءات القضائية المذكورة على أثر ادعاءات وجّهها المدّعون إلى مصرف لبنان، مفادها أنه أسهم في استقطاب ودائعهم بالدولار الأميركي من خلال تطمينات مضلّلة حول سلامة الأموال وإمكانية الوصول إليها
نبض