دعا رضا بهلوي، حفيد رضا مير بنج، مؤسس الدولة البهلوية الذي كان قد عين نفسه شاهاً لإيران في 25 نيسان (أبريل) 1926، ما سمّاه القوى الديموقراطية في إيران إلى الاتحاد من أجل إنقاذ البلاد من "نظام الجمهورية الإسلامية". دعوة بهلوي الحفيد جاءت من خلال رسالة متلفزة أطلق عليها اسم "بيمان نوين" والتي تعني باللغة العربية "العهد الجديد"، بثها تلفزيون "إيران إنترناشونال" في 28 أيلول (سبتمبر) الفائت، والتي شدد فيها بهلوي على استحالة إصلاح النظام الإيراني الحالي.
رضا بهلوي، الذي يعتبره القوميون الفرس المناوئون للعنصر العربي، ولياً للعهد، ويرفضه أبناء الشعوب غير الفارسية بسبب انتمائه لنظام ديكتاتوري كان فيه أبوه وجده أهم أعمدته القمعية، قال إن النظام السياسي الجديد في إيران، فور سقوط النظام الحالي، سيحترم حقوق الأقليات ولن تستطيع الأكثرية (الفارسية) أن تنتهك هذه الحقوق! مضيفاً أن العزلة الدولية والتفكك الاجتماعي والتمييز والكبت السياسي والانهيار الاقتصادي والإحباط واليأس كانت من أهم إنجازات نظام الجمهورية الإسلامية خلال العقود الأربعة الماضية.
عدم الثقة برضا بهلوي وبداعميه من التيار القومي الفارسي الرافض للواقع التاريخي والقومي والسياسي لإيران الحالية، أدى إلى مقابلة رسالته التي عنونها بـ "العهد الجديد" برفض واسع داخل المشهد السياسي الإيراني أكان في الداخل أم في الخارج، وخصوصاً من قبل أبناء الشعوب غير الفارسية وقواها السياسية.
في الواقع، كان هذا الرفض نتيجة طبيعية لتراكمات سياسية وحقوقية مريرة عانت منها هذه الشعوب لعقود خلت، بدءاً من تأسيس الدولة الفارسية البهلوية الأولى على يد رضا مير بنج، عام 1926، والتي ما زالت مستمرة إلى يومنا هذا بالرغم من أن الحكام الحاليين في إيران يحكمون البلاد باسم الدين والإسلام. فرضا مير بنج ومنذ تسلمه السلطة في إيران قبل قرابة قرن من الزمن كان قد أطلق مشروعاً سياسياً وثقافياً مدعوماً من الحكومة البريطانية آنذاك كان الهدف الرئيس منه بناء دولة تقوم على أساس ثقافة جديدة بالمطلق أساسها العرق الآري بهدف تحقيق الآتي:
أولاً: تحقيق الانصهار القومي في الجغرافيا والدولة الحديثتين بعدما احتل الأقاليم المجاورة لبلاد فارس وأسقط حكوماتها، ونصب نفسه شاهاً لإيران بالرغم من أنه كان حارساً لأسطبل الخيل في السفارة البريطانية في طهران.
ثانياً: تحقيق المطلب البريطاني الرامي لمنع وصول الروس إلى مياه الخليج العربي، لا سيما بعد اكتشاف البئر الأولى للنفط واستخراجه في شمال الأحواز عام 1909.
وكما هو معلوم، فإن إيران تتشكل من أقاليم عدة تختلف عن بعضها بعضاً تاريخياً وجغرافياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً. كما أن هذه الأقاليم تقطنها شعوب متنوعة من حيث الانتماء الثقافي والديني وصولاً إلى المشارب السياسية. فهذه الشعوب تميل بالفطرة بل وتنتمي تاريخياً وثقافياً وفكرياً إلى دول الجوار أكثر منه للمركز الفارسي. هذا التباين انعكس بشكل جذري على المشهد السياسي الإيراني وأخّر الإصلاح والتغيير السياسي المنشود على الصعيدين الداخلي والخارجي وقد يؤخره لسنوات وعقود إذا ما لم يتم إيجاد آلية من شأنها أن تجمع هذه الشعوب وقواها السياسية بما فيهم الفرس، تضمن الحقوق السياسية والاقتصادية لكل منها على حد سواء.
وعليه، فإذا ما أردنا أن نفهم الواقع السياسي وتعقيداته في إيران علينا في المقام الأول قراءة الخريطة السياسية للشعوب هناك وكذلك المشهد السياسي الرسمي بشقيه الإصلاحي والأصولي والذي لا يمت للواقع بصلة ولا يعكس واقع الحال أبداً. حيث أظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية الإيرانية الأخيرة عزوف المواطنين عن العملية السياسية، وتحدثت التقارير الحكومية أن نسبة المشاركين لا تتجاوز الـ20 في المئة. كما أن الشعارات التي أطلقها المحتجون في الاحتجاجات الشعبية التي عمت البلاد خصوصاً في العامين الماضيين، أظهرت تململ المواطنين من النظام بشقيه الإصلاحي والأصولي حيث ردد المحتجون في أكثر من مناسبة الشعار التالي: "الإصلاحي.. الأصولي، لقد انتهت اللعبة". وأما خريطة القوى السياسية المعارضة للنظام، فهي تنقسم إلى قسمين: الأول يضم القوى الفارسية (وتشكل ما نسبته 30 في المئة من القوى المعارضة) وتضم مجاهدين خلق (اليسار القومي) إضافة إلى الملكيين بكافة مشاربهم السياسية والقومية، والذي ينتمي لهم رضا بهلوي الذي يعتبرونه ولياً للعهد. وأما القسم الثاني، فيضم القوى السياسية التي تمثل الشعوب غير الفارسية (70 في المئة من القوى المعارضة) والتي تتوزع بدورها على مشاريع سياسية عدة منها من يعمل على إقامة نظام فدرالي ديموقراطي، ومنها من يسعى الى تحقيق حق تقرير المصير من خلال الاستقلال كلياً عن إيران.
وإذا ما اسقطنا هذا الوضع المتباين سياسياً على ما قاله رضا بهلوي في رسالته هذه التي عنونها بالعهد الجديد، ومطالبته القوى السياسية بكافة مشاربها بنسيان الماضي وترك الخلافات والالتزام بالاتحاد من أجل إنقاذ إيران، فهي دعوات أقرب إلى الخيال ومصير هذه الرسالة النسيان كسابقاتها. فالعديد من النشطاء والسياسيين انتقدوا محتوى هذه الرسالة باعتبارها تمنيات حالمة وخالية من أية آلية سياسية قد تحقق الحقوق السياسية للشعوب غير الفارسية.
من باب أولى، كان على رضا بهلوي أن يتقدم بمشروع سياسي متكامل يأخذ في الاعتبار المخاوف السياسية والحقوقية للقوى السياسية التي تمثل هذه الشعوب التي رفضت مراراً وتكراراً أن تضع يدها بيد القوميين الفرس (ملكيين ومجاهدين خلق) والذين يرفضون الاعتراف حتى بالحقوق الأولية للعرب والأكراد والبلوش والأذاريين الذين ذاقوا الويلات من الحكم الملكي البهلوي كـ "اللغة والتعليم بلغة الأم"، على سبيل المثال لا الحصر.
إلا أن اللافت والمستغرب في آن هو، من يقف خلف تلميع صورة حفيد رضا شاه بهلوي، ذلك الذي احتل أراضي عربية وأدخل العداء والكراهية في الأدب والثقافة الفارسية منذ عقود خلت والتي ما نزال نشاهد آثارها حتى يومنا هذا! من المفيد هنا أن نستذكر ما قاله رئيس اليمن الأسبق ابراهيم الحمدي: "تجريب المجرب خطأ وتصحيح الخطأ بالملوث خطأ مرتين"!
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
فن ومشاهير
6/10/2026 12:05:00 PM
أسقط هواجسه الشخصية على حياة السيدة فيروز...
رياضة
6/11/2026 1:37:00 PM
القنوات الناقلة لكأس العالم 2026... هناك قنوات ستبث المباريات مجاناً خلال مونديال الولايات المتحدة وكندا والمكسيك
رياضة
6/9/2026 10:20:00 PM
لم يشهد تاريخ كأس العالم سوى حالة واحدة فقط واجه فيها شقيقان بعضهما البعض
نبض