زيارة الحبر الأعظم البابا فرانسيس العراق، الأرض المعذبة والشعب المقهور، في أجواء أمنية وسياسية مضطربة، لفتة رعوية معنوية ورمزية، لدعم استقلال الدولة الضامنة والراعية لكل مكوّناتها الدينية والمذهبية والعرقية وسيادتها، خصوصاً أن مآسي العراق طالت وتعددت، وآلام العراقيين استنفدت عقوداً وعقوداً، في ظل الأنظمة الديكتاتورية والاحتلالات الأميركية والهيمنة الإيرانية.
أمران يرغب البابا في تحقيقهما من هذه الزيارة: تفقّد أحوال المسيحيين وحثّهم على الصمود والبقاء في أرضهم وكنائسهم الكلدانية والسريانية والآشورية، وهي من أقدم الكنائس في الشرق. ولقاء سيد النجف آية الله علي السيستاني، السلطة الشيعية الأعلى، دعماً لحوار الأديان والتفاهم المسيحي الإسلامي على غرار ما جرى في لقاء شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب واجتماع ممثلي الأديان السماوية الثلاثة في أبو ظبي سنة 2019.
وبصفته بابا المعذبين والمخطوفين وضحايا حقوق الإنسان والإرهاب، سياسياً وعرقياً ودينياً، ومن خبرته الشخصية الطويلة كاردينالاً سابقاً في بوينس أيريس في الأرجنتين، يعلّق البابا أهمية كبرى على الاطلاع شخصياً على أحوال أهالي سهل نينوى. هؤلاء الشهداء الأحياء من مسيحيين ومسلمين الذين تعرضوا جماعياً وفردياً، للإبادة والخطف والقتل والتهجير على يد "داعش" والمتطرفين الذين عاثوا في الأرض فساداً ونهباً وسرقة وتخريباً، ونكّلوا بالطائفة الأيزيدية بخاصة وبالطوائف العراقية بعامة.
يحمل خليفة بطرس رسالة سلام ومحبة وتآخي البشر الى العراقيين، كل العراقيين، للبقاء في أرضهم والمحافظة على تراثهم وتقاليدهم في أرض أور، حيث اضطر أكثر من عشرة ملايين عراقي الى الهجرة، مسيحيين ومسلمين، شيعة وسنة وأكراداً، باتجاه أوروبا وأميركا بعامة، ولندن بخاصة، وصولاً الى أستراليا وكندا ونيوزيلندا وأي بقعة أخرى...
سيزور البابا كنائس الكلدان والآشوريين ومعاقلهم في بابل، وسيعرّج على الناصرية والموصل المدينة التي كانت عصب العراق التجاري والصناعي والثقافي، وصلة الوصل مع تركيا والعالم، الموصل بجسورها المعلقة وأشجار الكينا الباسقة وأديرتها القديمة تهدّمت وتحوّلت مدينة أشباح على يد "داعش" بعدما خرّبوا العمران وهدموا المؤسسات، ومنها جامعة الموصل ومكتباتها التي تحتوي على مخطوطات ووثائق علمية وتاريخية في بناياتها الـ 144 التي تصدّعت وتنتظر إعادة بنائها.
يشكل المسيحيون أقلية دينية في العراق الآن. ربما لا يتجاوز عددهم نصف مليون نسمة أو أقل. معظمهم يعيش في بغداد والبصرة وسهل نينوى والعمادية وعقرا والقوش والموصل. المسيحيون جيران الأكراد ومن سكان الشمال. المدن مختلطة والمناطق مشتركة وتاريخ المآسي والحرمان والتخلف واحد. إلا أن لا ثقة للمسيحيين بجيرانهم بسبب مجازر ارتكبها أكراد تاريخياً في حق المسيحيين.
المسيحيون بالأصل مزارعون ريفيون يعملون بجد ونشاط في أرزاقهم وقراهم المنتشرة على حفافي سهل شهرازور الواسع والواقع بين ثلاث محافظات: أربيل وكركوك وداهوك. مزارعهم كانت خصبة وخيرة، الأمر الذي أثار غيرة الأكراد المولعين بالسلاح والدفاع عن الجبال أكثر من اهتمامهم بالأرض. وخلال حقب الصراع بين الدولة العراقية والأكراد، والتي كانت تنتهي بهزيمة الأكراد، كان يرتد الأكراد على المسيحيين فيحرقون المزارع ويخربون القرى. يخطفون ويتحرشون بالنساء والصبايا ويجبرونهن على الزواج والإنجاب، وبعد فترة يتخلون عنهن ويردّونهن الى أهلهن.
على مر الأيام أصبحت مصيبة المسيحيين العراقيين مزدوجة. عداوة الأكراد ومصادرة الدولة الأملاك والمزارع أسوة بالأكراد وإجبار الطرفين على تغيير مساكنهم الأصلية والانتقال الى المستوطنات. هذه الأعمال ضيقت على المسيحي فسحة الأمل وحملته على النزوح الى بغداد أولاً والى الهجرة لاحقاً.
ونتيجة هذا الواقع التاريخي والمؤلم تقلص الوجود المسيحي في الشمال وبات رمزياً ومتواضعاً، بعدما لجأت غالبيتهم الى بغداد طلباً للرزق والأمان وفرص العمل. في أيام الازدهار كان عدد المسيحيين يقدّر في العراق بمليون ونصف مليون نسمة في بغداد والموصل والبصرة ودهوك وكركوك والعمادية وزاخو والناصرية. وتقلص العدد بأحسن أحواله الى نصف مليون مسيحي الآن إذا لم يكن أقل.
النزوح المسيحي الى بغداد قديم. يعود الى ثلاثينات القرن الماضي وأربعيناته عندما وفد المسيحيون طلباً للعلم والوظيفة. استقروا واندمجوا في حياة العاصمة تجارياً ومهنياً وثقافياً، فكان منهم أطباء ومحامون وصيادلة ومعلمون ومعلمات وموظفون في الدولة، بخاصة في العهد الملكي والشركات الخاصة.
مع موجة الانقلابات العسكرية والتأميمات في خمسينات القرن الماضي وستيناته، وبعد سقوط العهد الملكي، قرر العديد من الأغنياء والمهنيين وكبار التجار المسيحيين وغير المسيحيين الانتقال الى الخارج. جاؤوا الى بيروت وقصدوا لندن ووصلوا الى الولايات المتحدة الأميركية، خصوصاً الى ديترويت وشيكاغو.
خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي، شهد الشمال موجة نزوح كثيفة باتجاه بغداد بسبب مصادرة الدولة القرى الواقعة على الجبال المتاخمة لإيران. وخلال زياراتي لبغداد في تلك الفترة وبعدها التقيت آلاف المسيحيين المهجرين في مناطق الدورة والمسبح وأم الأحزان في وسط بغداد موزعين، يتحسّرون على ترك منازلهم ومزارعهم ويطالبون الدولة بمراجعة مواقفها وبضمانات وحماية من الأكراد.
مسيحيو بغداد ينقسمون الى طبقات ثلاث: طبقة مستقرة ومزدهرة نسبياً في أعمالها التجارية ووظائفها الحكومية ومهنها الحرة. وطبقة حرفيين تتألف من تجار صغار ومعلمي نجارة وحدادة وتصليح سيارات وخياطين ومعلمين ومعلمات. وفئة ثالثة من الكادحين والعمال المياومين يعيشون في أبنية قديمة مهملة في وسط بغداد عُرفت بأم الأحزان، وجدت في مؤسسة كاريتاس ملجأً لتأمين التعليم للأولاد والدواء للمرضى والمسنين.
ومن خلال زياراتي السنوية لأم الأحزان وهي فعلاً اسم على مسمى. كنت ألتقي الأب جوزف الراهب اليسوعي الذي كان يسهر على النازحين من الكلدان والآشوريين، ويؤمّن لهم المساكن في مدارس الأبرشيات المقفلة والبيوت القديمة المهجورة، ويفتح المدارس لتعليم الأولاد وإيجاد عمل للآباء والأمهات في الكنائس والأديرة والمنازل.
خلال سنيّ العقوبات والحصار على العراق، بدءاً من عام 1991، استغل بعض المسيحيين الفوضى والحصار وانتقلوا الى الأردن أو لبنان كمحطة أولى في رحلة الابتعاد عن الوطن، بانتظار قبول طلبات اللجوء وإجراء ترتيبات المغادرة الى أي بلد يستقبلهم على طريقة الهجرة العشوائية اللبنانية خلال الحرب. يبيعون أملاكهم ومحالّهم وأغراضهم بانتظار الفرج. عديدون صرفوا الأموال التي في حوزتهم ولم تتوافر لهم تأشيرات الهجرة، فاضطروا الى تسجيل أسمائهم في مراكز الأمم المتحدة للمساعدة الإنسانية كلاجئين.
المسيحي العراقي كان يهاجر طلباً للرزق وضمان مستقبل الأولاد والأحفاد تحسباً وخوفاً من المد الإسلامي الأصولي وليس نتيجة اضطهاد ديني مباشر. صحيح أن الدولة إسلامية، أما الحزب الحاكم (حزب البعث) والنظام فكانا علمانيين. الدولة العراقية كانت تعترف بالأقليات المسيحية وغير المسيحية، وتعترف رسمياً باللغات الآرامية والسريانية والآشورية التي تُحكى في البيوت وتستعمل في القداديس. أيام صدام كانت الدولة تتولى ترميم الكنائس والأديرة تماماً كما كانت تفعل مع المساجد والزوايا والمدارس الإسلامية.
عند قيام الانتفاضات الشيعية في الجنوب والكردية في الشمال، لم يتأثر المسيحيون وإن تعرضوا لمضايقات كما تعرّض غيرهم من السنّة والشيعة والتركمان. بعد تدهور الأحوال العامة وسيادة الفوضى وانتشار السلاح، تركوا منازلهم وهربوا كغيرهم. المسيحيون هم أكثر المكوّنات التصاقاً بالدولة باستثناء بعض الآشوريين، كونها الأضمن للسلامة العامة والخاصة والأكثر نظاماً، وتعتبر وحدة العراق مقدسة. عندهم مآخذ على الحكم كأقليات تطالب بالمساواة والحقوق في الوظائف، لكن خيارهم البقاء تحت جناح الدولة وحمايتها.
المسيحيون في العراق موزعون طوائف ومذاهب، الكلدان هم الطائفة المسيحية الأولى وأكثرها وجاهة ونفوذاً. منهم العديد من التجار الكبار والموظفين في الدولة والأطباء والصيادلة والمحامين والمعلمين، يعيشون ويعملون في بغداد والبصرة والموصل. يشعرون بأنهم أهل البلاد الأصليون ويندمجون مع العرب والأكراد على عكس الآشوريين الذين يتميزون بشعورهم القومي والعنصري.
الكلدان هم سكان بابل القديمة. جاؤوا من الشمال ومن بيئات زراعية ريفية. نزوحهم المبكر الى بغداد ساعد في استقرارهم ونجاحهم في العاصمة. في بغداد وحدها 35 كنيسة، 6 منها تابعة للكلدان والباقي للاتين والبرونسكات والأرثوذكس والصابئة. الكلدان والسريان كاثوليكيو المذهب ويتبعون الكرسي الرسولي في روما ولهم كرادلة وبطاركة ومطارنة على تواصل دائم مع روما. عرف منهم البطريرك بيداويد. ويتمتع المطران لويس ساكو حالياً بالاحترام والتقدير لرعايته المؤمنين في هذه الأحوال الصعبة.
الآشوريون والسريان من أنصار الهجرة المبكرة أكثر من الكلدان. الآشوريون يصفون أنفسهم بالسكان الأصليين لبلاد ما بين النهرين. يتحلّون بحسّ حضاري وأمني خاص. يتكلمون لغة هي مزيج من الآرامية القديمة والسريانية الحديثة، التي تُحكى في البيوت وتستعمل في الصلوات. منذ تاريخ المجزرة المشهورة في 1933 والآشوريون في حال من الترحال. ألوف سافروا الى أميركا واستقروا في شيكاغو. بينما السريان والكلدان استقروا في ديترويت وقسم ذهب الى السويد واليونان.
ملف الأقليات لا يزال مفتوحاً في العراق وفي شماله تحديداً منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية منذ أكثر من مئة عام. الإنكليز لعبوا بالآشوريين ولا تزال مجزرة 1933 حية في ذاكرتهم. كما يتذكرون كيف أُجبروا على التنازل عن ممتلكاتهم في جنوب تركيا في منطقة حتاي، على أن يعطوا حكماً ذاتياً مستقلاً في منطقة الموصل. الإنكليز غيّروا رأيهم ونكثوا بوعودهم. علماً أن العديد من الآشوريين والهنود والأكراد خدموا مرتزقة في الجيش البريطاني ودخلوا مناوشات مع الجيش العربي العراقي لاحقاً بعد تأسيس الدولة العراقية، ما اضطرّ قسماً منهم للهروب الى سوريا والاستقرار في منطقة الخابور.
حاول الإنكليز بدهائهم ومكرهم التعويض على الآشوريين اقتصادياً بما خسروه سياسياً، ففتحوا أبواب التوظيف لأعداد كبيرة منهم في شركة نفط العراق الخاضعة لإدارتهم. بعد صدور قرارات التأميم فشل الآشوريون في قبض تعويضاتهم. ويقال إنهم أيدوا حكم عبد الكريم قاسم، وبعد الانقلاب عليه تعرض العديد منهم الى الاضطهاد والسجن فهاجروا بأعداد كبيرة الى أميركا والهند ولبنان.
باختصار، الأقلية المسيحية هي الأقلية الهادئة الصابرة والأقل إثارة للمشكلات. لم تشهد مناطقها انتفاضات وتوترات. همّها المحافظة على الوجود وتأمين لقمة العيش والعمل والمستقبل للأولاد في أجواء من التسامح والعيش المشترك مع الآخرين.
مع تدهور الأحوال الأمنية والسياسية في العراق على أثر سقوط نظام صدام حسين وانتشار الفوضى والفلتان، تقلص الوجود المسيحي كثيراً ونشطت الهجرة، شأنهم شأن المكوّنات العراقية الأخرى التي اختارت مغادرة البلاد نظراً الى انسداد الأفق ولضرورة رؤية مستقبل آمن للأولاد والأحفاد في ظل الحروب المتكررة وظهور تنظيمات إسلامية مسلحة ومتشددة وتدخلات خارجية مستمرة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الخليج العربي
5/29/2026 12:33:00 AM
شهد الحفل حضور عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، وضيوف خادم الحرمين الشريفين، إضافة إلى رؤساء الوفود وممثلي مكاتب شؤون الحجاج.
لبنان
5/28/2026 5:35:00 PM
يسبق يوم العيد عشر ليال، تسمى عند الموحدين الدروز ليالي العشر، يقوم فيها المشايخ والشيخات بالتوجه نحو المجالس الدينية والمقامات وأداء الصلاة كل ليلة. وكثيرون لا يعرفون أن الموحدين الدروز يصومون خلال هذه الفترة.
فن ومشاهير
5/27/2026 4:12:00 PM
وشهدت الأشهر الماضية تداول أنباء متكرّرة عن زواجهما، إلا أنّ الإعلان الرسمي عن ارتباطهما تأجّل حتى الآن.
موضة وجمال
5/26/2026 11:06:00 AM
أتت هذه الإطلالة اللافتة للأميرة رجوة في أول مشاركة لها في احتفال عيد الاستقلال السنوي بعد ولادة الأميرة إيمان.
نبض