03-09-2020 | 02:19

العراق يلقننا درسا في "مئوية لبنان"

لم تكن "مئوية لبنان" مناسبة للاحتفال، اذ تحتفل الدول بنجاحاتها لا بذكرياتها. تحتفل اذا كان لها قيمة بحاضرها ومستقبلها. وتحتفل بماضيها العظيم فقط اذا لم تكن اليوم في قعر انحطاطها
العراق يلقننا درسا في "مئوية لبنان"
Smaller Bigger
 
 
قبل 30 سنة تماما، نكب العراقيون والكويتيون بزلزال غزو الكويت الذي ما زلنا نعيش ارتداداته الدموية حتى الان. بعدها ب30 سنة تماما، صار للبنانيين نكبتهم الجديدة الخاصة بزلزال الانفجار- الجريمة في قلب بيروت. 
 
كثيرا ما تتقاطع أحوال العراق مع أحوال لبنان. لقد كان شهرا عراقيا – لبنانيا بامتياز. البلدان في صدارة الاحداث الاقليمية، وانما كل على طريقته. لبنان، العاجز والمتخبط، يلملم أشلاء ابنائه المفجوعين، والعراق للمفارقة، يهم بالنهوض وهو المثقل بلائحة طويلة من النكبات. 
 
يعزز هذه التقاطعات اللبنانية – العراقية، اختيار "التكنوقراطين" مصطفى الكاظمي وحسان دياب في مرحلتين زمنيتين متقاربتين. ثم الظهور المباغت للتكنوقراطي الجديد مصطفى أديب. انفجار الاحتجاجات في شوارع العاصمتين بيروت وبغداد. تفاهمات اقليمية جرت خلف الكواليس، فتحت ابواب السلطة أمام القادمين الجدد. هتافات متشابهة في شوارع المدينتين ضد السلطة والفساد والمحسوبيات... والفقر. وليكتمل مشهد التشابه، عواصم اقليمية ودولية هي ذاتها تقريبا، تقوم بالتسويات وتلعب ادوارا عراقية ولبنانية.
 
تتقاطع مصائر لبنان والعراق ايضا في هذه اللحظة بالذات مع احتدام التغول التركي، من شمال العراق الى سواحل شرقي المتوسط. وعبر العاصمتين، تمر الرسائل الاقليمية والتفاهمات... والاغتيالات. 
 
في الذكرى الثلاثين لنكبة الغزو العراقي، كان الكاظمي يصعد الى واجهة الاحداث. في الاسابيع القليلة الماضية، كان يذهب من طهران للقاء حسن روحاني وبعدها الى واشنطن للقاء دونالد ترامب، مراهنا على اخراج العراق من تحت وطأة صراعمها. ومن واشنطن، الى عمان للقاء ثلاثي مع عبدالفتاح السيسي وعبدالله الثاني، للتموضع في مساحة أكثر راحة للعراق، في لحظة ضغوطات سياسية واقتصادية وامنية كبرى، ويحاول فتح سواحل البحر المتوسط والبحر الاحمر امام مصالح بغداد، ويستقبل ايمانويل ماكرون ويتلقى دعوة رسمية لزيارة السعودية التي تأجلت زيارته اليها قبل اسابيع لظروف مرتبطة بمرض الملك سلمان بن عبدالعزيز. 
 
فماذا عن لبنان؟
 
لم تكن "مئوية لبنان" مناسبة للاحتفال، اذ تحتفل الدول بنجاحاتها لا بذكرياتها. تحتفل اذا كان لها قيمة بحاضرها ومستقبلها. وتحتفل بماضيها العظيم فقط اذا لم تكن اليوم في قعر انحطاطها. 
 
ولهذا فاننا سنكتفي ب "شجرة ماكرون" وخطاب رئيس الجمهورية عن "الدولة المدنية"، وبمقاتلات أجنبية رسمت علم لبنان بالألوان. فنحن في القعر الذي أشرنا اليه. سنكتفي بترقب زيارات المسؤولين الأجانب الى البلاد التعيسة التي لم تكن يوما سعيدة. سنترقب ايماءاتهم وتصريحاتهم ومصطلحاتهم ليبنى على الشيء مقتضاه. لنعرف حدودنا، وسياساتنا، ونفطنا، وسيادتنا، والأهم اصطفافاتنا الضيقة ومذهبيتنا، ما ظهر منها وما بطن.
 
مشلولون نحن ومعزولون. لا زيارة لمسؤول لبناني كبير الى طهران، ولا الى واشنطن ولم نكن في "قمة عمان" الثلاثية برغم اننا معنيون تماما بها. لم نعد نذكر متى سافر مسؤول لبناني بارز الى السعودية فيما "قانون قيصر" يكبلنا مع سوريا. 
 
في القعر نحن. ونحن أحوج من العراق لنتحرك ونلتقي ونحاور ونبحث عن الخيارات المتاحة لنا اقليميا ودوليا. تتعرض بغداد لانتقادات وتشكيك بسبب وجود "الحشد الشعبي". تتعرض بيروت لانتقادات مشابهة لوجود "حزب الله". لكن ذلك لا يمنع الكاظمي من العمل. يستقر لبنان في "مئويته" في حالة العجز، ويراد تعميم هذا الخنوع غير المبرر على جميع اللبنانيين، والنوم على حرير ذكريات لبنان، الذي كان. 
 
لا نريد أكثر من ان يظل حلم "سويسرا الشرق" يراودنا، لنتباهى به أمام اطفالنا بأننا كنا هناك، ونحن في يقين بأننا لم نصل هناك أساسا. لكننا نتخيله دائما في رؤوسنا وكأنه واقع كان، وهو لم يكن. ونرفض ان نصدق اننا لم نكن هناك. 
 
فاذا وقعت بين أيدينا صورة بألوان باهتة من زمن الستينات والسبعينات، قلنا "ها هو". ها هو الدليل بأن ما يتراءى لنا في أذهاننا، في مخيلاتنا وأحلامنا، حقيقة ناصعة مجسدة بصورة فتيات على أحد شواطئ بيروت، ومن خلفهن بدا جبل قريب تغطيه الثلوج، أو بصورة بالابيض والاسود لفرقة دبكة على أدراج بعلبك العامرة بالساهرين من كل أنحاء الوطن العربي. 
 
أفراحنا بسيطة، وأحلامنا كبيرة، وخيباتنا أكبر. علمتنا "المئوية" الاولى دروسا قاسية عن الوطن، ولم نحافظ عليه. ولكن للعراق نكباته الكبرى، ومع ذلك هناك في السلطة من يدرك الحضيض الذي وصلت اليه أمور العراقيين، فيحاول.
 
اما نحن فكأننا لم نستوعب. خضنا محطات دموية ومؤلمة حد الفجيعة. مهدنا لها من قبل في ال1840 وال 1845 وال 1860، وكنا، كما الآن، فرقا ومذاهب وعصبيات واقطاعيين.. وفقراء. كان يفترض بال 1920 ان يكون مناسبة جديدة لانطلاقة جديدة، لكن تعايش الطوائف بالمحاصصات والزبائنية لم ينجز "الدولة". وها هو راعيها الأول يقول لنا الآن بالفم الملآن :"فشلتم". 
 
قد لا تتشكل "ظاهرة ماكرونية" تخرج هذه البلاد العاجزة من القعر. لكن من البديهي ان يفكر ماكرون ب"الظاهرة الديغولية" التي سبقته لبنانيا، وساهمت في تغيير مسار البلاد جذريا قبل اكثر من 70 سنة. 
 
لكن المسألة ليست هنا، وانما ما في دواخلنا. سننتظر اسبوعين اضافين لتشكيل الحكومة الجديدة. ما على بالنا؟! اننا في مستهل المئوية الثانية وما زال هناك متسع كبير من الوقت، والفرصة ربما، ليأتي من يشكلها نيابة عنا. 
 
في العشرية العراقية الثالثة، هناك في بغداد من يكافح. في "مئويتنا" اللبنانية فوجئنا كم نحن اتكاليون.. وربما سذج لا أكثر.