02-06-2022 | 12:51

العراق: غزوة إيرانية نصرةً لـ"قدسية" خامنئي وزيدان

إنّ تحوّل مسؤول عراقي إلى شخص لا ينتقده الناس إلا همساً، كان دائماً المقدمة الأولى لهدم كيان الخوف الذي يؤسسه. انطبق ذلك على صدام حسين، ثم مقتدى الصدر، ثم نوري المالكي، ثم الفصائل الحشدية.
العراق: غزوة إيرانية نصرةً لـ"قدسية" خامنئي وزيدان
Smaller Bigger

ليلةٌ من هستيريا الفصائل الموالية لإيران، تفرّج العراقيون على أحداثها، بعدما نطق الكاتب والصحافي العراقي سرمد الطائي ببضع حقائق من على شاشة التلفزيون العراقي الرسمي، عن جرائم الميليشيات المرتبطة بمرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي، ومبالغة رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، في الاندكاك بمواقف الجارة الشرقية، واستخدام سلطاته لكتم الأصوات.


إعلام الدولة في خدمة البندقية الأطول

 قطعت القناة بثها المباشر بشكل مفاجئ، في قرار غير مسبوق، وانتقلت لعرض الإعلانات، وهو ما لم تفعله القناة الممولة حكومياً، حتى حين كان ضيوفها يشنون أشد الهجمات والاتهامات والتهديدات وخطابات الكراهية ضد نصف الكرة الأرضية.

يرأس القناة الحكومية الإعلامي نبيل جاسم، الذي اشتُهِر أثناء فترة تظاهرات تشرين بمشادة كلامية على الهواء، وبّخ خلالها ضابطاً على قتل المتظاهرين، ووصل جاسم إلى المنصب باعتباره جزءاً من خطة حكومية لامتصاص الغضب الشعبي من بؤس الإعلام الحكومي ومداهنته.

لكن مناوئيه يتداولون مقالاً له باسم "ميلاد الفرح" يعود لحقبة البعث، بمناسبة "عيد ميلاد" رئيس النظام السابق، يصف فيه صدام حسين بـ"القائد العملاق"، كما تجمعه علاقات بساسة وفصائليين بارزين، بمستوى أعلى مما يحتاجه صحافي لممارسة الصحافة.

لم يعد جاسم يكتب المقالات، لكنه ربما لا يزال يعتقد أن رؤساء السلطات والزعماء، هم قومٌ من جنس العمالقة، لا ينبغي تحديهم أو مقاومتهم، ولذا فقد أغلق في شباط الماضي برنامج "المراجعة" المعني بمناقشة تاريخ الأديان، بعد اعتراض جهات فصائلية، ثم أغلق برنامج "المختبر" وأقال مُقدمه صالح الحمداني إرضاءً لمقتدى الصدر، ثم عاد بعد تصريحات الطائي الأخيرة، ووجه بحذف الحلقة من جميع صفحات القناة، وأصدر بياناً اعتذر فيه عن "الإساءة للرموز الوطنية" دون أن يحدد ما إذا كان يقصد بذلك علي خامنئي أم نوري المالكي أم قاسم سليماني.

وقالت مصادر على صلة بالقناة الحكومية، إن قراراً صدر أيضاً بإغلاق البرنامج الذي استضاف الطائي، ومنع الأخير من الظهور في القناة. 

ولم يواجه جاسم أي ضغط بالرفض أو التفاوض أو محاولة إبرام تسوية، أو حتى التلويح بالاستقالة أو تقديمها، او طلب المساندة من الشارع الذي ساهم بوصوله إلى المنصب، بل فضّل اعتماد طريقة "اقطع عرق وسيّح دم" عبر التضحية بأي موظف أو برنامج يُزعج سادة المال والسلاح وأصحاب الكرسي الذي يشغله، دون اكتراث لطبيعة القواعد التي ترسيها قراراته.


عودة إلى المواجهة 

ولم يكشف سرمد الطائي جديداً لا يتداوله النشطاء والصحافيون في مجالسهم، حين تحدث عن تورط فصائل خامنئي بجرائم الاغتيالات والقمع، أو تماهي فائق زيدان مع التيارات الإيرانية، لكن حديث الطائي تسبب بهزّة لأنه جاء بعد نحو عام من المحاولات الإيرانية الحثيثة لتعويد أصحاب الرأي العراقيين على تقبّل فكرة تشييد هيكل مقدس جديد، محصن من المساس، يضم شخصيات طهران المفضلة.

قال الطائي إن "فخامة العراق أكبر من خامنئي والقاتل قاسم سليماني وفائق زيدان"... وعلى الفور، سارعت الخلايا الإعلامية الفصائلية لإطلاق هجمة تحريض ضد الطائي، وطلبت دعم المسؤولين الإيرانيين عبر مناشدات باللغة الفارسية، وشارك الناطق السابق باسم هيئة "الحشد الشعبي" أحمد الأسدي إلى جانب ياسر المالكي، صهر رئيس الوزراء الأسبق، القائد الفعلي للإطار التنسيقي، نوري المالكي، الذي طالب هو الآخر بشمول "المالكي العمّ" بشارة القداسة، وانضم الجميع إلى حملة لإغلاق برنامج "المحايد" الذي يقدمه الإعلامي سعدون ضمد، بعدما نال الأخير المقيم في بغداد، قسط من التهديد والوعيد.

 

رموز مقدسة "بالإكراه"

منذ مقتل قاسم سليماني وجمال جعفر (أبو مهدي المهندس)، تبذل الخلايا الإيرانية جهوداً مُضنية في محاولة حشر الشخصيتين، مع مرشدهما علي خامنئي، في قائمة شخصيات خارج النقد، تضم مثلاً المراجع علي السيستاني، ومحمد باقر الصدر، ومحمد صادق الصدر (فيما لا يفلح الصدريون حتى الآن بجعل زعيمهم مقتدى الصدر "رمزاً" فوق الانتقاد، نظراً لتورطه الواضح في السياسة).

وسبق أن منعت السلطات المحلل السياسي المقرب من إيران نجاح محمد علي من الظهور الإعلامي إثر "إساءة" ضمنية لمحمد صادق الصدر، كما اعتقلت سلطات إقليم كردستان، السياسي نايف كردستاني بعد "إساءته" للسيستاني.

وتعتمد الأعراف التي يجري اجتراحها تدريجياً، منع الإساءة للسيستاني، والصدرين الأول والثاني، باعتبارهم "رموزاً وطنية ودينية".

وترى القوى التابعة لإيران، أنها بحاجة إلى حصة في قائمة المقدسين تلك، لكنها لا تُفلح في مسعاها حتى الآن، نظراً لطبيعة سجل الشخصيات التي يُراد منحها القدسية.


محاولة تغيير مجتمعي مستحيلة

يحاول الإيرانيون، تحصين "خامنئي وسليماني والمهندس وزيدان"، عبر اعتبار الأول "رمزاً دينياً، والثاني والثالث "مُدافعين عن العراق" والرابع بوصفه "الحصن الدستوري"، وإعادة صياغة سياسات التحرير في وسائل الإعلام، ومداخلات المتحدثين، وفق تلك المعادلة، لكن المساعي لا تثمر، فلا مقلدين لخامنئي في البلاد إلا ما ندر، حتى أن معظم عناصر الفصائل الموالية لإيران لا يقلدون المرشد دينياً، رغم الحملات "التبشيرية" والعطايا السخيّة التي يضخها أنصار ولاية الفقيه لزيادة أعداد مقلدي خامنئي في العراق. 

 

كما أن السجل العسكري والسياسي لسليماني والمهندس لا يؤهلهما لاكتساب القداسة، مع آلاف الضحايا المدنيين المُغيّبين أو القتلى سواء من أيام معارك استعادة البلاد من تنظيم "داعش"، أو بعد تظاهرات تشرين.

أما رئيس القضاء والقضاة، فائق زيدان، الذي غازل الإيرانيين حين خصّ أبو مهدي المهندس دون بقية العراقيين بعبارة "أخي الذي لم تلده أمي"، فيتحدى أصحاب الرأي بظهوره كـ"صاحب الهراوتين"، سلطة الدولة الرسمية والقوانين، وسلطة الدولة الموازية عبر القرب الاستثنائي من إيران وزعماء فصائلها في العراق.

زار زيدان نظيره – حينها - إبراهيم رئيسي في طهران صيف العام 2019، ثم التقى الاثنان في بغداد مطلع شباط عام 2021، وأرسل زيدان صيف العام ذاته برقية تهنئة بانتخابه رئيساً لإيران، ثم عاد وزار طهران للمشاركة في تنصيب رئيسي، ويقول رئيس القضاء العراقي إن "علاقة متميزة" تربطه برئيسي، الذي تقول منظمة "هيومن رايتس ووتش" إنه المشرف الفعلي على إعدام آلاف السجناء السياسيين.

ويندر أن يُرى زيدان مُبتسماً كما في لقاءاته الحميمة مع رئيسي، ولا يُستَبعَد أن الأول يرى في تكرار مسار الثاني، هدفاً ممكناً، حيث الانتقال السلس من رئاسة القضاء إلى رئاسة الدولة برمّتها.


مرحلة الهمس... فأل سيئ دائماً

قال الطائي إن "مذكرات الاعتقال الفورية تلاحق كلّ مَن يُطلق كلمة واحدة في نقد القضاء"، ولحظة انتشار حملة الفصائل ثم تداول مقتطفات من حديثه، كان معظم الصحافيين والمساهمين في الشأن العام، يشعرون تماماً بما يقوله الطائي، الذي كسر صمتاً دام أكثر من عامين منذ أن بدأ زيدان بتشييد زنازينه، ونقل أحاديث النشطاء إلى المحادثات الخاصة.

في تلك المحادثات، يقول كثيرون، إن نفوذ زيدان يصل إلى "الانتربول"، وهو يقدم نفسه كشخصية تحظى بعلاقات ممتازة مع الغرب وبريطانيا على وجه الخصوص، ويلتقط صوراً إلى جانب العلم البريطاني خلال زياراته إلى لندن، في محاولة لموازنة ألبومه المليء بصور رئيسي ورفاقه ومسلحيه في العراق.

لكن تحوّل مسؤول عراقي إلى شخص لا ينتقده الناس إلا همساً، كان دائماً المقدمة الأولى لهدم كيان الخوف الذي يؤسسه. انطبق ذلك على صدام حسين، ثم مقتدى الصدر، ثم نوري المالكي، ثم الفصائل الحشدية.


"العراق يتذكّر..."

في رحلة صناعة مقدسات إيرانية في العراق، استنفدت الخلايا الإعلامية كل ما يُمكن فعله، وصولاً إلى انتداب مشاهير من خارج الوسط الإيراني، لترويج روايات عن "خفايا الأيادي البيضاء" لسليماني والمهندس، وصوغ حكايا عن دورهما "السري"! في حماية المتظاهرين، لكن دون جدوى، وهو ما يفسر مستوى الانفعال الهستيري في أوساط الفصائل، التي لوّحت الليلة الماضية بحرق قناة "العراقية" الرسمية في تكرار لعمليات سابقة مماثلة ضد وسائل إعلام.

رسالة المسلحين اليائسة للعراقيين "احترِموا الشخصيات الإيرانية لأنهم مقدسون ولطفاء أو شهداء أو معممون... أو لأننا سنحرقكم ونقتلكم إن لم تفعلوا".

وسبق أن خاض العراقيون معركة مشابهة بعد إعدام صدام حسين، مع أوساط عربية موالية للنظام السابق، كانت تحاول فرض "احترام صدام" أو "طوي صفحته" من باب "إكرام الميّت"، أو أن "محكمة مدعومة أميركياً هي التي تولت الحكم بإعدامه"، لكن العراقيين لا يغفرون لجلاديهم.

لسان حال الإيرانيين في العراق: فعلنا كل شيء، حاولنا ترهيب الناس حين قتلنا وهجّرنا أشجع نساء الاحتجاج العراقي ورجاله، وقرّبنا بالمال والوظائف والترغيب كثيراً من الأسماء... ولا نزال نواجه كُرة الرفض "كلّما قُلنا صفا زمنٌ.. رَجِعَتْ كالريح تشتعلُ".

 

الأكثر قراءة

لبنان 5/18/2026 12:00:00 AM
تحدثت معلومات ديبلوماسية عن أنّ لبنان تبلّغ عبر سفارته في واشنطن طرحاً يرتبط بمساعٍٍ لتحقيق وقف تام وشامل لإطلاق النار خلال 24 إلى 48 ساعة من منتصف ليل السبت - الأحد بين "حزب الله" وإسرائيل...
مجتمع 5/18/2026 8:51:00 AM
حضرت القوى الأمنية والأدلة الجنائية إلى المكان للتحقيق
مجتمع 5/18/2026 10:32:00 AM
البطريرك المزعوم جان عبود هو كاهن روم كاثوليك سابق تابع لأبرشية طرابلس، كان قد تم توقيفه من الخدمة الكهنوتية وفُرضت عليه العقوبات الكنسية.