لبنان: "الترسيم التاريخي" في لحظة استحقاقات متوهجة
بدا من مفارقات الزمن الإقليمي واللبناني أن يسارع الوسيط الأميركي الخطى لانجاز الاتفاق قبل نهاية ولاية ميشال عون وقبل الانتخابات الإسرائيلية سواء بسواء، فإذا بهذا الملف يطبق بدوره بتأثيرات خفية على مجريات الاستحقاق الرئاسي اللبناني.
عرف لبنان في حقبات الحروب التي تناوبت وتآلبت عليه تجارب قاسية بل مدمرة كانت تشكل تمازجاً بين تطورات إقليمية ودولية تتنفس فوق أرضه واستحقاقات داخلية كانت تتزامن مع تلك التطورات. منها على سبيل النماذج الصارخة انتخاب الرئيس الياس سركيس مع حلول المبادرة العربية الشهيرة التي جاءت بقوات الردع العربية الى لبنان، وكذلك انتخاب الرئيس بشير الجميل بعد الاجتياح الإسرائيلي الذي بلغ بيروت وأيضاً الظروف الدراماتيكية التي فرضت على الرئيس أمين الجميل الغاء اتفاق 17 أيار (مايو)، وأيضاً وأيضاً في زمن الطائف اغتيال الرئيس رفيق الحريري على وقع التمديد لإميل لحود، وأيضاً انتخاب الرئيس ميشال سليمان عقب الدماء التي سالت في عملية 7 أيار الميليشيوية التي شنها "حزب الله" في بيروت.
ومع ذلك، ثمة فرادة مختلفة لطبيعة التمازج المتزامن الذي بدأ يرتسم راهناً بين اقتراب لبنان من عقد اتفاق تاريخي حول ترسيم حدوده البحرية مع إسرائيل بالتزامن مع تهالك العد التنازلي لولاية ميشال عون في نهاية شهر تشرين الأول (أكتوبر) الحالي.
من نافل القول إن تسلم لبنان النسخة الرسمية لحصيلة المفاوضات التي قادها آموس هوكشتاين، الوسيط الأميركي في ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، أضاء الإشارة الخضراء أمام توقع تطور تاريخي بكل المعايير ولو اتبعت "مراسم" لانجاز الاتفاق لا تلحظ توقيع وثيقة مشتركة تجنباً لاعتبار الاتفاق المزمع ابرامه اعترافاً بنهاية العداء لإسرائيل أو بداية تطبيع للعلاقات معها.
وعلى رغم الحذر الكبير الذي يمليه التعامل مع التفاصيل الدقيقة للاتفاق الخاضع الآن للدرس القانوني والتقني والجغرافي والأمني والعسكري على أيدي طاقم متخصص قبل أن يمهر بموافقة أو تحفظ أو رفض "الرؤساء اللبنانيين" الثلاثة الذين حرص هوكشتاين على إرسال نسخ ثلاث إليهم من الرسالة الرسمية التي تضمنت حصيلة المفاوضات وتالياً التصور التفصيلي لاتفاق الترسيم البحري، بدأت للتو معالم التسابق الداخلي، ضمن التحالف السياسي الواحد، على قطف ثمار هذا التطور وتوظيفه دعائياً وإعلامياً وسياسياً.
أبرز هذا التطور من باب المصادفة الزمنية أقله مدى حاجة كل من العهد العوني وحليفه "حزب الله" من الجانب اللبناني والحكومة الإسرائيلية الحالية من الجانب الآخر على استثمار تقاطع المصالح "العدوة" داخلياً. فالعهد العوني يتمسك بإنجاز الاتفاق قبل نهاية ولايته كالغريق الذي يتمسك بخشبة إنقاذ قبل لفظ أنفاسه لكون عهده أغرق لبنان في أسوأ انهيار عرفه منذ قيامه ويسعى الأن لتمنين اللبنانيين بأنه حقق لهم "انجاز المستقبل". و"حزب الله" الذي أرغمته تطورات كثيرة إيرانياً ولبنانياً وإقليمياً على الصمت وابتلاع تهديداته بأيلول ملتهب ضدّ إسرائيل يريد الآن إغراق اللبنانيين بمقولة المقاومة التي تعيد وحدها الحقوق اللبنانية من شدقي العدو. وحكومة يائير لابيد التي تواجه خصماً خطراً في الانتخابات التي ستجرى الشهر المقبل تحتاج الى انجاز الاتفاق الترسيمي بسرعة لأنها تدرك أن الأصداء اليمينية الرافضة لتنازلاتها أمام لبنان ستلعب دوراً خطراً في رسم نتائج الانتخابات، ولذا تستعجل إقفال الصفقة بدافع تصويرها أنها كفلت المصالح الاقتصادية الكبيرة لإسرائيل في اطلاق دورة انتاج الغاز وبداية تصديره إلى أوروبا.
لذا بدا من مفارقات الزمن الإقليمي واللبناني أن يسارع الوسيط الأميركي الخطى لانجاز الاتفاق قبل نهاية ولاية ميشال عون وقبل الانتخابات الإسرائيلية سواء بسواء، فإذا بهذا الملف يطبق بدوره بتأثيرات خفية على مجريات الاستحقاق الرئاسي اللبناني.
عند بدايات الشهر الثاني من المهلة الدستورية لانتخاب الرئيس الرابع عشر في لبنان انطلقت أهازيج أنصار الرئيس ميشال عون عبر وسائل التواصل الاجتماعي مهللة لإنجاز الترسيم كأنه إنجاز العصر، كما بدأ رفع بشائر الاستعدادات لاطلاق مهرجانات الاحتفاء بـ"النصر الإلهي" الثاني لدى أنصار "حزب الله". أما الرئيس اللبناني الرابع عشر فسينتظر طويلاً حلول "التوافق" الذي لا وسيط خارجياً الأن يتولاه بعنايته!
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة
4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
لبنان
4/22/2026 10:26:00 PM
ما حصل مع آمال خليل قبل الاستهداف: تسلسل يكشف "جريمة موصوفة" بحق صحافيين في الطيري
لبنان
4/24/2026 6:10:00 AM
الامتحانات الرسمية في لبنان: هل تُجرَى في ظل كل الضغط النفسي الذي يعيشه التلاميذ؟ وهل من تقليص للمنهاج؟ مقابلة خاصة مع وزيرة التربية تُجيب من خلالها على تساؤلات الطلاب والأساتذة عبر "النهار"
نبض