لبنان الحرائق... جريمة تشويه أجمل قرية في لبنان
ينسب الى الإمام علي بن أبي طالب ( أو الخليفة عمر بن الخطاب) قوله "لو كان الفقر رجلا لقتلته". منذ اندلاع حريق القبيات، مسقط رأسي وضيعتي وقريتي وأرض اجدادي وموطن ذكريات طفولتي وصباي، ومع اقتراب الذكرى السنوية الاولى لانفجار مرفأ بيروت، وانا أردد : لو كانت الطبقة السياسية-الاوليغارشية المجرمة التي تهيمن على لبنان رجلا لقتلته.
يُنسب الى الإمام علي بن أبي طالب (أو الخليفة عمر بن الخطاب) قوله "لو كان الفقر رجلاً لقتلته". منذ اندلاع حريق القبيات، مسقط رأسي وضيعتي وقريتي وأرض أجدادي وموطن ذكريات طفولتي وصباي، ومع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لانفجار مرفأ بيروت، وأنا أردد: لو كانت الطبقة السياسية - الأوليغارشية المجرمة التي تهيمن على لبنان رجلاً لقتلته. مثلي مثل كل اللبنانيين، باستثناء شرفاء القبيات وعكار الذين هبّوا لمكافحة النيران بكل الوسائل المتاحة، بما فيها البدائية من رفوش ومرشّات للمياه وحتى أغصان الأشجار، شعرت بعجز وإحباط كبيرين وأنا أراقب عبر البحار غابات القطلبة (نسبة الى شجرة القطلب) المشتعلة التي كنت مع أخي ميشال نستكشفها عندما كنا نقضي فصل الصيف مع جدتنا مرتى ساسين. النيران التي حرقت الغابات المحيطة بالقبيات، حرقت أيضاً بعضاً من الذاكرة الجماعية التي يعتز بها كل قبياتي، إن كان يعيش فوق ترابها، أو وراء البحار.
حريق القبيات، مثله مثل انفجار مرفأ بيروت، هو تعبير صارخ عن انهيار الدولة اللبنانية، التي أحرقتها ودمّرتها رمزياً وفعلياً طبقة سياسية ومالية واحتكارية مفترسة، من بين أعمدتها رجال يعتمرون مختلف عمامات الأديان والطوائف، وأوصلتنا قبل سنة الى الخراب والأطلال الجديدة في بيروت، والى الجحيم الذي عاشته ولا تزال تعيشه القبيات ومنطقة عكار. هذه الطبقة المفترسة تستحق شيئاً واحداً من كل مواطن لبناني أو لبنانية يصّر على حريته وكرامته وحقوقه: الاستئصال الكامل ومن دون رحمة، لأنها كما يقول اللبنانيون: حرقت الأخضر واليابس.
لا أحد يعرف بيقين في هذا الوقت المبكر ما إذا كان الحريق مفتعلاً، أو كارثة تسبب بها تضافر الحرّ والرياح. طبعاً، القبياتيون سيطالبون بتحقيق علمي ودقيق، مع أنهم يدركون مسبقاً، أنه لن يكون هناك تحقيق جدي في كارثة بيئية حصدت مئات الآلاف من شجر الصنوبر والشوح والأرز والزيتون واللزاب، عندما يرفض الأوباش الذين نصّبوا أنفسهم أوصياء أو أولياء على لبنان، إجراءَ تحقيق جنائي جدّي في انفجار قتل المئات وجرح الآلاف من اللبنانيين، وحوّل أحياءً بكاملها في إحدى أقدم مدن العالم الى أهرامات من الركام. عندما أنظر الى ما تبقى من أهراءات القمح في المرفأ، والتي راقبت بناء أول قسم منها قبل أن أغادر لبنان الى الولايات المتحدة للدراسة في 1972، أشعر وكأنني أراقب أعمدة متآكلة لهيكل كبير في مدينة كانت مركزاً حضارياً متألقاً في عصر سحيق.
انفجار بيروت دمّر أحياء قديمة كنا نعبرها مشياً أنا وأصدقاء الشباب تقريباً كل يوم، وقتل بعضاً من ذكريات تلك الأيام. حرائق القبيات قضت على بعض أجمل ما في لبنان الأخضر من غابات وشجر، وقضت أيضاً على بعض ذكريات أيام الصبا. الحديث عن أشجار القبيات والقطلبة، ذكّرني بحديث عن القداسة التي تعبق بها بعض الأشجار. لا أذكر بالضبط ما إذا كان المصدر جدتنا مرتى ساسين، أم والدي يوسف، أو جدنا الكبير والحبيب، حبيب نادر، أبا أمي مريانة الذي قال لي ولأخي ميشال إن لبعض الأشجار قداسة تفوح منها وتعطيها مكانة لا تتمتع بها الأشجار الأخرى، وأبرزها وأجملها شجر الأرز وشجر الزيتون. قطع أو حرق شجرة أرز أو شجرة زيتون هو بمثابة جريمة.
لست من الميالين الى التباهي بأي شيء شخصي. ولكنني أريد أن أتباهى اليوم بالقبيات وأهلها، بترابها وحجارتها وسواقيها وتلالها وحقولها التي لا نهاية لها، وأجراس كنائسها القديمة والجديدة التي ترنّ وتصدح فوق كل جبال عكّار وسهولها. أريد التباهي بأهل القبيات الأحباء والشرفاء، بكرمهم وصدقهم، بعصاميتهم وصلابتهم المماثلة لصخور جبالهم، واستقلاليتهم وعصبيتهم العائلية وعصبيتهم الوطنية. وأكثر ما يميز أهل القبيات هو حبهم الجامح للحياة. هذه الصفات اكتشفتها وعايشتها مع جميع الأقرباء من آل ملحم ونادر وساسين وإسحاق وعبدو والزمتر المنتشرين في أحياء القبيات من مرتمورة الى الذوق، ومن الضيعة الغربية الى القطلبة وحتى عندقت التي قضيت فيها بضعة أسابيع من أجمل أيام صباي في بيت طانيوس إسحاق (أبو محجوب) ابن عمة أمي مريانة، والذي كان مع عائلته من أحب الناس إليّ. مشاهد النيران في خراج عندقت جلبت إلي مشاعر وذكريات حلوة ومرّة معاً.
ولكن الرجل الذي جسّد هذه الصفات والمزايا أكثر من غيره هو جدي حبيب نادر، الوسيم حتى الحسد بشاربيه المتغطرسين وعينيه الساحرتين، وصوته الجليل والقوي والعذب والحنون في آن. عندما كان حبيب نادر يغني، "بعد كم كاس عرق"، كان البشر والحجر يستمع اليه. كنت في الحادية عشرة، عندما أعطاني أول كأس عرق صاف، (إضافة نقطة ماء واحدة الى كأس العرق في عالم حبيب نادر هو ضرب من الهرطقة التي لا تُغفر) وقال مبتسماً وهو ينظر الى جاريه اللذين كانا يشاركانه العرق والسجائر الملفوفة باليد، وقال باللهجة القبياتية: "شروب حبيبي". حتى في ذلك السنّ المبكرة أدركت جوهر الطقس الاجتماعي الذي يفترض بي أن أعبره من دون إلحاق الأذى بسمعة العائلة وصلابتها. جرعة العرق كانت مثل السكين في الحلق، ولكنني حافظت على اتّزاني وأخفيت وجعي وأنقذت شرف العائلة. وضحك الجد الكبير ونظر باعتزاز الى جاريه مشيراً إليّ قائلاً: ابن مريانة، ابن مريانة.
القبياتيون ورثوا ضيعة جميلة متمددة برخاء على سهول وهضاب تتكحل بها العيون كما كانت تقول مرتى ساسين. القبيات كانت تكبر باستمرار، ولكن أهلها حافظوا على جمالها وسحرها، ونجحوا بصيانة إرث وقيم الضيعة الصغيرة والودّية في منطقة هي أكبر بكثير من أي ضيعة تقليدية جغرافياً وبشرياً. الجبال والغابات التي تحيط بالقبيات تجلب اليها القاصي والداني في الشتاء للتزلج، وفي الصيف للمشي في أوديتها وغاباتها، والاستمتاع بمقاهيها ومطاعمها وضيافة أهلها. وهناك اعتزاز قبياتي بالهبة الطبيعية الفريدة التي أُعطيت لهم، فزادوها حباً، وعرّفوا اللبنانيين بضيعة متميزة بثروتها البيئية وجمالها الطبيعي والإنساني، وعبّروا عن هذا الحب بتصنيفها كأجمل ضيعة في لبنان في 2019. القبيات تنضح أيضاً بذلك النوع من العجرفة المحببة الذي تنضح به الجميلة جداً لأنها تعرف أنها جميلة.
القبياتيون غاضبون لغياب الأجهزة الحكومية والمقوّمات الحديثة والضرورية لمكافحة الحرائق، والأهم من ذلك سبل الوقاية من الحرائق وآلياتها. أن نرى المسؤولين اللبنانيين يتوسلون عملياً المساعدة من قبرص والأردن لإنقاذ ثروتهم البيئية، لأن فساد الدولة وأجهزتها العقيمة يعني غياب الطائرات والمروحيات المخصصة لإخماد الحرائق، أمر لا يُطاق، وببساطة تقصير إجرامي في القيام بالواجب. قرأت تقارير صحافية تتحدث عن سيارات إسعاف مدني وإطفاء حرائق غير قادرة على الوصول الى الحرائق بسبب النقص في المحروقات. دولة وأجهزة فاسدة أتقنت فن هدر المال العام وسرقته ليس من المستغرب أن تبقى غير مبالية بالقيام حتى بالحد الأدنى المطلوب لإنقاذ ما تبقى من ثروتها البيئية.
يوم الأربعاء المقبل سيحيي اللبنانيون الذكرى الأولى لفاجعة انفجار مرفأ بيروت، وهو أكبر انفجار غير نووي في العالم. بعد سنة من آلام تقع وراء الكلمات، في أعقاب الخراب الكبير، وبعد انهيار الاقتصاد وتحوّل الليرة الى مجرد ورق، ودخول البلاد في مرحلة مجاعة يسميها الاختصاصيون بخجل "انعدام الأمن الغذائي"، للمرة الأولى منذ المجاعة التاريخية التي حصدت مئات الآلاف إبان الحرب العالمية الأولى، لا يزال محتكرو السلطة في لبنان يقاومون إجراء تحقيق جنائي شفاف في انفجار هم مسؤولون عنه قانونياً وأخلاقياً. يختبئون وراء "حصانة" النواب والمسؤولين التي يريدون منها أن تكون نظام مناعة لا يتزعزع للذين بمصّون دماء اللبنانيين وأرزاقهم.
أتخيل عشرات الآلاف من اللبنانيين المفجوعين في شوارع بيروت وساحاتها، وأمام أشلاء أهراءات القمح يوم الأربعاء، وهم يصرخون بصوت واحد في جوقة واحدة وبانسجام تام ضد جلّاديهم: ارحلوا . اللبنانيون لم يستطيعوا منذ انتفاضة تشرين الأول (أكتوبر) 2019 التخلص من نظام فاسد ومهترئ، أو حتى تحقيق إصلاحات اقتصادية وسياسية متواضعة. وهذا يعني أنهم قد لا يستطيعون ذلك في المستقبل المنظور وحدهم.
اللبنانيون يحتاجون لمساعدة بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة، وهذا ما نعنيه عندما نتحدث عن "المجتمع الدولي". هذه الدول قادرة، إذا توفرت لديها الإرادة السياسية، وسعت لتفادي المضاعفات الإنسانية والاقتصادية والديموغرافية الكبيرة لدولة فاشلة على الساحل الشرقي للمتوسط، أن تفرض عقوبات حقيقية ضد المسؤولين عن تجويع اللبنانيين وإذلالهم، وأن تفضح وتكشف أسماء من سرقوا وحوّلوا أكثر من عشرين مليار دولار أميركي الى المصارف الغربية منذ انتفاضة 2019.
هذه الدول تسير في هذا الاتجاه، ويجب أن يناشدها اللبنانيون الاستمرار على هذا الطريق. المطلوب بكل بساطة ووضوح أن يقاطع ويعاقب الغرب الطبقة السياسية - الأوليغارشية التي تخنق لبنان، إن لم يكن لأسباب إنسانية، فعلى الأقل لصيانة نفسه من آثار الانهيار اللبناني الشامل. يوم الجمعة الماضي أعلن الاتحاد الأوروبي أنه رسم الإطار القانوني لفرض عقوبات على قادة لبنانيين مسؤولين عن تعطيل العملية السياسية في لبنان، وذلك في مسعى منه للتعجيل بتشكيل حكومة لبنانية تعتمد إصلاحات بنيوية جدية قابلة للتنفيذ لإخراج لبنان من مأزقه التاريخي. هذا الإطار القانوني يوفر للاتحاد "إمكان فرض عقوبات على الأشخاص والكيانات المسؤولة عن التعرّض للديموقراطية أو لسيادة القانون في لبنان". وفي مؤشر مشجع حول وجود تنسيق مسبق مع الولايات المتحدة، سارعت واشنطن الى الترحيب بقرار الاتحاد الأوروبي الهادف الى "دعم المحاسبة والإصلاح في لبنان ... واستخدام هذه الأداة المهمة لمحاسبة المسؤولين على نطاق عالمي". وقال وزيرا الخارجية أنتوني بلينكن، والخزانة جانيت يلين في بيان مشترك، إنّ "العقوبات تهدف، من بين أشياء أخرى، إلى فرض تغييرات في السلوك ومحاسبة القادة الفاسدين". وأنهى الوزيران بيانهما بالقول "الولايات المتحدة تتطلع قدماً الى تعاون مستقبلي مع الاتحاد الأوروبي بشأن جهودنا المشتركة" حول لبنان.
يوم الأربعاء سوف يتوقف المعتصمون في بيروت عن الكلام، وربما عن التنفس، وهم يعيشون لمرة ثانية رعب اللحظة التي جلبت الخراب الكبير الى بيروت، في الوقت الذي يستمر فيه دخان الحرائق في القبيات وعكّار بالانقشاع ليترك وراءه بقعاً سوداً ورمادية من الأراضي المحروقة.
تحية إجلال وتقدير لأهل عكّار، ولأهل القبيات الذين يسكنون في القلب أقول: بحبكم كثير يو.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
10/7/2026 10:45:00 PM
تعود مؤرخة الفن ثريا نجيم لقيادة اللوفر أبوظبي بعدما أسهمت في تأسيس رؤيته وتطوير مقتنياته، حاملةً خبرة دولية في الفن الإسلامي وإدارة المجموعات والمعارض.
المشرق-العربي
10/7/2026 10:20:00 AM
نشرت كتائب القسام مشاهد موثّقة وغير منشورة سابقاً ليحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، الذي قتل في 16 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2024 خلال اشتباكات مع قوة من الجيش الإسرائيلي في جنوب قطاع غزة.
المشرق-العربي
10/8/2026 12:06:00 PM
واشنطن تفتح باب تسليح الجيش السوري، وإسرائيل تفرض خطوطها الحمر. هل تدفع صفقات السلاح دمشق إلى حروب جديدة من لبنان إلى اليمن؟ ومن يملك القرار العسكري؟
النهار تتحقق
10/8/2026 2:51:00 PM
"الزمن يغيّر الملامح لكن لا يغيّر مكانته"، علّق مستخدمون على الصورة.
نبض