الحرب الأهلية الأميركية لا تزال مستعرة
يحيي الاميركيون بين الأول والثالث من تموز(يوليو) الذكرى السنوية لمعركة غيتيسبيرغ (1863) في ولاية بنسلفانيا، وهي الأكثر دموية، ليس فقط في الحرب الاهلية، بل في كل الحروب الاميركية، فقد سقط فيها خلال ثلاثة ايام من القتال الضاري خمسون الف ضحية بين قتيل ومجروح ومفقود.
يحيي الأميركيون بين الأول والثالث من تموز (يوليو) الذكرى السنوية لمعركة غيتيسبيرغ (1863) في ولاية بنسلفانيا، وهي الأكثر دموية، ليس فقط في الحرب الأهلية، بل في كل الحروب الأميركية، فقد سقط فيها خلال ثلاثة أيام من القتال الضاري خمسون الف ضحية بين قتيل ومجروح ومفقود. وعلى الرغم من انتصار القوات الفدرالية (الشمالية) في المعركة وإرغام الجيش الكونفدرالي (الجنوبي) على الانسحاب من بنسلفانيا بعد تكبده خسائر فادحة، إلا أن الحرب استمرت لسنتين إضافيتين قبل أن تنتهي مع استسلام قائد القوات الجنوبية الجنرال روبرت أي لي، للجنرال يوليسيس أس غرانت قائد القوات الفدرالية في 9 نيسان (أبريل) 1865. عدد القتلى من الجنود الأميركيين من الجانبين فاق 750 الف عسكري، أي أكثر بكثير من مجموع جميع ضحايا الحروب الأميركية معاً. الحرب الأهلية الأميركية، كانت ولا تزال الحدث الأهم في تاريخ الولايات المتحدة لأنها شكلت الخطر الوجودي الأكبر على استمرار الولايات المتحدة كاتحاد فدرالي.
ولكن استسلام الولايات الكونفدرالية، وإلغاء مؤسسة الرق في الولايات الجنوبية، وهي السبب الرئيسي للحرب، أوقفا القتال الميداني، ولكنهما لم ينهيا او يقتلا "مفهوم" الكونفدرالية وجوهره، أي مفهوم تفوق العنصر الأبيض، ولم يتخلص من الأحقاد العنصرية، والتمييز العنصري التي اتخذت اشكالاً أخرى في العقود اللاحقة واستمرت بشكل صارخ حتى منتصف ستينات القرن الماضي. في 1865 انتهت الكونفدرالية كمؤسسة سياسية، ولكنها بقيت على قيد الحياة في أوساط الكثير من الأميركيين في الولايات الجنوبية. إنها كونفدرالية العقل والقلب، والتي تعبر عن نفسها سياسياً وثقافياً في أساطير وضعها مؤرخون وسياسيون جنوبيون، وأحياناً أخرى بأشكال عنيفة، كما حدث حين اجتاح مئات العنصريين والرعاع من أنصار الرئيس السابق دونالد ترامب مبنى الكابيتول في السادس من كانون الثاني (يناير) الماضي، في تعبير صارخ ومعاصر عن كونفدرالية العقل.
معركة غيتيسبيرغ ارتبطت بشكل عضوي باسم الرئيس إبراهام لينكولن الذي قاد الاتحاد الفدرالي الى النصر، وأنهى مؤسسة الرق، واغتيل بعد أيام من انتهاء الحرب على يد جون ويلكس بوث وهو ممثل مسرحي معروف أراد من اغتيال لينكولن إبقاء مفهوم الكونفدرالية على قيد الحياة. في التاسع عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 1863 زار لينكولن غيتيسبيرغ للمشاركة في احتفال تكريس مقبرة لأكثر من 3500 جندي فدرالي قتلوا في المعركة. لينكولن لم يكن الخطيب الرئيسي في الحفل، بل خطيب شهير اسمه أدوارد أيفيريت سبق لينكولن وألقى خطاباً استمر لساعتين. ولحقه الرئيس الأميركي الذي طلب منه منظمو الحفل إلقاء "بعض الملاحظات". وقف لينكولن وفي يده ورقة واحدة وقرأ 266 كلمة، خلال دقيقتين. وعندما توقف لينكولن عن الكلام، تحوّل خطابه الى أحد أهم الخطابات في تاريخ الجمهورية الأميركية، وكثيرون يقولون انه الخطاب الأهم من دون منازع.
هناك أكثر من رئيس أميركي تركوا وراءهم كتابات أدبية وفكرية ومراسلات متميزة من بينهم توماس جيفيرسون مؤلف إعلان الاستقلال وهو من أهم الوثائق السياسية الغربية منذ عصر النهضة، والرئيس يوليسيس أس غرانت الذي تعتبر مذكراته عملاً أدبياً، وصولاً الى رؤساء معاصرين مثل جيمي كارتر وباراك أوباما. ولكن قدرات لينكولن الأدبية والفكرية وملكته للغة الإنكليزية ومهارته وفصاحته في قول الكثير في كلمات قليلة، تعطيه مكانة متفوقة ومتميزة بين جميع السياسيين الذين سبقوه أو لحقوه.
بدأ لينكولن خطابه بالقول إنه قبل 87 سنة بنى مؤسسو الجمهورية في هذه القارة "أمة جديدة، ولدت من رحم الحرية، ومكرسة للفرضية القائلة إن جميع الناس قد خلقوا متساوين..." هذه الكلمات محورية اليوم في الولايات المتحدة كما كانت قبل 158 سنة. وقال لينكولن إن الحرب الأهلية امتحنت هذه الفرضية، وما اذا كانت مثل هذه الأمة "قادرة على البقاء". الولايات المتحدة خرجت من الحرب وهي تعاني من جراح عميقة، ولكنها بقيت موحدة وحققت الكثير من التقدم. ولكن الإرث الكونفدرالي وما يمثله من "منظومة" ثقافية رجعية لا يزال حاضراً بقوة في الحياة الأميركية. وفي السنوات الأخيرة ومع وصول رئيس يتعاطف مع هذا الإرث السلفي المتعصب مثل دونالد ترامب برزت الاستقطابات العرقية بشكل مقزز وترجمت الى أعمال عنف وشيطنة الآخر من قبل دعاة تفوق العنصر الأبيض والخائفين من الأقليات الملونة وغير المسيحية، والتي يعتقدون أنها تشكل خطراً وجودياً على ما يعتبرونه نمط حياتهم المتميز والخاص.
هذه الاستقطابات والانقسامات تطرح من جديد السؤال الذي طرحه لينكولن في خطابه التاريخي: هل تستطيع هذه الأمة التي ولدت من رحم الحرية والمكرسة لفرضية المساواة بين الناس أن تجتاز وتتخطى أزمتها الحالية العميقة؟ الجواب هو في كلمات لينكولن الأخيرة في خطابه من أن الولايات المتحدة بعد الحرب "سوف تشهد ولادة جديدة للحرية، وأن حكومة الشعب، بقيادة الشعب، ومن أجل الشعب لن تختفي من الأرض".
بعد الحرب الأهلية، قام الانفصاليون المهزومون بإعادة كتابة تاريخ الحرب الأهلية ومعناها، وبدلاً من الاعتراف بأن مؤسسة العبودية، التي كانت محورية للاقتصاد الزراعي الجنوبي كانت السبب الرئيسي للحرب، بدأوا يتحدثون عن "الحرب بين الولايات" او ما سمّاه المغالون في تطرفهم "حرب العدوان الشمالي". وفي هذا السياق خلقوا صورة رومانسية للمقاتل الجنوبي الفارس والنبيل، وأوحوا بأن المستعبدين كانوا قانعين بحياتهم.
ما يجري في الولايات المتحدة الآن، بعد ستة أشهر من اقتحام مبنى الكابيتول في عملية انقلابية لإلغاء نتائج انتخابات ديموقراطية، هو محاولة من قوى اليمين المتطرف، يشارك فيها أقطاب الحزب الجمهوري لإعادة كتابة ملابسات الاقتحام ونفي طبيعته العنيفة والانقلابية، والادعاء بأن اليسار والديموقراطيين يبالغون في خطره، او حتى القول إن أعمال العنف خلال الاقتحام كانت إما من قبل عناصر يسارية متطرفة، او حتى من اختلاق أجهزة الاستخبارات او ما يسمونه بالدولة العميقة.
وعلى الرغم من الاجتياح الدموي للكابيتول، والمبني على الكذبة التي لفقها دونالد ترامب بأن الديموقراطيين سرقوا الرئاسة منه، رفض 121 عضواً جمهورياً في مجلس النواب التصديق على انتخاب جوزف بايدن، كما تمسك 6 أعضاء جمهوريين في مجلس الشيوخ بالموقف ذاته. يوم أمس نشرت صحيفة "النيويورك تايمز" تحقيقاً واسعاً، صاحبه مونتاج من آلاف أشرطة الفيديو التي التقطتها تليفونات الرعاع للاجتياح، وكاميرات رجال الشرطة والصحافيين ورسوم لمختلف طوابق الكابيتول مدته 40 دقيقة، أظهر للمرة الأولى مدى الخطر التاريخي الذي واجهته الديموقراطية الأميركية في ذلك اليوم العصيب. الشريط الوثائقي أظهر المهاجمين بغضبهم وحقدهم وعنفهم، وكأنهم برابرة جدد يدكّون بصرح الديموقراطية الأميركية، كما فعل من قبلهم البرابرة الذين اجتاحوا روما وغيرها من المدن الأوروبية العريقة عبر القرون.
في السنة الماضية تجددت الخلافات العميقة حول ما يجب فعله للتخلص من رموز الكونفدرالية والمتمثلة بالتماثيل التي أقيمت في العقود التي أعقبت الحرب الأهلية لتخليد جنرالات تلك الحرب، ولتذكير أحفاد المستعبدين وترهيبهم بالإرث الكونفدرالي. وهناك اتجاه عام للتخلص من هذه الرموز الكونفدرالية، على الرغم من وجود مقاومة قوية لهذا الاتجاه. بعض هذه التماثيل موجودة في صالة تماثيل القادة وكبار الشخصيات الأميركية تحت قبة مبنى الكابيتول. قبل أيام صوّت مجلس النواب على التخلص من جميع التماثيل الكونفدرالية من مبنى الكابيتول، وصوت جميع النواب الديموقراطيين وعددهم 285 نائباً على مشروع القرار، بينما عارضه 120 نائباً جمهورياً. النائبة الديموقراطية كارين باس الأفريقية الأصل لخصت المعضلة في كلمتها التي جاء فيها "أجدادي بنوا هذا المبنى. تصوروا كيف سيشعرون اذا علموا بعد أكثر من مئة سنة من انتهاء العبودية في هذه البلاد، أننا لا نزال نكرّم الشخصيات ذاتها التي خانت هذه البلاد من أجل إبقاء أجدادي مستعبدين"؟
ثمة حروب أهلية تبدأ ولا تنتهي، وتستمر بشكل أو بآخر وبدرجات متفاوتة من الحدة والعنف. الحرب الأهلية الأميركية لا تزال مستعّرة في النفوس، وبين وقت وآخر تنتقل الى الشوارع والساحات العامة، وتقتحم حتى هياكل الديموقراطية الأميركية.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
10/7/2026 10:45:00 PM
تعود مؤرخة الفن ثريا نجيم لقيادة اللوفر أبوظبي بعدما أسهمت في تأسيس رؤيته وتطوير مقتنياته، حاملةً خبرة دولية في الفن الإسلامي وإدارة المجموعات والمعارض.
المشرق-العربي
10/7/2026 10:20:00 AM
نشرت كتائب القسام مشاهد موثّقة وغير منشورة سابقاً ليحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، الذي قتل في 16 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2024 خلال اشتباكات مع قوة من الجيش الإسرائيلي في جنوب قطاع غزة.
المشرق-العربي
10/8/2026 12:06:00 PM
واشنطن تفتح باب تسليح الجيش السوري، وإسرائيل تفرض خطوطها الحمر. هل تدفع صفقات السلاح دمشق إلى حروب جديدة من لبنان إلى اليمن؟ ومن يملك القرار العسكري؟
النهار تتحقق
10/8/2026 2:51:00 PM
"الزمن يغيّر الملامح لكن لا يغيّر مكانته"، علّق مستخدمون على الصورة.
نبض