تعبيرية
الدكتورة وديعة الأميوني* يساهم التحوّل الرقمي في تحسين الخدمات والعمليّات والتواصل بين المؤسسات والمواطنين، ويواجه لبنان على هذا المستوى الكثير من التحدّيات، مثل ضعف البنية التحتيّة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والأمن الإلكتروني والحماية من الاختراقات والهجمات السيبرانيّة، وغياب التشريعات والسياسات اللازمة لأجل تعزيز الرقمنة وحماية حقوق المستخدمين والبيانات الشخصيّة. نضيف الى ذلك التحديات الاقتصاديّة وضعف الموارد الماليّة التي تؤثر على قدرة الاستثمار وتطوير البنى التحتيّة الرقميّة ونشر الوعي والتدريب للتأقلم مع التغيّرات التقنيّة المعاصرة. وتبقى هنا مسألة غياب التشريعات والسياسات أحد أهم العناصر المعرقلة في تحقيق الرقمنة بشكل شفّاف وآمن. فالاستراتيجية الوطنية للتحوّل الرقمي في لبنان 20 - 30، التي ناقشها مجلس الوزراء في جلستيه الأخيرتين ربيع عام 2022، لا يمكن تطبيقها مثلًا من دون تحديد الاطر القانونيّة التي يجب ان ترسم الشروط الاساسية للوصول الى سياسات اجرائيّة وقرارات فعّالة، استنادًا إلى تشريعات واضحة وضامنة لحسن سير تطبيق التحوّل الرقمي في لبنان، وقد يترتّب على المشرّعين هنا الأخذ بنصوص دوليّة سبيلًا هامًا في تكوين فهم موضوعي حول مضمون القوانين وبنودها وموادها وخطوات وآليات تنفيذها إسوة بالحكومات الّتي تحوّلت رقميًا وتطوّرت قدمًا بفعل توفير الرقمنة شروط الشفافية والحوكمة الرشيدة. لم يتم في لبنان، إلى حدّ اليوم، وبعد حوالى أكثر من عشرين عامًا من التداول في مفهوم التحوّل الرقمي والحكومة والحوكمة الرشيدة، إقرار سوى القليل من القوانين المعنيّة الّتي لم تأخذ مراسيم تطبيقيّة بمعظمها، بل إنّ البيئة القانونيّة في لبنان بقيت بدائية على هذا المستوى ولم تعطِ أهمية (وربما عن قصد) لمفاعيل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في محاربة الهدر والفساد ودعم الشفافية وبناء مؤسسات الدولة المنهارة الّتي نخرها النهب والمحاصصات لعقود طويلة من الزمن. من هنا تبقى الحاجة إلى الكثير من التشريعات والمراسيم والمبادرات كشرط أساسي لإعادة هيكلة البناء المؤسساتي العام وتبنّي سياسات التحوّل الرقمي التي تفضي الى الابتكار والإبداع وزيادة مداخيل الدولة ومواكبة التطوّرات التكنولوجيّة، التي أفرزت مجتمعًا معلوماتيًّا حديثًا وجيلًا رقميًا سبق حكّامه في التفكير والتخطيط والاستثمار، وأدخل ما يُعرف باقتصاد المعرفة الذي وصلت مداخيله في البلدان المتطوّرة مثلًا الى مليارات الدولارات في حالة الابتكار الافتراضي.يندرج التحوّل الرقمي خارج أطر الغرف المظلمة للطبقة السياسيّة وبرامجها المعلّبة في الفساد والرشوة والسرقات والمحسوبيّات، التي لم يتمخض عنها سوى الفشل والانهيار، علمًا أنّ لبنان انضمّ الى اتفاقية الأمم المتّحدة لمكافحة الفساد UNCAC في 22 نيسان من العام 2009 لأجل تغطية مجالات التدابير الوقائية والتجريم وإنفاذ القانون والتعاون الدولي واسترداد الأصول والمساعدة التقنيّة وتبادل المعلومات، وبالتالي محاربة كل أشكال الفساد في الدولة اللبنانية مثل الرشوة والمتاجرة بالنفوذ وإساءة استغلال المناصب وأفعال فساد مختلفة في القطاع الخاص. فأين لبنان من هذه الاتفاقية؟ وكيف ولماذا انهار اقتصاده إذًا ...