يعود تاريخ كاتدرائية سان ماركو (القديس مرقس) إلى القرن الحادي عشر، وهي واحدة من النماذج الشاهدة على العمارة البيزنطية في العالم. تتميز الكاتدائية بهندستها وتصميمها الراقي والتي تميزها القبب، والأرضية الرخامية الفخمة، والفسيفساء الذهبية المضيئة، والمقتنيات الذهبية المعروضة في داخلها والتي تشكّل رمزاً للثروة والسلطة في البندقية. لذلك أطلق عليها منذ القرن الحادي عشر لقب "شييزا دورو".
تقع كاتدرائية القديس مرقس في ميدان سان ماركو في مدينة البندقية الإيطالية وهي متصلة بقصر دوجي الذي كان يشكّل مقر إقامة دوق البندقية.

اليوم ، لا تعدّ كاتدرائية القديس مرقس أهم المعالم الأثرية في المدينة فحسب، بل تعتبر أيضاً مركزاً دينياً مهماً، حيث تضم بقايا كنيسة القديس مرقس القديمة، وهي رمز كبير للديانة المسيحية. وفي عام 1807، أصبحت كنيسة القديس مرقس أيضاً مقراً لبطريرك البندقية.
أُنشئت الكنيسة القديمة في القرن التاسع لإيواء جثة القديس مرقس بعد أن هرّبها التجّار الفينيسيون من الإسكندرية. وعندما احترق المبنى الأساسي في عام 932، أعادت البندقية بناء الكاتدرائية في صورتها الحالية في العام 1071، مع المحافظة على الطراز البيزنطي، من حيث الإبقاء على القبب البيزنطية الخمس، والصليب اليوناني، والجدران المكسوة بالرخام الذي أحضر من سوريا ومصر وفلسطين.
بعد ذلك، حلّ القديس مرقس محل القديس ثيودور باعتباره شفيع البندقية، وأصبح رمزه "الأسد المجنّح" في ما بعد الرمز الرسمي للبندقية.

أكثر ما يُدهش زائري الكاتدرائية تصاميمها البيزنطية الواضحة والمذهلة، والتي قام بتنفيذها مهندسون معماريون وحرفيون بيزنطيون وإيطاليون.
وعلى مر القرون، زادت الإضافات من أعمال النحت، والفسيفساء، والرموز الاحتفالية من غنى الكنيسة وجمالها. على سبيل المثال، أحضرت الخيول الأربعة البرونزية الشهيرة الموضوعة في الواجهة الغربية من القسطنطينية خلال الحملة الصليبية الرابعة في عام 1204. ولقد تم نقلها لاحقاً إلى باريس من قبل نابليون، ومن ثم أعيدت إلى مكانهم في البندقية في عام 1815. لاحقاً، وبهدف حمايتها من التلف، نُقلت القطع الأصلية الى الداخل ووُضعت نسخ مماثلة لها في مكانها.

أما داخل الكاتدرائية فهو مزين بالكامل بفسيفساء رائعة مع خلفية ذهبية يتخللها أنواع مختلفة من الرخام والزجاج المرصّع، وهي تتوهج في الضوء وتظهر ألوانها الساحرة. تبلغ مساحة الفسيفساء 4240 متراً مربعاً وهي تصوّر حكايات القديس مرقس بالإضافة إلى مشاهد دينية من العهد القديم والجديد. أقدمها تلك الموضوعة على الواجهة فوق البوابة الشمالية، والتي يعود تاريخها إلى عام 1270، وهي تصور جثة القديس مرقس عند وصولها إلى الكاتدرائية.
تحتوي الواجهة التي تفصل الجوقة عن الصحن على تماثيل رخامية وروائع من النحت القوطي الفينيسي للفنانين"جاكوبيلو" و"بيير باولو داللي ماسيني".

أما الوميض الذي تشعر به عند دخول الكاتدرائية فمصدره من دون شك الفسيفساء المتلألئة التي تغطي سقف البازيليكا، وهي مصنوعة من أوراق الذهب من عيار 24 قيراطاً. ويوجد داخل الدهليز واحدة من أقدم فسيفساء البازيليكا وهي تمثل الرسل مع مادونا، يقفون حراساً عند الباب الرئيسي لأكثر من 950 عاماً. ويعلو المدخل الرئيسي قوس ثلاثي مزخرف يضم أعمدة من الرخام الأرجواني المصري ونقوشاً حجرية تعود الى القرن الثالث عشر.

ويوجد داخل البازيليك مساحة فريدة تضم التابوت البسيط الذي يحتوي على جسد القديس مرقس، والمذبح الذهبي المعروف بـ"بالا دورو" والمرصع بـ 2000 حجر من الزمرد والجمشت والياقوت واللؤلؤ والأحجار الكريمة الأخرى.

أما البرج الخارجي، المنفصل عن الكنيسة، قام ببنائه الدوق بيترو تريبيونو ومن ثم أعيد تصميمه في شكله الحالي في أوائل القرن السادس عشر. وبعد أن تعرّض للإنهيار، أعيد بناؤه في موقعه في العام 1912.

نبض