تواجه النفس البشريّة صراعات داخلية متنوعة، يغوص في أعماقها صراع العقل والعاطفة الذي يصعب إخماده. قد يتمثّل هذا الصراع في التعارض بين فكرتين، مبدأين، رغبتين، اعتقادين أو بين الخير والشر، الصواب والخطأ، وبين أي شيء ونقيضه، في مواجهة مختلف المسائل الحياتية والدنيوية.
ويرتبط هذا الصراع فعلياً بعملية صنع قرارات قد تحدد مسار حياتنا، فإما ينتج عنه قرار مبني على العقل والمنطق، وهنا يلجأ صانعه الى طريقة تفكير عقلانية، مستخدماً أرقاماً وأدلة ومعطيات وحججاً ويطوّرها لاستخلاص النتائج، ومن ثم يتخذ القرارات في ضوء الحقائق المتاحة أمامه، وإما قرار مبني على العواطف، أي على مشاعر حقيقية وغريزية، ويستند على حدس الفرد وتجاربه الشخصية.
:"قوة العاطفة أقوى من قوة العقل"، هكذا أجابت المعالجة النفسية الدكتورة سحر شلهوب عندما سألناها أيهما أقوى، العقل أم العاطفة؟
تقول: "الوعي لدى الانسان حجمه صغير مقارنة مع حجم اللاوعي. ففي اللاوعي تكمن الذكريات والمشاعر والانفعالات الطفولية، وتخرج هذه المشاعر عندما يمرّ المرء بحالات من الغضب الشديد، مما يؤثر على قراراته وتصير غير معقلنة، وقد يندم عليها في ما بعد. لكن إذا كان العقل يقظاً تكون له القدرة على السيطرة، فيؤثر على قرارت الفرد وتصير معقلنة ومسؤولة".
وتلفت شلهوب إلى أن "قدرة العقل في السيطرة على المشاعر والانفعالات لاتخاذ القرارت عند الانسان، تختلف باختلاف المواقف ومدى نسبة حضور الوعي وسيطرته عند الفرد، فأحياناً قد تهزم العقل وأحياناً أخرى يهزمها".
عقلنة الانفعالات
وتضيف أن "الحلّ الأكثر فاعلية لاتخاذ قرارات صائبة وسليمة، هو عقلنة الانفعالات والهدوء والتروي في اتخاذ القرار، فالعقلنة لا تعني بالضرورة التجرّد من العاطفة، وعلى المرء أن يوجد توازناً وتكاملاً بينهما لصنع قرار مثالي".
وعمّا اذا كانت الصحّة النفسية تؤثر في اتخاذ القرارات، تؤكد شلهوب أنه "يصعب على المرء اتخاذ القرارات السليمة والصائبة في حال كان يعاني من توتر أو ضغوط او اضطرابات نفسية"، لذا تنصح بـ"الهدوء والتروّي وتخفيف الغضب عن طريق التنفس العميق والاسترخاء قبل اتخاذ أي قرار. فالصفاء الذهني يساعد على تقييم المواقف بطريقة عقلانية، وكذلك على اتخاذ قرارات سليمة يمكن للفرد تحمّل مسؤوليتها في ما بعد".
الكاتب والباحث الدكتور طارق عبّود له رأي مشابه لرأي الدكتورة شلهوب، وذلك من حيث أهمية التوازن بين المنطق والعاطفة، يقول: "لكل قضية سياقاتها وأدواتها ومقارباتها المختلفة، والإنسان بطبيعته، لا يستطيع ان يجعل عقله يسيطر على عاطفته بشكل كليّ، بينما يستطيع في بعض الأحيان تغليب عاطفته على عقله عند مواجهة أي قضية". ويضيف: "الانسان العاقل والناضج حقاً، لديه القدرة على اتخاذ قرارات نابعة من العقل، لكن ممزوجة بالعاطفة بمقدارٍ معيّن، وبالطبع الخبرة والعمر والشخصية، عوامل أساسية تؤدي دوراً مهماً في ذلك".
قبل أيام أجريت تصويتاً على صفحتي في "إنستغرام"، مرفقاً بمقطع فيديو يظهر فيه المتحدث التحفيزي تيم غروفر، وهو يشرح أهمية العقل والمنطق في عملية صنع القرار، وطلبت من الأصدقاء المتابعين التصويت على ما إذا كانوا يلجأون الى المنطق أم الى العاطفة عند اتخاذ قراراتهم، فكانت النتيجة أن غالبيتهم صوّتوا للمنطق بنسبة 77%، أما النسبة المتبقية، فكانت للعاطفة.
هذا الموضوع هو محل جدال، فيرى كثيرون أن استخدام المنطق في صنع القرار مسألة ضرورية، ولا سيما في الحياة العملية والمهنية، حيث أن اتخاذ الفرد للقرارات بدقّة وحذر، قد يقلّل احتمالات فشل الخطط التي يحاول تطبيقها. فعلى سبيل المثال، هل سمعتم عن طبيب اتخذ قراراً طبياً لعلاج مريض، استناداً إلى حدسه؟ أو عن مدير شركة ضخمة اتخد قرارات استراتيجية بناءً على عواطفه لا على الأرقام والدراسات والجدوى الاقتصادية؟ الجواب هو طبعاً كلا، إلا إذا كان يحكم على مسيرته المهنية بالنهاية.
العاطفة وصنع القرار
قبل أن أعرض لبعض المشارَكات في الاستفتاء الذي أجريته، سأشير إلى نظريات وآراء مهمة في شأن العاطفة وتأثيرها لعلماء وباحثين بارزين، إذ لا يمكننا الحديث عن العاطفة دون استحضار بعض أفكار عالم الأعصاب البرتغالي – الأميركي أنطونيو داماسيو، الذي سبق وعبّر عن افتتانه أكثر من مرّة بطبيعة المشاعر الانسانية، من خلال بعض مقابلاته التلفزيونية وكتبه.
ويرتبط هذا الصراع فعلياً بعملية صنع قرارات قد تحدد مسار حياتنا، فإما ينتج عنه قرار مبني على العقل والمنطق، وهنا يلجأ صانعه الى طريقة تفكير عقلانية، مستخدماً أرقاماً وأدلة ومعطيات وحججاً ويطوّرها لاستخلاص النتائج، ومن ثم يتخذ القرارات في ضوء الحقائق المتاحة أمامه، وإما قرار مبني على العواطف، أي على مشاعر حقيقية وغريزية، ويستند على حدس الفرد وتجاربه الشخصية.
:"قوة العاطفة أقوى من قوة العقل"، هكذا أجابت المعالجة النفسية الدكتورة سحر شلهوب عندما سألناها أيهما أقوى، العقل أم العاطفة؟
تقول: "الوعي لدى الانسان حجمه صغير مقارنة مع حجم اللاوعي. ففي اللاوعي تكمن الذكريات والمشاعر والانفعالات الطفولية، وتخرج هذه المشاعر عندما يمرّ المرء بحالات من الغضب الشديد، مما يؤثر على قراراته وتصير غير معقلنة، وقد يندم عليها في ما بعد. لكن إذا كان العقل يقظاً تكون له القدرة على السيطرة، فيؤثر على قرارت الفرد وتصير معقلنة ومسؤولة".
وتلفت شلهوب إلى أن "قدرة العقل في السيطرة على المشاعر والانفعالات لاتخاذ القرارت عند الانسان، تختلف باختلاف المواقف ومدى نسبة حضور الوعي وسيطرته عند الفرد، فأحياناً قد تهزم العقل وأحياناً أخرى يهزمها".
عقلنة الانفعالات
وتضيف أن "الحلّ الأكثر فاعلية لاتخاذ قرارات صائبة وسليمة، هو عقلنة الانفعالات والهدوء والتروي في اتخاذ القرار، فالعقلنة لا تعني بالضرورة التجرّد من العاطفة، وعلى المرء أن يوجد توازناً وتكاملاً بينهما لصنع قرار مثالي".
وعمّا اذا كانت الصحّة النفسية تؤثر في اتخاذ القرارات، تؤكد شلهوب أنه "يصعب على المرء اتخاذ القرارات السليمة والصائبة في حال كان يعاني من توتر أو ضغوط او اضطرابات نفسية"، لذا تنصح بـ"الهدوء والتروّي وتخفيف الغضب عن طريق التنفس العميق والاسترخاء قبل اتخاذ أي قرار. فالصفاء الذهني يساعد على تقييم المواقف بطريقة عقلانية، وكذلك على اتخاذ قرارات سليمة يمكن للفرد تحمّل مسؤوليتها في ما بعد".
الكاتب والباحث الدكتور طارق عبّود له رأي مشابه لرأي الدكتورة شلهوب، وذلك من حيث أهمية التوازن بين المنطق والعاطفة، يقول: "لكل قضية سياقاتها وأدواتها ومقارباتها المختلفة، والإنسان بطبيعته، لا يستطيع ان يجعل عقله يسيطر على عاطفته بشكل كليّ، بينما يستطيع في بعض الأحيان تغليب عاطفته على عقله عند مواجهة أي قضية". ويضيف: "الانسان العاقل والناضج حقاً، لديه القدرة على اتخاذ قرارات نابعة من العقل، لكن ممزوجة بالعاطفة بمقدارٍ معيّن، وبالطبع الخبرة والعمر والشخصية، عوامل أساسية تؤدي دوراً مهماً في ذلك".
قبل أيام أجريت تصويتاً على صفحتي في "إنستغرام"، مرفقاً بمقطع فيديو يظهر فيه المتحدث التحفيزي تيم غروفر، وهو يشرح أهمية العقل والمنطق في عملية صنع القرار، وطلبت من الأصدقاء المتابعين التصويت على ما إذا كانوا يلجأون الى المنطق أم الى العاطفة عند اتخاذ قراراتهم، فكانت النتيجة أن غالبيتهم صوّتوا للمنطق بنسبة 77%، أما النسبة المتبقية، فكانت للعاطفة.
هذا الموضوع هو محل جدال، فيرى كثيرون أن استخدام المنطق في صنع القرار مسألة ضرورية، ولا سيما في الحياة العملية والمهنية، حيث أن اتخاذ الفرد للقرارات بدقّة وحذر، قد يقلّل احتمالات فشل الخطط التي يحاول تطبيقها. فعلى سبيل المثال، هل سمعتم عن طبيب اتخذ قراراً طبياً لعلاج مريض، استناداً إلى حدسه؟ أو عن مدير شركة ضخمة اتخد قرارات استراتيجية بناءً على عواطفه لا على الأرقام والدراسات والجدوى الاقتصادية؟ الجواب هو طبعاً كلا، إلا إذا كان يحكم على مسيرته المهنية بالنهاية.
العاطفة وصنع القرار
قبل أن أعرض لبعض المشارَكات في الاستفتاء الذي أجريته، سأشير إلى نظريات وآراء مهمة في شأن العاطفة وتأثيرها لعلماء وباحثين بارزين، إذ لا يمكننا الحديث عن العاطفة دون استحضار بعض أفكار عالم الأعصاب البرتغالي – الأميركي أنطونيو داماسيو، الذي سبق وعبّر عن افتتانه أكثر من مرّة بطبيعة المشاعر الانسانية، من خلال بعض مقابلاته التلفزيونية وكتبه.
أجرى هذا العالم دراسة على الأشخاص الذين يعانون من إصابات دماغية أضرّت بجزء من أدمغتهم حيث تتولد المشاعر، وكانت النتيجة أن هذه الإصابات لم تؤثر فقط على قدرتهم على الشعور، بل أثرت أيضاً على قدرتهم على اتخاذ القرارات، حتى البسيطة منها، علماً أن الجزء الخاص بالمنطق لديهم لم يتضرر.
ومن هنا اعتبر داماسيو أن العواطف مهمة جداً في عملية اتخاذ القرارات، وأنه في الواقع، مهما بدت لنا القرارات منطقية، إلا أن نقطة الأساس في الاختيارات تستند إلى العاطفة أولاً، مؤكداً أن المشاعر ليست مجرد جانب مظلل من العقل ولكنها تساعدنا في الوصول إلى القرارات أيضاً.
وأصبح داماسيو اليوم مهتماً بشكل متزايد بالدور الذي تلعبه العواطف في عمليات صنع القرارات، وفي صورتنا الذاتية. وأظهر في العديد من كتبه كيف أن بعض المشاعر هي حجر الزاوية لبقائنا، وأن عملياتنا التنظيمية الداخلية والعاطفية لا تحافظ على حياتنا فحسب، بل تشكل في الواقع أعظم إنجازاتنا الثقافية.
"الذكاء العاطفي"
وفي كتابه "الذكاء العاطفي"، يؤكد دانيال غولمان أن فهم العواطف أكثر صلة بحياة ناجحة من امتلاك ذكاء عالٍ. فغالباً ما يعاني الأشخاص ذوو معدل الذكاء المرتفع في العمل بسبب نقاط ضعفهم في مهارات العلاقات الإنسانية الأساسية. ويطلق غولمان على هذه المهارة اسم "الذكاء العاطفي"، الذي يرى أنه يحدد إلى حد كبير نجاحنا في العلاقات والعمل وحتى العافية الجسدية، وأنه نوع من الذكاء الاجتماعي يتضمن القدرة على مراقبة مشاعر الفرد ومشاعر الآخرين، والتمييز بينها، واستخدام المعلومات لتوجيه تفكير المرء وأفعاله.

ويعتبر الكاتب أن العواطف هي الطاقة والوقود الأساسي لعملية الإقناع واتخاذ القرارات. ومن دون الاستفادة من مشاعر أي طرف آخر أو جمهور، لا توجد قوة أو طاقة في رسالتك، فالعاطفة هي قوة يمكنك تسخيرها واستخدامها عملياً في كل جانب من جوانب الإقناع وفي اتخاذ القرارات.
وبين أهم الأفكار المرتبطة بالعاطفة، أفكار الكاتب والفيلسوف الاسكتلندي دافيد هيوم في القرن الثامن عشر، كما وردت في مجملها في كتابه "رسالة في الطبيعة البشرية". ومن أبرزها أن العقل يولد فارغاً من المعرفة، وأن العاطفة أسبق من العقل وهي التي تزوده بالأحكام الأخلاقية. فالعاطفة بالنسبة إلى هيوم جاءت قبل المنطق، فلا تأتي الأحكام الأخلاقية من المنطق وإنما من العاطفة، التي هي مصدر الأخلاق والمعرفة، وهي التي تقرر أن هذا الشيء جميل أو لا، جيد أو سيئ، ليأتي العقل في ما بعد ويبرهن الأفعال ويبررها. ولكن هيوم يشير إلى أن العقل وحده لا يقيّم الأمور أخلاقياً بوصفها جيدة أو سيئة، وإنما يرتب الحقائق ليقرر كيف يحقق ما تكشف العاطفة أنه جيد. فبالتالي، نستنتج من ذلك، أن العاطفة حسب هيوم، أسرع وأقوى من المنطق في اتخاذ القرارات.
أهمية معرفة العاطفة
أما هربرت سيمون، العالم الأميركي الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد، فيقول: "من أجل فهم العقلانية البشرية واستيعابها، علينا أن نفهم أولاً الدور الذي تلعبه العاطفة فيها". ويشير إلى أن العواطف تؤثر على نتائج عدد كبير من القرارات التي نواجهها في يوم واحد، وقد تحرفها أو تحددها تماماً في بعض الأحيان. لذلك، يتعين علينا جميعاً أن نعرف قدر الإمكان عن العواطف وتأثيرها، لاتخاذ أفضل القرارات وأكثرها موضوعية.
ويعتقد كثيرون فعلاً أن بعض المواقف، ولا سيما المرتبطة بالعلاقات الانسانية، لا تتطلّب سوى التدخّل
العاطفي مع مشاعر حساسة! وهنا أعود إلى آراء بعض المعلّقين على سؤالي في الاستفتاء على صفحتي في "إنستغرام".
آراء متباينة
تقول رولا دياب، خرّيجة كلية الطب والجراحة العامة في جامعة فيرارا الايطالية، متأثرة بنظرية لويجي جوسّاني، وهو كاتب إيطالي ومفكر ومحاضر جامعي ويعدّ من أهم رجال اللاهوت في عصرنا: "لا أعتقد أن هناك ما يسمى عاطفة أو قلباً في عملية صنع القرار، ولا يمكن ربط العاطفة والمشاعر بالقلب، حيث أنها موَقتة وقابلة للتغيير".
فقلب الإنسان حسب جوسّاني، هو مركز الإنسان وأساس الذكاء والإلهام والتطلعات والحرية، وليس مجرد مقعد للعواطف والمشاعر. وتضيف دياب: "يجب على الإنسان أن يتخذ قرارات عبر إدراكه الحسّي، ومعرفته لذاته ووجدانه ولكيانه المتكامل، وانطلاقاً من خبرته في الحكم على أي فعل قد ارتكبه، بشكل غير متعارض مع القلب الذي وحده يعلم ويدرك ما هي متطلباتنا الانسانية، من حب وسعادة وفرح وجمال".
أما مريم الساحلي، وهي زوجة وأم لثلاثة أولاد، فكانت من الأشخاص الذين صوّتوا للعاطفة، معلّلة ذلك: "بطبيعة الحال، نحن شئنا أم أبينا مجبولون على كمّ كبير من العواطف الفطرية، المرتبطة بعادات وقيم ومعتقدات موروثة قد لا يمكن المساس بها، تخلق معنا وترافقنا في كل مراحل حياتنا بدءاً من مرحلة التنشئة حتى مرحلة الرشد. وهذه المشاعر، من الصعب تجاهلها حينما تتعلّق قراراتنا بمسائل قد تؤثر على علاقاتنا مع الآخرين، سواء كانوا أفراداً من العائلة أم من البيئة المحيطة. فمن منا لم يسبق أن اتخذ قراراً في حياته ليرضي به فرداً من عائلته، أو صديق طفولة، أو شخصاً يحبّه، أو خوفاً من ردود فعل قاسية، على حساب راحته وقناعاته؟". وتضيف: "لكن مع مرور الوقت، لا يتعلّم المرء تجاهل هذه العواطف، بل يتعلم كيفية التحكم بها من خلال دمج العامل المنطقي في أي فكرة".
وفي رأي مغاير يقول حسين، وهو متخرّج من كلية العلوم في جامعة بواتييه الفرنسية: "لم أرَ سعادتي سوى في السير وراء عاطفتي. كان منطقياً جداً، بالمفهوم العقلاني، أن أتزوج من زميلتي في دراسة الدكتوراه، حيث كان فارق العمر مثالياً، وكذلك الأمر من ناحية التوافق الفكري والأخلاقي، كما أن زواجنا في فرنسا يعتبر مقدمة مثالية لبناء أسرة تعيش نوعاً من الاستقرار والأمان الاجتماعي والاقتصادي، لكنّ هذه الدوافع المنطقية كلها لم تكن هي ما أغراني للإقدام على هذه الخطوة، بقدر ما دفعني الحبّ، وهو ما كنت أبحث عنه. فأنا أعرف الكثير ممن يعانون من التعاسة في حياتهم الزوجية، فقط لأنهم ساروا وراء المنطق وحده في خياراتهم العاطفية، دون الاكتراث للجانب العاطفي. كثيرون هم من يعيشون استقراراً خارجياً مزيفاً يرافقه تخبط داخلي عميق، يترجم حجم الفراغ العاطفي وأثره على حياتهم". ويختم مستنتجاً: "لذلك يجب على العاطفة أن تحكم العلاقات البشرية كلها، فمتى ما وجد الحب، وجد الخير، أما المنطق فهو مغلوب على أمره حتى أمام الحظ، فكيف به أمام القلب؟".
يقف الانسان حائراً بين جمال العاطفة وهيبة العقل، ولكن أهميتهما كمحرّكين أساسيين لتصرّفاتنا، تكمن في كيفية استخدامهما. فإذا لم يحسن الإنسان استخدام عقله، سقطت هيبة منطقه، وإذا أفرط في العاطفة، بهتَ رونقها. قد يكون الحلّ في صيغة تجمع بينهما، فالعقل والعاطفة يشكلان دائماً مزيجاً رابحاً.
آراء متباينة
تقول رولا دياب، خرّيجة كلية الطب والجراحة العامة في جامعة فيرارا الايطالية، متأثرة بنظرية لويجي جوسّاني، وهو كاتب إيطالي ومفكر ومحاضر جامعي ويعدّ من أهم رجال اللاهوت في عصرنا: "لا أعتقد أن هناك ما يسمى عاطفة أو قلباً في عملية صنع القرار، ولا يمكن ربط العاطفة والمشاعر بالقلب، حيث أنها موَقتة وقابلة للتغيير".
فقلب الإنسان حسب جوسّاني، هو مركز الإنسان وأساس الذكاء والإلهام والتطلعات والحرية، وليس مجرد مقعد للعواطف والمشاعر. وتضيف دياب: "يجب على الإنسان أن يتخذ قرارات عبر إدراكه الحسّي، ومعرفته لذاته ووجدانه ولكيانه المتكامل، وانطلاقاً من خبرته في الحكم على أي فعل قد ارتكبه، بشكل غير متعارض مع القلب الذي وحده يعلم ويدرك ما هي متطلباتنا الانسانية، من حب وسعادة وفرح وجمال".
أما مريم الساحلي، وهي زوجة وأم لثلاثة أولاد، فكانت من الأشخاص الذين صوّتوا للعاطفة، معلّلة ذلك: "بطبيعة الحال، نحن شئنا أم أبينا مجبولون على كمّ كبير من العواطف الفطرية، المرتبطة بعادات وقيم ومعتقدات موروثة قد لا يمكن المساس بها، تخلق معنا وترافقنا في كل مراحل حياتنا بدءاً من مرحلة التنشئة حتى مرحلة الرشد. وهذه المشاعر، من الصعب تجاهلها حينما تتعلّق قراراتنا بمسائل قد تؤثر على علاقاتنا مع الآخرين، سواء كانوا أفراداً من العائلة أم من البيئة المحيطة. فمن منا لم يسبق أن اتخذ قراراً في حياته ليرضي به فرداً من عائلته، أو صديق طفولة، أو شخصاً يحبّه، أو خوفاً من ردود فعل قاسية، على حساب راحته وقناعاته؟". وتضيف: "لكن مع مرور الوقت، لا يتعلّم المرء تجاهل هذه العواطف، بل يتعلم كيفية التحكم بها من خلال دمج العامل المنطقي في أي فكرة".
وفي رأي مغاير يقول حسين، وهو متخرّج من كلية العلوم في جامعة بواتييه الفرنسية: "لم أرَ سعادتي سوى في السير وراء عاطفتي. كان منطقياً جداً، بالمفهوم العقلاني، أن أتزوج من زميلتي في دراسة الدكتوراه، حيث كان فارق العمر مثالياً، وكذلك الأمر من ناحية التوافق الفكري والأخلاقي، كما أن زواجنا في فرنسا يعتبر مقدمة مثالية لبناء أسرة تعيش نوعاً من الاستقرار والأمان الاجتماعي والاقتصادي، لكنّ هذه الدوافع المنطقية كلها لم تكن هي ما أغراني للإقدام على هذه الخطوة، بقدر ما دفعني الحبّ، وهو ما كنت أبحث عنه. فأنا أعرف الكثير ممن يعانون من التعاسة في حياتهم الزوجية، فقط لأنهم ساروا وراء المنطق وحده في خياراتهم العاطفية، دون الاكتراث للجانب العاطفي. كثيرون هم من يعيشون استقراراً خارجياً مزيفاً يرافقه تخبط داخلي عميق، يترجم حجم الفراغ العاطفي وأثره على حياتهم". ويختم مستنتجاً: "لذلك يجب على العاطفة أن تحكم العلاقات البشرية كلها، فمتى ما وجد الحب، وجد الخير، أما المنطق فهو مغلوب على أمره حتى أمام الحظ، فكيف به أمام القلب؟".
يقف الانسان حائراً بين جمال العاطفة وهيبة العقل، ولكن أهميتهما كمحرّكين أساسيين لتصرّفاتنا، تكمن في كيفية استخدامهما. فإذا لم يحسن الإنسان استخدام عقله، سقطت هيبة منطقه، وإذا أفرط في العاطفة، بهتَ رونقها. قد يكون الحلّ في صيغة تجمع بينهما، فالعقل والعاطفة يشكلان دائماً مزيجاً رابحاً.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
5/16/2026 11:00:00 PM
ماذا جرى قُرب بيت شيمش في القدس؟
الولايات المتحدة
5/17/2026 12:57:00 PM
مستشار المرشد الإيراني: تهديدات ترامب التي تؤججها تل أبيب تُمثّل فخاً استراتيجياً
لبنان
5/17/2026 9:48:00 AM
غارات إسرائيلية متواصلة على قرى جنوب لبنان والبقاع الغربي
لبنان
5/18/2026 12:00:00 AM
تحدثت معلومات ديبلوماسية عن أنّ لبنان تبلّغ عبر سفارته في واشنطن طرحاً يرتبط بمساعٍٍ لتحقيق وقف تام وشامل لإطلاق النار خلال 24 إلى 48 ساعة من منتصف ليل السبت - الأحد بين "حزب الله" وإسرائيل...
نبض