"ألو؟؟" لهاغوب درغوكاسيان: عاشقة معلّقة بحبال "الصوت البشريّ"
Smaller Bigger

بقي هاغوب درغوكاسيان أميناً لحبكة كوكتو في "الصوت البشري" (1930) وهو يعيد تقديمها على خشبة "مونو" بأداء أنجيلا خليل في جديده "ألو؟؟".

المسرحيّة (40 دقيقة) عبارة عن مشهد واحد تشغله ممثلّة واحدة وصوت واحد. مونودراما مكتملة المعالم: تعيش امرأة حالة متطرّفة من غياب التّوازن الوجدانيّ والوجوديّ، لأنها معلّقة بفُتات وذكريات علاقتها مع حبيبها الّذي تتبادل معه الحديث في المكالمة الأخيرة قبل أن يفترقا ليلة زواجه. تتجرّع الويسكي بإسراف، أكوام من أعقاب السجائر، حبوب مهدّئة، وهاتف. تنتهي المسرحية بموت الشخصيّة خلف ستارة بيضاء شفّافة، كانت مسدلة في الخلفيّة، في إيحاء أنّ الموت حاضر في المكان ("غرفة القتل" وفق كوكتو) وإن لم نرَه، وما الانتقال إلى الضفة الأخرى سوى الاستسلام لوجوده. 

تطرح "ألو؟؟" إشكاليّات فلسفيّة في عاطفة المرأة المركّبة، وقد تشطط إلى حدّ التناقضات:  الهروب/اللجوء، الكذب/الصدق، الضعف/القوة، الاستسلام/المقاومة، الرغبة بالأمر والخوف منه... كلّ هذه التجاذبات النّفسيّة تدور في فلك "الوحدة" التي تهابها المرأة، فتتظاهر بالقوة ثم ما تلبث أن تعترف بضعفها، مستلهمة النجاة بصوت الحبيب الذي هجر، فتنتقل به إلى ماضي المواعدات في الأوتيلات، وبيروت وباريس، مروراً بأتفه التفاصيل مثل علبة أعقاب السجائر، والرسائل التي تتحضّر لإحراقها.

وعدا عن الثنائيات، تدخل المسرحيّة إشكاليّة أزليّة لا تزال المرأة تخوض صراعاتها مع الذات قبل المجتمع: ما التّحرّر؟ وهل تكون المرأة المتحرّرة حرّة إن كسرت تابوهات فرضها الآخر، فأقامت علاقات جنسية قبل الزواج وأسرفت في الثمالة والتدخين، وهي المرأة نفسها الّتي تعلّقت برجل تزوّج غيرها، وبوهم أنّه لا يزال يحبّها "لكنها الظروف..." ثمّ تموت صريعة هذه الأوهام، وهي تردّد "لقد قرّرت أن أكون قويّة"!

ينبغي الوقوف هنا عند دور الملابس والديكور. ثمّة غرابة أوليّة في مظهر الشابة المنهارة، لكنها لا تزال تقدّر أنوثتها في ثوب أحمر رقيق مغطّى بوشاح يزيد مظرها اغراءً. دلالة أخرى على تستير الهشاشة الداخليّة بالغواية التي تفرض نوعاً من السيطرة العاجلة. لكن الجسد المشتهى نفسه، انهار لحظة تأمّل شقائه، وهذا ما انعكس في تشفير الكشف، حين مالت الشخصية إلى الأرض وكان ظهرها وكتفاها مكشوفين.

في الوقت نفسه، يمنح المظهر والتأثيث بنمط الـ "آرت ديكو" تقاطعات بين الزمن الماضي والحاضر، فتتداعى منه صورة "الديفا" الجميلة والمتحررة لكن في داخلها امرأة تعيِسة تحطمها هزائمها فتنتحر؛ داليدا، مارلين مونرو، داني بسترس...

لا تزال المعالجات الفنية تتوالى على "الصوت البشريّ"، آخرها في فيلم ألمودوفار (2021) الذي حافظ على العنوان، وأوّلها في مسرح الكوميديا الفرنسيّة في عام النشر (1930)، وروسيليني كان الأول سينمائيّاً (1947)، وفي لبنان جسّدتها لينا أبيض في "صوته" (2016)، وعديدون غيرهم... تفرّد درغوكاسيان بمعالجة إخراجيّة استغنت طويلاً عن التليفون، فعزّزت حالة الهلوسة، وأوقعت المشاهد في التباس بين أن تكون الممثّلة تتابع حديثاً على التليفون أو تتخيّل المكالمة. تضع هذه الرّؤية "الصوت البشري" في نصابها الحديث: أيكون التليفون- الآلة- هو صوت الإنسان أم وسيلة الاتصال به؟ الرسالة أم القناة؟ معالجة تفتح نقاشاً سيميائيّاً حول العلاقة بين الإنسان والهاتف في شرارات التجانس اللفظي الذي يقترحه العنوان بين (voix) صوت، و (voie) طريق.  

في "ألو؟؟"، تطغى لعبة الأصوات. صوت المتكلّم غائب، لكنّه المسيطر. يسيّر انفعالات الممثلّة ويشدّ ذهن المتلقي ليملأ الفراغ بالعبارة أو الكلمة المناسبة. لا شكّ أنّ الامتحان ليس بديهيّاً، للمؤلّف والممثلّة على حدّ سواء، لكن المعالَجة مرّرته بسلاسة مُركّزة، فنجحت في تركيب الأصوات وتطويع حجم أدوارها: نصف النّص غيّبه الفراغ، فجسّدت الممثلة الصّوت والصّدى، محمّلةً في الوضعيّتين بشحنات عاطفيّة عالية فرضت حالة من الترقب طوال العرض.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 4/13/2026 12:00:00 PM
مصر تحت صدمة وفاة البلوغر بسنت سليمان بعد بث مباشر مأساوي من شرفة منزلها
لبنان 4/15/2026 6:55:00 PM
 تمّ إخلاء الفندق من النزلاء كإجراء احترازي...