خادمة آل ماكبث تتمرد على شكسبير في "الليدي إم"
يعتمد العرض المسرحي في أساسه على واحدة من أهم ما تشترك فيه الفنون المابعد حداثية في ما يعرف بـ"كسر الهالة" التي تعمد إلى السخرية والتهكم والتقليل من كل ما هو مقدس أو يحظى بمكانة اجتماعية عالية، عبر تشويه أعمال إبداعية حظيت لعقود بتقدير كبير، بالإضافة إلى العودة إلى التراث وإعادة توظيفه بشكل مغاير يظهر بصورة قبيحة أحياناً.
يعمد العرض المسرحي "الليدي إم" إلى هذه المفاهيم المابعد الحداثية عبر السخرية من ويليام شكسبير وانتقاده بشكل حادّ يصل إلى توجيه السباب له صراحة بلفظ خارج ينتهي به العرض المسرحي، والانتقاد الحاد لطريقة تناوله للشخصيات والأحداث.

المكان
تظهر خشبة المسرح بأغراض بسيطة جداً لكنها غنية بالتحولات متمثلة في صندوق في مقدمة خشبة المسرح وفي منتصفها تماماً تارة يتحول إلى سرير أو قن دجاج أو طاولة، أو خزانة ملابس، مع وجود باب مفتوح في الجزء الخلفي من خشبة المسرح ويقابله من الناحية الأخرى ما يشبه سرير قائم ظاهرة ملله. وفي مقدم الخشبة على الجانب الأيمن يقع مجلد الأعمال الكاملة لوليم شكسبير مستنداً إلى خنجر يتم استدعاؤهما عند الحاجة.
تشارك الممثلة جمهور قاعة العرض في التعريف بمكونات المسرح متوجهة إليه بالسؤال المباشر عما يقترح أن يكون هذا المكان. "هذا المكان مطبخ وذلك غرفة نوم"، وتخبرهم في مواطن أخرى بتحولات المكان والانتقال من مشهد إلى آخر.
وامتازت السنوغرافيا البصرية والمؤثرات الصوتية والموسيقية بالبساطة نفسها من خلال إضاءة الخشبة باللون الأحمر للدلالة على مقتل الملك على سرير مضيفه ماكبث، نعيق البوم أثناء القتل وغيرها من المتغيرات التي تتناسب مع الحدث المسرود من قبل الوصيفة التي أحسنت "آن ماري" تجسيدها على خشبة المسرح، وأضفت عليها طابعاً كوميدياً لكسرة حدة الملل.
من الهامش إلى المتن
وفي العرض المسرحي، تحكي وصيفة الملكة ليدي ماكبث أحداث مسرحية ماكبث من وجهة نظرها الشخصية بعيداً عمّا سطره شكسبير في عمله الخالد منتقدة وبشدة إغفال شكسبير لدورها في المسرحية.
كما أنه منح شخصيات أخرى دوراً أكبر من الدور المنوط بها أخذه من حيّز الأحداث. ومن الملاحظات التي وجهت إلى مسرحية "ماكبث" من بعض النقاد والمهتمين أنّ شكسبير لم يهتم برسم ملامح شخصيات هذه المسرحيةـ ما عدا ماكبث وليدي ماكبث في حين جاءت بقية الشخصيات باهتة ولم تحظ بقدر من الاهتمام نفسه. إلا أن هناك ما يسوغ هذا التسطيح درامياً هو التركيز على هاتين الشخصيتين فقط إبراز التحولات التي مرت بهما.
وهذه النسخة من الأعمال الكاملة لم تعتمد على طبعة ظهرت أثناء حياة كاتبها ولا على الأصل الذي كتبه بخط يده ثم ضاع، وإنما نقلت عن نسخ بعض ممثلي المسرحية أو نسخة الملقن، لذا كانت مملوءة بالأخطاء والجمل الغامضة والناقصة غير المكتملة، وتكثر فيها المشاهد القصيرة كما أنها تعدّ أقصر نصوص شكسبير، مما يرجح أن يد الحذف والاختصار قد عملت فيها بقوة وأن محرّري الأعمال الكاملة لهذه المسرحية قد اعتمدوا على نص غير كامل بعدما جرى اختصاره في عرض بالبلاط الملكي، ولم تسعف الذاكرة المحررين إلى إعادة ما تم حذفه حتى يعيدوا المسرحية إلى أصلها الأول.

المهمشون
وتمسك الوصيفة في العرض المسرحي بزمام السرد للأحداث من وجهة نظرها التي تزعم أن شكسبير قد أغفل مكانتها وحجّم من حركتها رغم أن كثيراً من خيوط الحبكة الدرامية كانت في يديها. فهي كانت شاهدة على تخطيط ماكبث مع الليدي على قتل الملك الشرعي لاسكوتلاند "دانكان" من خلال تجسسها على مخدع الزوجين أثناء عملها، رأت عملية القتل التي حدثت وشاهدتها الليدي تحت السرير ودماء الملك المغدور تتساقط عليها.
ومكافأة لصمتها على جريمة القتل، رُقّتها الليدي ماكبث من خادمة إلى وصيفة الملكة. وتظهر صورة الوصيفة في العرض المسرحي بوصفها متمردة على كل ما خطّه شكسبير، لا سيّما تهميشه لها. ولذلك فإنّها تعترض على ما كتبه وتعيد صياغة القصة من جديد بما يضمن حضورها وحدها، فتمنح نفسها دور البطولة المطلقة موجهة الكثير من اللوم على المؤلف الذي ركّز على مشاعر الليدي والاضطرابات النفسية التي مرت بها جراء فعلتها متجاهلاً في الوقت ذاته الحالة النفسية لوصيفةٍ شاهدت عملية القتل عن غير قصد، ما منع النوم عنها، مكتفياً بأن يعطيها حواراً لا قيمة له مع الطبيب حول اضطرابات النوم التي تعاني منها زوجة ماكبث.
هكذا، ركّز العرض المسرحي على المشاعر الخاصة بالوصيفة وإظهارها للعلن بوصفها عنصراً فاعلاً وشاهداً مهمّاً على الأحداث وقد ساهمت في تطوير المسرحية وصناعة حبكتها وإثرائها بالتفاصيل التي غفل عنها مؤلف النص عن عمد.
نبض