26-02-2023 | 13:37

"نزهة في الطّبيعة" مع التّشكيلية فاطمة الحاج... من مدينة الحب إلى حدائق الرّوح

​ بعد باريس يحلّ معرض الفنانة فاطمة الحاج في بيروت في غاليري مارك هاشم (حتى 7 آذار/ مارس المقبل)، تحت مسمى "نزهة في الطبيعة"، ويشتمل على مجموعة من الاعمال غالبيتها من الاحجام الكبيرة، تعكس مشهدية المناظر المقطوفة من ساحات باريس ومتاحفها وحدائقها وساحاتها. مثل حلول الربيع قبل أوانه، كذلك يأتي المعرض بما يحمله من فرح ووعود وزينة حياة ملونة نابضة بالقوة والاندفاع. بإمكاننا أن نشعر بضربات ريشتها مثل ضربات القلب وهي تبني بلا تردد ولا حذر طبقاتها النافرة بانفعالات بصرية تصل الى الاوج في احتفالاتها بالطبيعة، بين نغمات وزغاريد وايقاعات ورقص وانسجام وتودد وانكباب على القماش. انكباب لا يترك فراغاً إلا ويشغله ولا حيزاً إلا ويملأه حباً وانغماساً وبهجة وزخرفاً. لا يمكن الافلات من غواية أعمال فاطمة الحاج، لأنها بكل بساطة تعيدنا الى احضان من نحب، من كبار فناني الحداثة: من استاذها شفيق عبود الى ماتيس وبونار وفويلار، هؤلاء الذين اخذوا الفن الى قماشته الزخرفية المستلهمة من عالم الشرق بمنحى تأليفي يتسم بالبساطة والتعقيد في آن واحد. ليس هيناً أن تكون الفنانة وريثة جماليات هؤلاء الكبار، وكذلك ليس من السهل ان تتميز عنهم باسلوبها الخاص الذي يجمع بين ضفتي الشرق والغرب.
"نزهة في الطّبيعة" مع التّشكيلية فاطمة الحاج... من مدينة الحب إلى حدائق الرّوح
Smaller Bigger

بعد باريس يحلّ معرض الفنانة فاطمة الحاج في بيروت في غاليري مارك هاشم (حتى 7 آذار/ مارس المقبل)، تحت مسمى "نزهة في الطبيعة"، ويشتمل على مجموعة من الأعمال، معظمها من الأحجام الكبيرة، تعكس مشهدية المناظر المقطوفة من ساحات باريس ومتاحفها وحدائقها وساحاتها.

مثل حلول الربيع قبل أوانه، كذلك يأتي المعرض بما يحمله من فرح ووعود وزينة حياة ملونة نابضة بالقوة والاندفاع. بإمكاننا أن نشعر بضربات ريشتها مثل ضربات القلب وهي تبني بلا تردد ولا حذر طبقاتها النافرة بانفعالات بصرية تصل إلى الأوج في احتفالاتها بالطبيعة، بين نغمات وزغاريد وإيقاعات ورقص وانسجام وتودد وانكباب على القماش. انكباب لا يترك فراغاً إلا ويشغله، ولا حيزاً إلا ويملأه حباً وانغماساً وبهجة وزخرفاً.

لا يمكن الإفلات من غواية أعمال فاطمة الحاج، لأنها بكل بساطة تعيدنا إلى أحضان من نحب، من كبار فناني الحداثة: من أستاذها شفيق عبود إلى ماتيس وبونار وفويلار، هؤلاء الذين أخذوا الفن إلى قماشته الزخرفية المستلهمة من عالم الشرق بمنحى تأليفي يتسم بالبساطة والتعقيد في آن واحد.

ليس هيناً أن تكون الفنانة وريثة جماليات هؤلاء الكبار، كما ليس من السهل أن تتميز عنهم بأسلوبها الخاص الذي يجمع بين ضفتي الشرق والغرب.

 

 

فردوس أرضي 

شغل الفن حياة فاطمة الحاج، وإذا تتبّعنا خطواتها الفنية نكون قد لامسنا مفارق حياتها بتشعبات دروبها وجمالها وصعابها، وهو فن مهجوس بالأرض وجمال الطبيعة التي توجزها الحديقة في الفكر الإسلامي وكذلك في فن المنمنمات، حيث الحديقة ما هي إلا فردوس أرضي بطابعها الروحيّ العميق، بعطورها ورياحينها ونباتها وترابها وكائناتها.

ولطالما كانت الحديقة مقرّ أحلام فاطمة الحاج، عاشت في نعيمها في منزلها في الوردانية (بلدة لبنانية من قرى قضاء صور)، ثم بحثت عنها في شعر نظامي الذي سافر حول العالم كي يجد في بلدان غريبة حدائق إلهامه الشعري بأبعاده الروحانية. المفارقة الحقيقة في تآليف لوحات فاطمة الحاج، أنها تقوم على بعد واحد أو بعدين، وهي على تقاطع مع الأسلوب الياباني في بناء مقدمة اللوحة بناءً زخرفياً يعتمد على العناصر النباتية والألوان الزاهية، وعلى تماس مع مناظر بونار في العلاقة بين الداخل والخارج ولمسته الصغيرة وتراكمياتها.

ورغم أنها بعيدة من أسلوب عبود التجريدي، هي تتفق معه في تحاشي البؤرة الوسطية في الفضاء التصويري، معتمدة في توزيع عناصرها على الحواشي والأطراف. ولعلّ الإفراط في التنغيم اللوني (لون على لون من فئته أحياناً) بين الحار والبارد، وطبقات الأكريليك ثم بالألوان الزيتية تعقيباً، وتقسيم الضربات اللونية الصغيرة وتضعيفها بالـ"تونات" الشبيهة بتقاسيم الموسيقى، ما يجعل العمل التلوينيّ حاراً ونارياً ومضيئاً ومنمنماً شبيهاً بالرقش لفرط الإشباع الذي يصل إلى التخمة في جماله ونضرته وتألقه البصري.

 

أزهار بحيرة جيفرني على بارافان خشبي

 

الطّبيعة متعة الوجود

الفن الذي تنتهجه فاطمة الحاج لا يفارق الأرض من فرط التجذر، ولكنه يبني مداميكه في فضاء متناغم وشمولي في سطحه وأبعاده وتخيلاته الوفيرة، لا يشبه بجماله سوى عناصر الطبيعة وكائناتها وموجوداتها. إنه فضاء فسيح ذو امتداد، في سمائه وغيومه وآفاقه، وغنيّ بمضمونه الإنسانيّ وعناصره من ناس وأمكنة وأشجار وحدائق ومعالم ومواقع وساحات، غير أن الخريف في غابات باريس لا يشبه أي خريف، لأن أوراق الأشجار تصطبغ باللون الأحمر الذي يعم المكان ويغلق الأفق.

عالم مسطح ولكنه يوحي بعمق ما، بسبب المنظور الهوائي المتصل بتأثيرات الألوان الحارة أو الباردة، إنه عالم الطبيعة الرحب والمضياف والمتبسم، يتجلى في نزهات فاطمة الحاج في باريس مدينة الحب، وعاصمة الفن، حيث الأماكن المعروفة والمحببة التي تستقطب إليها الزوار من أنحاء العالم، وهو يدعونا دون أن ندري، للانضمام إليه، كواحد من روّاده.

هل الطبيعة تبدأ من روح الفنان ودواخله قبل أن تصير موضوعاً للرسم؟ هكذا هي لدى فاطمة الحاج التي لا تفترق عن الطبيعة بل رسمها أينما كانت وإلى أي إلى مكان ارتحلت، لا تصوّرها بالمعنى الوصفي كحدث بصري - مكانيّ فحسب، رغم أن تيماتها ومظاهر لوحاتها تؤكد هذا المنحى، ولكنها في آن واحد تسعى إلى التعبير من خلالها عن كيانها وثقافتها وقراءاتها وتاريخ حضارتها وشعرائها وأبطالها المستوحاة من الأساطير، بما لها من إسقاطات متصلة بوقائع الحياة ومجرياتها، سرعان ما تجد مستقرها ومتنفسها في الطبيعة.

 

 

نزهات فاطمة الحاج في قسط كبير منها مستوحاة من خصائص الأمكنة التي تتردد عليها وتتسكع فيها، حاملة جعبتها وأوراقها وأقلامها وألوانها، حتى تجد في رحابها ما يبعث على الإلهام. من أجمل الأعمال في المعرض اللوحة الجدارية التي رسمتها لساحة "الغراند باليه" التي تعج بصفوف القاصدين بمظلاتهم تحت المطر، وقد علقّ على واجهاته الخارجية ملصقين لمعرضين متزامنين، واحد لتولوز لوتريك فنان "المولان روج" أي "الطواحين الحمراء" وبنات الهوى وبيوت الليل، ومعرض للفنان آل غريكو الذي أعطى في أواخر القرن السادس عشر صفات جديدة للفن الديني ومعنى مختلفاً للقداسة من خلال حضور المرأة، وكانت مناسبة وجدت فيها فاطمة الحاج تطلعاتها في إبراز سمو المرأة ونبلها لدى كليهما، وكذلك على مرّ الأزمنة.

ثمة لوحة ثانية تعكس مناخات حديقة اللوكسمبورغ، ولوحة ثالثة تمثل منظراً مأخوذاً عن بُعد لواجهة متحف مارموتان، فضلاً عن لوحات رسمتها لبُحيرة حديقة مونيه (رائد الانطباعية) في جيفرني ولزهرات الماء Nymphéa على لوحات عديدة وعلى بارافان من الخشب، وهي تزور عادةً بيت مونيه وحديقته في فصلي الربيع والخريف، كي تستلهم منهما أعمالها.

 

في حديقة اللوكمسبورغ

 
  

فاطمة الحاج لا تجد نفسها إلا في الطبيعة. وكذلك فنها مرتبط بالمكان ارتباطاً عضوياً ووجودياً. هكذا تأخذ الطبيعة في أعمالها اتجاهين، يقعان ما بين إيحاءات الواقع المرئي، أي التجربة الميدانية المعيشة، والطبيعة بمفهومها الاستعاري - التجاوزي حين تستدعي شخصيات وحوادث وأبطالاً وقصصاً تتخطى المنظر الطبيعي التقليدي لتصل إلى عتبات الحلم بحياة أفضل حين تكون أكثر إنسانية. وفي هذا النطاق الاستعاري للطبيعة رسمت فاطمة الحاج أعمالاً من وحي أسطورة أليسار وأوروبا، وغاصت في سيرة عنترة، ليس كبطل شعبي نموذجي، بل كشاعر تعرض لشتى العذابات وظل محافظاً على القيم الأخلاقية التي تحلى بها. ثمة أشياء غير مباشرة في نزهات فاطمة الحاج، تقول بأن النزهة هي أيضاً قراءة كتب وزيارة متاحف وحقل تعلّم لا ينتهي. وكأن الحاجة إلى النزهة هي لمتعة الوجود ولردم التهجير الروحي العميق.

 

لوحة الغراند باليه للفنانة فاطمة الحاج

 

 

الأكثر قراءة

لبنان 3/31/2026 5:00:00 AM
محاولات متواصلة للتقدّم إلى مجرى الليطاني، إضافة إلى قطع طريق الساحل ومحاصرة بنت جبيل 
لبنان 3/31/2026 10:21:00 AM
مواجهات جنوب لبنان: مقتل 4 جنود إسرائيليين بينهم ضابط  وإصابة 6
موضة وجمال 3/27/2026 6:53:00 PM
أكسسوارات الحقيبة باتت بيان هوية… ودمية "براتز" تعود باسم "براتزيز"