11-01-2023 | 17:24

إيفلين عشم الله تواجه محنتها المرضية بالدهشة والبهجة

في أحدث منشوراتها على صفحة "فايسبوك" الخاصة بها، في يناير/كانون الثاني 2023، تتناول التشكيلية المصرية المخضرمة إيفلين عشم الله (من مواليد 1948) تفاصيل محنتها المرضية الأخيرة، التي أفقدتها الحركة بضعة أشهر لحاجتها إلى تغيير مفصلي الركبة، متسائلة بعفويتها المعتادة وهي على أعتاب إجراء جراحة قد تضع حدًّا لآلام جسدها وانكسار روحها "لقد رسمتُ ورسمتُ ورسمتُ، فهل أتممتُ غرس بذوري؟!". وتمضي ابنة مدينة دسوق (محافظة كفر الشيخ) في سرد هواجسها ومشاعرها المضطربة في هذه اللحظة المرتبكة من حياتها، التي لا تخلو من توجس وخوف من المجهول، ولكنها في النهاية تختتم بوحها وفيوضاتها الإنسانية بالأمل والتفاؤل.
إيفلين عشم الله تواجه محنتها المرضية بالدهشة والبهجة
Smaller Bigger

في أحدث منشوراتها على صفحة "فايسبوك" الخاصة بها، في كانون الثاني (يناير) 2023، تتناول التشكيلية المصرية المخضرمة إيفلين عشم الله (من مواليد 1948) تفاصيل محنتها المرضية الأخيرة، التي أفقدتها الحركة بضعة أشهر لحاجتها إلى تغيير مفصلي الركبة، متسائلة بعفويتها المعتادة وهي على أعتاب إجراء جراحة قد تضع حدّاً لآلام جسدها وانكسار روحها "لقد رسمتُ ورسمتُ ورسمتُ، فهل أتممتُ غرس بذوري؟!".

 

وتمضي ابنة مدينة دسوق (محافظة كفر الشيخ) في سرد هواجسها ومشاعرها المضطربة في هذه اللحظة المرتبكة من حياتها، التي لا تخلو من توجس وخوف من المجهول، ولكنها في النهاية تختتم بوحها وفيوضاتها الإنسانية بالأمل والتفاؤل.

 

ومبعث ذلك، أن صاحبة الأنامل النابضة والتجربة الخصبة الراسخة (الحاصلة على بكالوريوس كلية الفنون الجميلة في جامعة الإسكندرية عام 1973) تباغتها دائماً من داخلها، "البتّ فيفي" كما تسمّيها دائماً، وهي ببساطة تلك الطفلة الصغيرة "التي كانت قد هربت مني، لتواصل ألعابها مع أطفال حارة الملاحين. جاءت تجري مسرعة وهي تلهث لتقول بصوت يرتج مع نبضاتها: أبداً أنتِ لم تنتهِ من غرس بذورك، فخير البذور وأجملها وأكملها لا يزال معكِ، يملأ جيوبك!"، على حد تعبيرها.

 

 

تاريخ في الورق والأقمشة

ومثلما ترى نفسها أيضاً، فإن إيفلين عشم الله، الطفلة التي تزهو بكل الأشياء الصغيرة، هي فنانة ينحصر تاريخها الممتد في قلب الورق وأقمشة الرسم. وهي لا تكترث بتوثيق أعمالها اللافتة ومحطاتها المتعاقبة في كتالوغ ضخم أنيق، أو حتى فقير، وذلك لأن الذي سيبقى لها عند البشر سيكون دائماً على مدى الرؤية، لمن يحرصون على استشراف الجمال واقتفاء الأثر "أنا المرأة العجوز، التي كلما ضاقت شبابيك توقعاتها، انفتحت أمامها أبواب واسعة، منقوشة ببعض الحكمة والطيش، ومزيد من الدهشة".

 

ولا تخفى ملامح خصوصية الفنانة إيفلين عشم الله، التي أكسبتها هويتها البارزة وحضورها المتفرد منذ بواكيرها الأولى حتى اللحظة الراهنة، وأنزلتها منزلة رفيعة كإحدى مؤسسات الحركة التشكيلية النسائية المصرية. فالفنانة، التي أقامت عشرات المعارض في داخل مصر وخارجها على مدار أكثر من أربعين عاماً، أحدثها "مدد مدد" قبل أسابيع قليلة، وحصلت على جائزة فاوست العالمية في ألمانيا، هي واحدة من الرائدات النابهات في مجال تصوير المرويّات الشعبية، والأساطير والعوالم السحرية، بأسلوب عصري حداثي لا ينفصل عن الجذور المصرية القديمة.

 

يتجلى ذلك بوضوح في لوحاتها الكثيرة مثلاً عن  أجواء شهر رمضان (الفوانيس، المسحراتي، مدفع الإفطار، الطبول، الزينات، الطراطير، عرائس الحلوى)، وفي معالجاتها لطقوس الفرق الصوفية، واحتفاليات الموالد (كما في مولد العارف بالله القطب الصوفي إبراهيم الدسوقي، في مسقط رأسها)، وملتقيات الدراويش، وحلقات الذكر والابتهال والإنشاد، وغيرها من المناسبات الاجتماعية والدينية، والمشاهد القريبة الزاخمة بأنفاس الحياة، التي تتقصى الفنانة فيها مفردات البيئة المحلية، إلى جانب علاقتها البالغة الرهافة والحساسية بنهر النيل وحكاياته وأسراره وجنيّاته ومراكبه وصيّاديه وأسماكه المسحورة والعجائبية.

 

 

ذاكرة موسوعية

وتمتلك الفنانة إيفلين عشم الله، عضو موسوعة كمبردج العالمية، ذاكرة موسوعية حميمة، مفتوحة على كل ما هو عصري، ومشحونة بكل ما هو تراثي أصيل، وفلكلوري متجدد، غير قابل للاّمحاء.

هذه الذاكرة اللاقطة، مرنة إلى أبعد الحدود، يفجّرها الخيال والحلم، لتصير ذاكرة خلاقة ابتكارية، وليست نمطية تخزينية. فهي بالقدر الذي تحتفظ فيه بالوجوه التي تعرفها، فإنها تبتدع كائناتها، الطبيعية والغرائبية، الواقعية والخرافية، في رحلة حركية نازعة دائماً إلى الفن بوصفه تمرداً وجنوناً وبراءة وتلقائية، ومغامرة لا يحدها إطار من التقيد المنهجي أو الالتزام الصارم بتيار سائد أو مذهب وافد.

 

وهكذا، لا تصطدم هذه الذاكرة الواعية بالفانتازيا واللاوعي في تجربة إيفلين. ويتوازى هذا التجانس والانسجام بين الوعي واللاوعي لديها، مع ذلك التواشج بين الحقيقي الملموس والتاريخي الشفاهي والمحكيّ، في شبكة العلاقات المتداخلة التي تنسجها الفنانة على سطح اللوحة الثرية كجدارية، بغض النظر عن حجمها.

إنها فنانة الحكايات الكبرى التي لا تنتهي، العابرة من الجدّات والأجداد إلى الأحفاد.

ترسم وكأنها تسرد، وتصنع خطوطها وأضواءها وظلالها وكأنها تخمّر العجائن وتنقشها وتخبزها كأرغفة شهية.

وفي ذلك كله فإنها تتحالف مع الدهشة، التي تؤمن بأنها الطريق الأول إلى المعرفة. وقد استوعبت إيفلين عشم الله، العضو المؤسسة لنقابة الفنانين التشكيليين، في وقت مبكر أن البصمة المميزة لمدرسة الفن المصري في عمومها أن يصير التشكيل بوابة للولوج إلى روح الشخصية المصرية، وتفاصيل تركيبة الحياة اليومية الاعتيادية، بعناصرها الشعبية وتربتها المحلية.

 

 

بهجة الروح

تُلبس إيفلين عشم الله شخوصها وكائناتها دائماً أثواب البهجة الروحانية، أو الروح المبتهجة، للغوص وراء الجوهر الكامن خلف السطح.

ففي لوحاتها التي تتناول مظاهر شهر الصيام مثلاً كفريضة دينية وطقس اجتماعي، هناك نفاذ إلى طبقات ومستويات فنية وتعبيرية أكثر عمقاً، تتعلق باستبصار المدارات الإيمانية والانطلاقات الوجدانية في فضاء الخشوع والعبادة والتصوف، بالإضافة إلى تقصي الملامح الشعبية والسمات الاحتفالية في القرى المصرية وفي أحياء القاهرة التاريخية العتيقة، الأمر الذي يصل إلى قنص الأمور والمفاتيح المحورية المستقرة في الشخصية المصرية والوجدان الشعبي الجمعي، وملامسة تفاعلات الحياة وكيميائها المحببة والمألوفة.

 

ومن الممكن اعتبار تجربة إيفلين عشم الله العريضة بمثابة بانوراما متكاملة تعكس "الحالة المصرية" إذا جاز التعبير، تلك الحالة المحتفظة بكنوزها وبنكهتها عبر العصور، والحافلة بخليط من المشاهد والصور والخيالات والحكايات والموروثات والأساطير، وكذلك الموسيقى والغناء والرقص. وهي حالة دينامية تفيض بالحيوية والمرح والصخب، وتضخ طاقة إيجابية لا نهائية في كل عناصرها ومفرداتها.

 

وفي هذا الفلك، فإن الفنانة المصرية تستدعي فوانيس الأطفال في القرى والأحياء الشعبية، بشموعها المتقدة المتوهجة وألوانها الفريدة، كما تستعيد مذاقات الحلوى الشهية المعسولة، وطراطير الصبية الفرحين، وعرائس الفتيات المصنوعة من الأقمشة، ودفوف المسحراتية المتجولين، ومعزوفات النايات والآلات النحاسية، وزينات الأزقة والحارات والشوارع، وشغف انطلاق مدفع رمضان عند الإفطار وعند السحور، ومسابح الدراويش والمتصوفة المشعّة نوراً كوجوههم.

 
 

ومن المدينة إلى الريف، حيث تزغرد إيفلين عشم الله مع الفلاحات والفلاحين عند موعد جني المحاصيل الزراعية، وتُبرز في لوحاتها نضارة الغيطان والأشجار وفرحة الأغصان والأوراق والزهور، منحازة إلى البكارة والاخضرار، وحريصة على مراقصة العصافير والفراشات. كما تمد يديها إلى كل ما تشتمل عليه البيئة المحلية المحيطة من موجودات ومخلوقات، حتى الحشرات الصغيرة، التي استحوذت على اهتمام فناني قدماء المصريين، وحظي بعضها، مثل الجعران، بالقداسة. وهي في تشكيلاتها الباذخة كلها، تنتصر لليقظة الاستثنائية التي تنتقل من العمل الفني إلى حواسّ المتلقي.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.