الاغتراب الفلسطيني في أداء مسرحي راقص
هذا ما ينقله العرض الفلسطيني الشبابي المتميّز "970+" (إنتاج مدرسة الحرية للفنون الأدائية في مخيم جنين)، وهو عرض تجريبي يمزج بين الرقص المعاصر وحكايات متفرقة ترصد معاناة الشباب الفلسطيني واغترابه الشامل.
يبدأ العرض بنداء على ركاب الطائرة 326 بأنها على وشك الإقلاع، فالمطار والحقائب من العناصر التي يكثر رصدها في العروض الفلسطينية، ومنها مثلاً مونودراما بعنوان "سأموت في المنفى" للفلسطيني غنام غنام، بما يحمله المطار والحقائب من معاني الترحال والغربة ليست الجغرافية فقط، بل النفسية والاجتماعية أيضاً.
سفر طويل
يظهر الممثلون في مسرحية "970+" وهم يحملون أمتعتهم على ظهورهم استعداداً إلى سفر طويل غير محدد الوجهة. ورغم بعدهم الجسدي عن الوطن، فإن أرواحهم تظل معلقة به، يسعون إلى التواصل معه عبر الهاتف الذي يجسد في العرض معاناة المغتربين الفلسطينيين من أجل لقمة العيش، وهرباً من الصراعات الداخلية والانقسام، ووطأة الاحتلال.
الهاتف في المسرحية ذو بعد فلسفي أجيد توظيفه في التعبير عن حالة البعد، فلا يتواصل عبر الهاتف إلا مع من لا تراهم بالعين، هو حالة من الوصل واللاوصل، ينقل عبر المسافات أصوات الشوق والحنين والقلق على وطن غادرته أجسادهم، غير أن أرواحهم ظلت هناك لم تبرح مكانها.

الكود ورمزيّته
حمل عنوان المسرحية هذه الرمزية التي أرادها عبر اسمه "970+"، وهو الكود الدولي لدولة فلسطين، كاشفاً أن هذا التواصل مع الوطن الجريح من خلال الهاتف ليس كافياً لإذابة المسافات، بل إنه- على العكس- تذكير دائم لهم بأن المسافة بعيدة من وطنهم، ما يعمّق من شعورهم بالاغتراب.
فالشاب "ص"، الذي هاجر من أجل أن يتزوج من الفتاة التي أحبها نتيجة لضيق الحال في بلاده المحتلة، ينقطع فجأة تواصله معها ليدرك حقيقة "أنّ البعيد عن العين بعيد عن القلب"، وأن اغترابه المكاني قد قتل الحب في نفس حبيبته فهجرته وتزوجت غيره.
وتزداد المأساة أكثر حين تتحول حياة القلق التي تتلبس المغترب في بداية هجرته إلى سمة تلازمه حتى يجد ذاته بعد مرور السنوات قد أصبح جزءاً من البلد الذي تغرّب فيه، وشربته الغربة في بلاد غريبة دون إرادة منه. يتواصون بأخلاق الغرباء، أولها أن الاغتراب دافعه الأساسي اقتصادي متعلق بالمال، فعليه ألا ينسى ذلك ويدخل في علاقات تعطل عن جمع المال. وثاني النصائح التي تمنح للغرباء الجدد ألا تثق في غربتك في حجر أو بشر. ما يضيف على مأساة الاغتراب الجغرافي المكاني اغتراباً نفسياً واجتماعياً يعزله عن العالم ويحوله إلى آلة.
وتتعمد المسرحية ألا تمنح شخوصها السبعة المشاركين في العرض أي أسماء، فقط هم "ص" ليعبروا عن عموم الفلسطينيين، فلا تمنحهم هويات اجتماعية تميز كل فرد منهم على الآخر وتبرز خصائصه الذاتية، فقط هي الهوية الفلسطينية التي تعيش حياة الغربة والاغتراب بصورة شاملة من جميع النواحي.
طابع مفكّك
يتّسم العرض بطابعه المفكك في حكيه. هو يناقش العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بلا حبكة تقليدية ذات بداية ووسط ونهاية، بل لوحات منفصلة يفصل بينها رنين الهاتف الأرضي، وموسيقى تصويرية تعطي إيحاءً بالتوتر والقلق، ورقصات تعبّر عن الحالة النفسية نفسها المراد إيصالها إلى الجمهور.
ويحضر مفهوم القلق على لسان الممثلين أكثر من مرة، والخوف من المصير المجهول في بلد غريب، إلا أنه يبدد رويداً رويداً مع إتقانهم لغة البلد الذي يعيشون فيه، وبمرور السنوات يستعذبون مأساتهم وتصير أمراً عادياً. إلا أن بعضهم لا يستطيع أن يتجاوز تلك الأزمة، فيقررون الانتحار جراء خيبات الفشل المتكرر.
هكذا تتعاطف المسرحية مع هؤلاء المنتحرين ضد من يكفرونهم قائلة بأن "كل الذين لم يحالفهم الحظ كانوا مؤمنين".
ويكشف العرض في إحدى لوحاته الراقصة صورة لمغترب فلسطيني مغطى وجهه، ويدور كما الساقية كدلالة على التشيؤ ودوران المغترب في دائرة مفرغة، كأنه ترس في آلة ليس له من نفسه شيء. وحين يحاول أحدهم كشف القناع عن وجه المغترب وإنقاذه، يجري تكبيل هذا الشخص ومنعه من فعل ذلك كما تقصف أقلام الذين يكشفون عن جرائم الاحتلال.
هكذا، ترسم المسرحية أعراض الغربة في رقصات وحركات أدائية تعبر عن الموت، الكوابيس، الاشتياق، الحنين، التعب، الانتظار، الفراق، ودائماً ما تكون رنات الهاتف رمزاً للبعد والاغتراب.
فساد السّلطة
وينتقل العرض في مشهد آخر إلى فساد السلطة السياسية والمحاباة والإنفاق على أبناء المسؤولين من مال الدولة وانتشار المحسوبية. ويرصد الوضع الاقتصادي الكارثي الذي يعانيه أهل غزة.
ويبين العرض على لسان ممثل يبدو كأنه كاتب الجرائم التي يرتكبها الكيان في حق الفلسطينيين، وقتلهم الأطفال والنساء والشيوخ والشباب بدم بارد، إلا أن هذا الصوت الذي يصرخ منددًا بهذه المجزرة يجري تكميمه ومنعه من الحديث حتى لا يصل صوته إلى الناس. وكما ينتقد العرض السلطة والتنسيق الأمني وجرائم الاحتلال، فإنه لا يغفل عن تقديم النقد إلى بعض فئات المجتمع الفلسطيني نفسه ممن يبيعون آثار فلسطين، وتثور ثائرتهم وأكبر مشكلاتهم إن قبّل أحدهم فتاة في الشارع، وفي الوقت ذاته ليست لديهم مشكلة مع الاستعمار.
العرض- وبإمكانات بسيطة- نجح في تقديم صورة عما يعانيه الإنسان العربي عامة والفلسطيني خاصة من أزمات سياسية واقتصادية، تدفع الشباب إلى الهرب عن أوطانهم بحثاً عن حياة جديدة.
وفي الأخير، فإنّ المسرحية جاءت بكوريغرافيا لإبراهيم فينو، والمتابعة الفنية لأحمد طوباسي، بأداء متميز لطلاب مدرسة التمثيل، من إنتاج مدرسة مسرح الحرية للفنون الأدائية.
نبض